نظام الحوكمة: التكامل المتناقض

تُعد الشركات العائلية في لبنان ركيزة هامة من ركائز الاقتصاد اللبناني، إذ أنها تمثل 80% من القطاعات الإنتاجية، وتستوعب أيادٍ عاملة من مختلف الشرائح الاجتماعية المتخصصة والبسيطة.

نستعرض في هذا المقال نتائج الدراسة الميدانية التي تعكس واقع بعض الشركات العائلية اللبنانية المختلفة من حيث الحجم والتأسيس، والتي وصلت إلى الجيل الثاني بنسبة 50%.

 وتبين الدراسة أن العمل العائلي عبارة عن سلسلة من الاختبارات النفسية والعلمية والإدارية والقرارات الجريئة التي تصقل الأفراد وتكسبهم الخبرة من خلال التجارب اليومية.

التفاعلات بين الأجيال ضرورة حتمية للتطور

يوماً بعد يوم ومع اختلاف الظروف، تتغير الإدارة وتتأثر القرارات نتيجة الخبرة والتقدم بالعمر، وهذا ما تبينه النقلات والتحولات التي تمر بها الشركة العائلية من خلال تعدد الأدوار التي يقوم بها أصحاب القرار. فغالباً ما تشهد الشركة إدارة جيلين أو ثلاثة نتيجة تعاقب الأجيال، الأمر الذي يجعلها بيئة يتلاقى فيها أفراد العائلة عبر أساليبهم التي قد تتوافق وتتمازج أو تتنافر أحياناً. فلم تعد قاعدة (التكرار يصنع النجاح) صائبة، لأن المجتمع في تغير مستمر، لذلك ينبغي على أصحاب القرار أن يدركوا أن التفاعلات بين الأجيال حقيقة وضرورة حتمية لتطور الشركة.

فالمشكلة الأساسية التي قد تواجهها الشركات العائلية تكمن في استمراريتها وانتقالها من جيل إلى جيل أخر يختلف عن سابقه، ولأنها عمل مشترك بين أفراد تربطهم صلة قرابة، وتجمعهم أهداف استراتيجية أولها استمرارية وازدهار الشركة، لهذا تتجه المجتمعات الحديثة اليوم في تفكيرها نحو نظام الحوكمة الإدارية، وتنظر إلى فعالية هذا التوجه باعتباره يحافظ على استمرارية الشركة العائلية بالحد الأدنى من الخلافات.

الحوكمة هي من اهم الحلول لمشاكل استمرارية الشركات العائلية

وتعرّف الحوكمة على أنها شكل من أشكال الضبط والتنظيم للعمل الاجتماعي الذي يجمع المتناقضين أو التكامل المتناقض: الشركة والعائلة.

فقد تبرز في الشركات العائلية قضايا تكون موضع خلاف كالملكية، أو نسب الأرباح، أو توظيف أحد أفراد العائلة وغيرها من الأمور التي تجعل من الحوكمة حاجة ملحة، حتى لو كانت الشركة تسلك سلوك المؤسسة وما تزال في مرحلة الجيل الأول والجيل الثاني.

  وتأتي الحوكمة نتيجة للتحولات والتبدلات التي تمر بها الشركة العائلية، لأن هذا التحول يؤدي إلى شراكة الأبناء أو شراكة الأخوة، وبما أن الفاعلين الحقيقيين هم مصدر السلطة والقرار ويدركون أن الشراكة بين الأقرباء يجب أن تستمر، فيتحتم عليهم أن يتوجهوا نحو أهداف ونظم تواكب التطور ويقوموا برسم إطار تنظيمي يحفظ العائلة والشركة من الانهيار والتفسخ.

    ومن شأن هذه التحولات في الشركة العائلية أن ترتقي بالمجتمع الذي يحكمه صوت إلى مجتمع يحكمه عدة أصوات، وتنقله من الانفرادية إلى التعددية، لتشكل حالة اندماج تواكب الحداثة، وتضع الفئة المسيطرة في موقف المواجهة مع الرؤيا البعيدة، وتعمل على توجيه الأهداف إلى طريق يصب في مصلحة الشركة العائلية.

وجرت العادة أن تتجه الشركات العائلية الكبيرة التي وصلت إلى الجيل الثالث أو في طريقها إليه، إلى اعتماد نظام الحوكمة الذي يحقق الرقابة والسيطرة على جميع العمليات والتحديات التي تواجهها العائلة، سواء في الخلافات على الملكية، أو القيادة، أو كيفية توظيف أفراد العائلة، أو النزاعات العائلية، أو حتى إنشاء مجالس عائلية وإدارية.

 ومع مرور الوقت، فإن الشركة التي تسعى لبلوغ مرحلة النضوج تكون ملزمة بتطوير إدارتها واعتناق مبدأ الشفافية والوضوح على اتساع قاعدتها. ويمكن القول إن وصول الشركة إلى عتبة الجيل الثاني يشكل دافعاً قوياً لتفعيل نظام الحوكمة الإدارية، ويرتبط هذا ارتباطاً وثيقاً بعمر الشركة وحجمها الذي يعرف من نموها وتوسّعها في الأسواق وانتشارها الجغرافي، الأمر الذي يدعو إلى مزيد من الوضوح والشفافية في العمليات الإدارية.

الحوكمة في الشركات العائلية اللبنانية

لقد وصلت الشركات العائلية اللبنانية إلى درجة النمو والتعقيد الإداري بنسبة 48%، وهذا أمرٌ يحتم اعتماد مبدأ الحوكمة الإدارية الرشيدة حتى تحافظ على استمراريتها. وبالتالي لم تصل نسبة 52% من شركاتنا اللبنانية إلى هذه المرحلة، لأنها لم تبلغ المرحلة التي تقتضي تلك الإجراءات أو ذلك التوسع والنمو بحجم الأعمال. ومن المهم الانتباه إلى أن هذا لا ينفي وجود إدارة محترفة وهيكلية إدارية وتنظيم، إنما على مستوى حجمها، خاصة أن حجم الشركات العائلية اللبنانية هي متوسطة بنسبة 43%، ومتوسط عمرها بلغ 40 عاماً.

والجدير بالذكر أن 40% من الشركات لديها دستور مكتوب، فهي وإن أمضت بعض السنوات الهادئة لن تهرب من قدر محتوم ومن الخلافات على الملكية والسلطة وتوظيف أفراد العائلة ووضع الهيكلية الإدارية من خلال اعتماد أساليب التوسع والنمو.

إذ يقوم أصحاب الشركات العائلية اللبنانية بتسجيل نسب الملكية عند كاتب العدل، وتوضع أنظمة مكتوبة لا يتم اتباعها، وتخضع الإدارة للعادات والقيم الاجتماعية والعرف السائد، وتحل المشاكل بكثير من المرح وعلى فنجان قهوة في بعض العائلات، لكن هذه الطرق لن تجدي نفعاً في عصر يتسم بالعولمة والحداثة، فكلما نمت الشركة وتفرعت العائلة وأصبحت أكثر تعقيداً، برزت الحاجة إلى نظام الحوكمة التي ترسم أطراً وهيكليةً للأمور المتعلقة بالعمل وتعمل على تنظيم علاقة العائلة بالشركة.

وفي النهاية، نجد أنفسنا نبحث عن الكمال الذي لن نبلغه، لأن التنظيم الاجتماعي الذي ندرسه خاضع للتغيرات في بيئة الأعمال من جهة، وفي علاقة أفراد العائلة من جهة أخرى، هذه التغييرات التي قد تنتج أحداثاً مفاجئة أو توترات في العلاقات العائلية. وبما أن الفوضى ستظل ملازمة لأي نظام وتهدده باستمرار، فإننا نؤكد على ضرورة تحديث هيكلية الحوكمة كل فترة لا تزيد عن السنوات الثلاث. ليس هذا فحسب، بل أن تتبنى الشركات اللبنانية مبدأ الحوكمة في مراحل مبكرة، معتمدة على علوم الإدارة المتطورة مرحلة العمل الجماعي بطرق منظمة ومنضبطة.

إعداد الدكتورة منى شريف البضن

بيروت- لبنان

Tags from the story