بحث أكاديمي حول الشركات العائلية في العالم العربي

العربي

بحث أكاديمي حول الشركات العائلية في العالم العربي

مع زيادة تعقيد الاقتصاد العالمي يوميًا، فإن توافر المعلومات ذات الجودة العالية يمثل أمرًا ضروريًا للممارسات الإنتاجية للشركات، وخصوصًا في مناطق تواجه ذلك القدر من التحديات مثلما هو احال في العالم العربي. ورغم هذه الحقيقة، فإننا نجد أن المنطقة لا تنتج سوى القليل من الأبحاث الأكاديمية التي يمكن لشركاتها الاستفادة منها وتجديدها. ومن أجل استيعاب الدعوة لوجود دعم أكبر وتطوير استراتيجي للأبحاث الناشئة في منطقة الشرق الأوسط، فإن المرء يتعين عليه فهم العلاقة بين الوسط الأكاديمي وعالم الأعمال وأهمية إثراء المهارات التجارية التي لا يمكن إنكارها في المنطقة بالأبحاث الجيدة.

الوسط الأكاديمي وعالم الأعمال – هل من ضرورة لهذه الشراكة؟

إن أي رجل أعمال أو مدير أو مسئول تنفيذي سيواجه بطريقة أو بأخرى مسألة إجراء أو نتائج أبحاث تتعلق بالشركات والأعمال؛ حيث أصبحت نتائج أبحاث الشركات أمورًا يومية مصاحبة لقادة الشركات. في الوقت الحالي وعلى عكس ما كان الحال عليه منذ عقدين، فإن معظم الباحثين الأكاديميين لا يحصرون أنشطتهم في مراقبة الشركات وتدوين الأرقام وإعداد الرسوم البيانية في دفاتر ملاحظاتهم، لكنهم على العكس، فمن خلال النتائج التي يتوصلون إليها، غالبًا ما نجدهم مشاركين بفعالية في العمليات الفعلية لصناعة القرار في الشركات، كما يمكنهم تقديم خدمات استشارية قيمة. وكذلك الشركات من جانبها تقوم بترسيخ دورها في هذه العلاقة الناشئة، كما بدأ الكثير منها في التواصل مع الوسط الأكاديمي وصياغة احتياجاتها منه. ويمتد هذا التواصل إلى درجة رعاية الشركات لمعاهد ومؤسسات معينة أو برامج بحثية معينة في مجالات تهتم بها، سواء كانت هذه الرعاية جزءًا من مسئولية الشركات تجاه المجتمع أو أحد أوجه استثماراتها التجارية.

وثمة حقيقة مؤسفة أن الفجوة بين ما يتم تعليمه وما يواجهه المرء في مجال العمل غالبًا ما تكون كبيرة إلى حد ما، وفي ضوء هذا فإن البعض ربما يتساءل، وله الحق، عن جدوى الاستثمار من الأصل في المجهودات البحثية. ومع ذلك، فإننا في هذه المواقف نميل إلى أن ننسى أن الاعتماد المتبادل بين الوسط الأكاديمي ومجتمع الأعمال هو ظاهرة حديثة إلى حد ما. ومن أجل الاستيعاب الكامل لطبيعة وتأثير هذه العلاقة، وسبب اختلاف جودة التفاعلات بين الوسط الأكاديمي وعالم الأعمال بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، فإننا بحاجة إلى فهم الخلفية التاريخية لأبحاث الشركات.

تاريخ أبحاث الشركات العائلية

لأسباب تاريخية، كان يتعين النظر إلى أبحاث الشركات العائلية باعتبارها جزءًا من البحث في المجال الأوسع لـ”ريادة الأعمال”. وعلى كل فإن البحث في هذا المجال حديث نسبيًا، وبدأ إجراؤه أساسًا لأغراض تدريسية. والمحاولات الأولى للتعامل مع الشركات العائلية بقدر تحليلي أكبر، هيمن عليها كتابات المستشارين الماليين ومستشاري الشركات أو حتى معالجي العائلة. فمن خلال عمل هؤلاء مع العائلات و/أو شركاتها، كان هؤلاء المتخصصين قادرين على ملاحظة العائلة ومتابعة كيفية تعاملها مع جهودهم المهنية. وهذه المساهمات المبكرة كانت توجيهية في طبيعتها، لكنها أظهرت افتقادها إلى الأبحاث الصحيحة ذات الصلة بالشركات العائلية.

ومع ذلك فإن ريادة الأعمال والأبحاث في مجال الشركات العائلية شهدت اعترافًا كبيرًا بأهميتها على مدار الثلاثين عاما الماضية. واستجابة لهذا التطور، تم وضع المزيد من أساليب ومناهج البحث الأكثر تخصصًا وتطورًا. وفي الوقت الحالي، أصبح بالإمكان إيجاد معاهد أبحاث متخصصة في جميع أنحاء العالم تبحث وتدرس الموضوعات الخاصة بالشركات العائلية. وفضلا عن الأبحاث الأكاديمية المجردة، فإننا نستطيع أيضًا ملاحظة أن العديد من شركات الاستشارات والبنوك تجري مشروعات بحثية صغيرة وتنشر بيانات إحصائية عن الشركات العائلية. وكثيرًا ما يتم إجراء أبحاث الشركات العائلية من خلال التعاون بين الشركات العائلية نفسها والمؤسسات الأكاديمية ومقدمي الخدمة.

والآن، وبعد أن تعرفنا على نشأة أبحاث الشركات العائلية، أصبح من الواضح أنه كانت مرتبطة دائمًا وبشكل مباشر بالممارسة اليومية للأعمال. ولكن ما الذي يبحث عنه الباحثون عندما يأتون إلى شركاتنا ويراقبون ويلاحظون أعمالنا اليومية؟

ما هي أبحاث الشركات (العائلية)؟

البحث حسب التعريف العام له هو عملية الجمع المنهجي والموضوعي للمعلومات المتعلقة بقضية محددة. وأغراض البحث متنوعة للغاية، وفي العلوم المختلفة التي نعرفها يتم استخدامه لتحليل وتحسين وشرح والتنبؤ بظواهر أو مواقف معينة، أي ببساطة: فهم كيفية حدوث الأشياء وسبب حدوثها.[1]

وبسبب البنية المعقدة التي تكون عليها “الشركة”، فإن أبحاث الشركات ليست “عِلمًا واحدا”، وإنما هي نتيجة لعمل باحثين من مختلف المجالات يسعون للاقتراب من الكيانات التي تمارس الأعمال والعوامل التي تفسر نجاح الشركات وفشلها. ويمكن القول إن أبحاث الشركات العائلية أكثر تنوعًا من أبحاث الشركات “العادية”. ففي الشركات العائلية سنضطر دائمًا إلى التعامل مع صعوبة ربط كيان الأسرة بكيان الشركة، وهو أمر يجعل من البحث في هذا المجال أكثر إثارة للاهتمام.

لقد واجهنا جميعا تنوع الوسائل الذي يمتلكها الباحثون تحت تصرفهم لنشر نتائج أعمالهم. ونحن على دراية بعروض نوعية ومحددة مثل دراسات الحالات. وعندما نتحدث عن البحث الكمي، فإن الإحصائيات تكون ذات أهمية كبيرة؛ حيث تمثل العلم الرياضي لجمع وتحليل وتفسير وشرح وعرض البيانات في ميدان الأعمال.

ومع ذلك فإن البحث في القضايا الخاصة بالشركات العائلية يواجه أيضا عقبات مثل نقص البيانات الفرعية، وصعوبة إجراء الدراسات الميدانية بسبب سرية الشركات العائلية، ومشكلة عدم تواصل تناول الشركة في الدراسات طويلة المدى، وتعدد أشكال المؤسسات التجارية، ونقص التعريفات المقبولة بشكل عام للانطلاق منها.

الإقرار بوجود هذا الخليط من المنهجيات وأساليب النشر بالإضافة إلى معرفة العوائق المحتملة على اختلافها، كل هذا يُظهر بوضوح الحاجة إلى قيام الأكاديميين بإجراء الأبحاث من خلال معرفة أعمق وأكبر بعملية الممارسة اليومية للأعمال التجارية. وهنا يبقى السؤال عن كيفية استفادة الشركات من الأبحاث.

لماذا نحتاج أبحاث الشركات العائلية؟

هناك مجموعة من الأسباب التي تدعم الحاجة إلى المزيد من أبحاث الشركات العائلية:

يُعرف عن الشركات العائلية أنها كثيرًا ما تشعر بالحاجة إلى التعلم من خبرات نظرائها. فهي لا تريد الاقتصار على اكتساب المعرفة الموجودة داخل العائلة، لكنها تريد أيضًا أن تتعلم من الشركات العائلية الأخرى. وهنا يمكن أن تكون طرق البحث، مثل الدراسات المقارنة بين الشركات العائلية أو بين الشركات التي تديرها عائلات والشركات غير العائلية، مثيرة للاهتمام بشكل كبير. وكذلك نجد أن دراسات الحالات يمكن أن تقدم مساهمة قيمة تعزز من استراتيجيات الشركة العائلية.

وبالطبع ستحتاج الشركات العائلية إلى توافر معلومات عن السوق وإحصاءات تمامًا مثل الشركات غير العائلية عند التفكير في عمل توسعات لأنشطتهم أو القيام بعمليات الاستحواذ والشراء لشركات أخرى أو عند التواجد في منطقة جغرافية جديدة.

وثمة عنصر آخر وهو أهمية رأي العامة ورأي رجال السياسة فيما يتعلق بالشركات العائلية. فهناك حاجة كبيرة للحصول على البيانات الاقتصادية على نطاق واسع حتى يتم استيعاب أهمية الشركات العائلية بشكل كامل وتفاصيل تأثيرها على الاقتصاديات القومية (المساهمة في إجمالي الناتج المحلي وفرص العمل). علاوة على ذلك، يحتاج رجال السياسة إلى المعلومات التي توضح التحديات التي تواجه الشركات العائلية وكيفية مواجهتها.

وبالتالي، فإنه يتضح أن الحصول على أبحاث إقليمية عالية الجودة سيكون أمرًا حاسمًا في تحقيق المزيد من التنمية للشركات العائلية ولتقييم فرص الاستثمار وتحسين وضع الشركات العائلية على مستوى صنع السياسات. إن عملية صناعة القرار وتطوير التخطيط الاستراتيجي ضمن عدة أجيال بالإضافة إلى الأسئلة البحثية الأكثر شمولا، مثل أبحاث تطوير التسويق، قد تكون بالغة الأهمية لتطوير الشركات العائلية ونجاحها.

الموقف في العالم العربي

“العالم العربي” – وهو كتلة كبيرة تضم 22 دولة يسكنها أكثر من 320 مليون نسمة – يستمد ترابطه الداخلي من خلال وحدة اللغة والترابط الوثيق في الخلفيات الدينية والثقافية.

بالنظر من خلال منظور غربي على لبحث الأكاديمي، نستطيع بالفعل إثبات أنه هناك نقصًا في البحث الأكاديمي المنظم في العالم العربي. غير أننا لا نستطيع أن نقول ذلك دون الاعتراف ببعض السمات المميزة لسلوك ممارسة الأعمال في المنطقة والتي ربما قد تعوض النقص في البحث الأكاديمي. حيث ترجع قصص النجاح التي تتدفق من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى المواهب العظيمة في مجال الأعمال، والخبرة الداخلية ومهارات اتخاذ القرار التي اكتسبتها الشركات العائلية في أعمالها. وهناك تراث عظيم من المعرفة والحكمة تتوارثها الأجيال، والتي يستفيد منها العرب منذ قرون والتي شكلت – باقترانها مع البصيرة والمعرفة العميقة والواسعة بمنطقتهم – رجال أعمال ونساء أعمال ناجحين جدًا وبعض الإمبراطوريات التجارية البارزة.

ولكن مع ظهور حاجة الشركات إلى توسيع أنشطتها عالميًا، وحيث يلعب أثر التقنية دورًا في صياغة حاضرنا وتتسارع الخطى أكثر فأكثر، أدركت الشركات العربية حاجتها للمزايا المصاحبة للبحث عالي الجودة والمعرفة، وخصوصًا من داخل منطقتهم.

ومع ذلك، فإن البحث الخاص بالشركات العائلية في العالم العربي يقوم به بشكل أساسي شركات استشارات كبيرة أو جامعات أجنبية وكليات تجارة وأعمال، وذلك باستثناء معاهد أكاديمية مستقلة في الشرق الأوسط.

وهناك جانب إشكالي إلى حد ما في هذا التطور وهو أن البحث يعد وظيفة جانبية في حالة المعاهد غير الأكاديمية. وليس من مهام المؤسسات التجارية أو أهدافها أن تحل محل البحث الأكاديمي الشامل. وثمة تحدٍ آخر وهو تعارض الخلفيات الثقافي؛ حيث قد يواجه الباحثون الأكاديميون الأجانب صعوبات في فهم كيفية تأثير بعض جوانب الثقافة العربية على السلوك التجاري. وقد يحتاجون وقتًا لاستيعاب العوامل المعقدة الخاصة بالأجزاء المختلفة من المنطقة وتأثيرها على الشركات.

ويمكننا كذلك ملاحظة أن البحث العربي يركز في غالب الأحيان على الشركات العائلية الكبرى رغم أن معظم الشركات العائلية توجد في وسط النطاق المتباين الذي يضم الشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة. وغالبًا ما تحاول المنظمات العالمية التركيز على الشركات الصغيرة والمتوسطة من أجل التنمية الاقتصادية في المناطق الأكثر فقرًا من المنطقة. ورغم الفائدة الكبيرة لهذه الأداة، فإن المعلومات المتوفرة لم تجد طريقها إلى عالم الأعمال في العالم العربي، وربما تكون معروفة ومنتشرة بين هيئات التنمية العالمية أكثر من مما هي عليه في السوق المحلي.

توسيع البحث العربي

بالنسبة لمنطقة مثل العالم العربي ذات إمكانيات اقتصادية كبيرة والتي مازال من الممكن زيادتها عبر آفاق أوسع، فمن الضرورة بمكان أن يكون لديها الباحثين الذين يوفرون المعلومات من خلال الأبحاث الاحترافية والإحصائية عالية الجودة اللازمة لتحقيق هذه الإمكانية. ورغم أن البحث يتطلب قدرًا هائلا من الالتزام طويل المدى، فإن رجال ونساء الأعمال الأذكياء يستطيعون بالتعاون مع الباحثين المميزين استكشاف المزيد من إمكانيات المنطقة. ومن المؤكد أن الاستثمار الصغير اليوم سوف يؤتي ثماره مستقبلا.

فريدة العجمي

محامية

منتدى “ثروات” للشركات العائلية

سويسرا والإمارات العربية المتحدة

1 جوري/جرونهوج، مناهج البحث في دراسات الشركات، هارلو 2005

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 4, 2009

Tags from the story