مقدمة من كتاب: حوكمة الشركات العائلية

تعتبر الشركات العائلية حجر الزاوية في العديد من أوجه النشاط الاقتصادي المختلفة، كما إن هذه الشركات قد سجلت على مدار عمرها العديد من النجاحات والنمو، وواكبت التطورات العصرية الهائلة، وعلى الرغم من كل ذلك نجد أن هذا الدور الكبير والهام الذي تقوم به هذه الشركات لا يسلم من وجود نقص هام وخطير يتعلق بالشركات العائلية ذاتها، ألا وهو إمكانية عدم استمرارية هذه الشركات، حيث إن من ضمن خصائصها أن عامل السلوك الإنساني والطبيعة البشرية قد يغلب على قرارات هذه الشركات في أوقات كثيرة، وقد ينتج عن مثل هذه القرارات المتأثرة بعامل السلوك الإنساني عدم الأخذ بوسائل الإدارة الحديثة، وعدم الاستفادة بأهل الخبرة من خارج نطاق العائلة، مما قد يعرِّض هذه الشركات إلى عدم مواكبة مثيلاتها، وعدم قدرتها على المنافسة، مما يؤدي في النهاية إلى انهيارها وخروجها من السوق.

وبالرغم من أهمية الشركات العائلية إلا أنه من المعروف أن العمر التجاري لمعظم الشركات العائلية يصبح قصيرا جدا بعد مرور مرحلة مؤسسها، وأن حوالي 95% من هذه الشركات لا تستمر بعد الجيل الثالث من مالكيها. وينتج هذا غالبا عن عدم تهيئة الأجيال التالية وإعدادهم للتعامل مع متطلبات النمو في هذه الشركات ومع تزايد عدد أفراد العائلة. ولضمان إستمرارية تلك الشركات ونموها في المستقبل ظهر مفهوم حوكمة الشركات العائلية بأعتباره الأداة العملية لتحقيق ذلك والتي أوصت بها العديد من المنظمات والهيئات الدولية المهتمة بالشركات العائلية من خلال أهمية تطبيق الحوكمة والبدأ في أرساء المفاهيم والأسس الخاصة بها في أسرع وقت ممكن.

إن مهمة تطبيق مبادئ الحوكمة فى الشركة العائلية تعتبر عادة مسؤولية مشتركة بين أصحاب الشركة، ومجلس الإدارة والإدارة العليا. ومع هذا، قد تقع على عاتق أفراد العائلة مسؤولية أكبر لضمان إدارة شركتهم بطريقة تجعلها تنمو وتستمر على المدى الطويل. وبالإضافة إلى ذلك، لا تقتصر مهمة أفراد العائلة على حوكمة شركتهم فحسب، ولكنهم مسؤولون أيضاً عن حوكمة عائلتهم وعلاقاتها بأعمالها. ويساعد وضع نظام قوى لحوكمة العائلة فى فترة مبكرة من دورة حياتها على توقع حدوق أى خلافات محتملة بين أفراد العائلة بشأن القضايا المتعلقة بالشركة، وتسوية هذه الخلافات.

وأخيراً من الضرورى للغاية أن تصبح العائلات التى تزاول أعمالاً على وعى بأهمية هذه القضايا، وأن تبدأ بأسرع وقت ممكن فى بناء هيكل ملائم للحوكمة إذ أن الانتظار حتى يصبح عدد أفراد العائلة كبيراً جداً وتصبح أنشطتها أكثر تعقيداً يجعل من الصعب جداً تسوية الخلافات القائمة بالفعل بين أفراد العائلة. كما أن وضع هيكل واضح للحوكمة وفى الوقت المناسب، يجعل من اليسير الاحتفاظ بتماسك العائلة ورعاية مصالح أفرادها سواء داخل العائلة أو فى مجال أعمالها.

يتناول هذا الكتاب مفهوم وطبيعة الشركات العائلية وماهي العناصر الأساسية اللازمة لتطبيق مفهوم الحوكمة بها حتي تضمن الشركات الحصول علي المنافع المرجوة منه وضمان فاعلية التطبيق. ثم يلي ذلك تناول مفهوم دستور العائلة وماهي الموضوعات التي يجب أن يغطيها والتي تتناسب مع حجم وطبيعة وثقافة الشركة العائلية التي قد تختلف من شركة إلي أخري، ويتناول الكتاب بعد ذلك مكونات حوكمة العائلة والتي تتمثل في جمعية ومجلس العائلة وماهي الأدوار والمسؤوليات التي يجب أن يقوم بها كلا منهما في ظل مفهوم الحوكمة. ثم يلي ذلك التحدث عن حوكمة الشركة العائلية من خلال دور كلا من المجلس الإستشاري ومجلس الإدارة بالأضافة إلي اللجان التابعة له.

وعن الناحية الرقابية داخل الشركات العائلية، فقد تناول الكتاب أهمية وجود نظام للرقابة الداخلية وقسم للمراجعة الداخلية داخل هذا النوع من الشركات مع التركيز علي أهمية الإلتزام بالسلوك الأخلافي ووضع سياسة له. أيضا تناول الكتاب التركيز علي المسؤولية الإجتماعية بالشركات العائلية والتي تعتبر من الجوانب الهامة التي التي تولي لها الشركات العائلية أهتمام خاص. وايضا يتناول الكتاب أحد الأساليب الإدارية الحديثة في تقييم الإداء والتي يمكن اللإستفادة به في تقييم الأداء بالشركات العائلية. وأخيرا، يتناول الكتاب كيفية تحول الشركات العائلية إلي شركات مساهمة وماهي فوائد هذا التحول علي الشركات العائلية وإستمرارها.

وأدعو الله أن أكون قد وفقت فى عرض الموضوعات التى تناولها هذا الكتاب وان تتحقق الفائدة المرجوة منه.

مقدمة من كتاب “حوكمة الشركات العائلية” بقلم المؤلف الأستاذ الدكتور / محمد مصطفى سليمان، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا