البحث الأكاديمي كأساس لصناعة القرار في المستقبل

البحث

تناول تخصصات متعددة بالبحث يسمح بنظرة شاملة على الشركات العائلية بالعالم العربي

أورد خالد محمد كانو، رئيس المؤتمر العربي الألماني للشركات العائلية لهذا العام، في مستهل خطابه الترحيبي للحضور: “الشركة الناجحة يجب أن تكون مدركة لفرص السوق وتحدياته وتعقيداته. وينطبق هذا الأمر بالمثل على الشركة العائلية. التأسيس والهيكلة القوية ضرورة لا غنى عنها ليس بالنسبة لكبار أفراد العائلة -عادة ما يكونوا ملاك الشركة- فحسب، وإنما كذلك بالنسبة للأجيال الشابة”. ولكن كيف يمكن دعم وحماية عملية تأسيس وتكوين شركة عائلية حديثة؟ وكيف يمكن أن تحدد الخلفيات الثقافية المختلفة نوع الدعم المطلوب؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها تيم تايلر وبول ديتز، مؤسسا “المعهد الدولي للشركات العائلية” (IIFE) بجامعة ويتين/هيرديك بألمانيا، في مقالهما. والإجابة على هذا السؤال تبدو بسيطة، وتتمثل في توسيع المعرفة من خلال البحث ثم نشر نتائج البحث من خلال التعليم المضمن في إطار عمل مؤسسي.

طوال قرون كانت الأسئلة المتعلقة بالشركات العائلية يتم الإجابة عنها داخل دوائر العائلة؛ حيث كان رؤساء العائلات يتخذون القرارات من خلال الاعتماد على حدسهم الاقتصادي وذكائهم وخبراتهم التجارية. ولكن في العقود الأخيرة، أصبح من الواضح أن التحليل العلمي للأمور المتعلقة بالشركات العائلية أمر ضروري لتيسير الإدارة المرحلية لنماذج النجاح، وكذلك لتقديم حلول للتهديدات التي تواجه الشركات العائلية. ومن أجل تأمين مستقبل هذه الشركات العائلية عبر أجيال عديدة قادمة، ينبغي توسيع المعرفة بالشركات العائلية، كما ينبغي تطبيق البحث المنهجي للوصول إلى نظرة أعمق.

وقد ظل التركيز لفترات طويلا منصبًا على الأعمال مع تناول الدراسات لمجالات معينة مثل القطاع المالي، والمشروعات العامة، والشركات العالمية. وبالتالي، أصبح هناك قدرًا كبيرًا من المعرفة الأكاديمية في هذه المجالات. وحتى عقود ماضية، ظلت الشركات العائلية وبعض المجالات المتعلقة بها منطقة مجهولة تقريبًا. وهذا ما يتعارض مع الفكرة المستقرة والمقبولة بشكل عام حول أهمية الشركات العائلية وقيمة المساهمات التي تقدمها لمعظم الأنظمة الاقتصادية. ويرى البروفيسور فريتز سيمون من “معهد ويتين للشركات العائلية” (WIFU) أن الشركات العائلية تمثل “العمود الفقري للأنظمة الاقتصادية الحديثة”، لأنها تمثل نسبة كبيرة من إجمالي عدد الشركات في أي دولة. وبالإضافة إلى هذا، فإن المشاركين في إحدى الدراسات المتعلقة بصورة الشركات العائلية الألمانية في معهد ويتين للشركات العائلية ينسبون للشركات العائلية صفة “أصحاب العمل المثاليين” باعتبارهم “يمثلون ريادة الأعمال المثالية”، كما يعتبرون أن الشركات العائلية “ذات أهمية شخصية”.

وتتمتع الشركات العائلية بالعديد من المميزات التي تعطيها الأفضلية مقارنة بالأشكال الأخرى من الشركات. ومن بين هذه المميزات التركيز على القيم والأصالة، والالتزام بالسياسات النقدية المحافظة في الغالب، والاستقلال المالي، والقدرة على القيام بمخاطر تجارية، واستخدام الشبكات المكونة من أفراد العائلة، وإدراك أفضل لحاجات الموظفين، بالإضافة إلى مزايا متأصلة مثل الروابط العائلية، والثقة والولاء. ومع ذلك، فإن هذه السمات تظل صحيحة طالما تجنبت الشركات العائلية بعض المخاطر مثل النزاعات العائلية، وفقدان الثقة بين أفراد العائلة.

وبتطبيق أسلوب أكاديمي، نجد إن الشركات العائلية يجب تمييزها وفقًا لتاريخ نشأتها. ففي ألمانيا ودول أوروبية أخرى، تسترجع العديد من الشركات العائلية تاريخها الزاخر بالأحداث نظرًا لماضيها الصناعي العريق. ومن الأمثلة على هذا عائلة بريم، التي ظلت تدير أعمالها التجارية طوال 19 جيلا. ومثال آخر سنجده في عائلة باهلسين التي بدأت شركتها في عام 1889. إن الاعتبارات المهمة لهذه العائلات تختلف عن تلك الخاصة بشركات عائلية يقوم على تشغيلها جيلها الثالث مثلا، كما هو الحال في العديد من الشركات العائلية العربية. والبحث بالنسبة لهذه الشركات العائلية الشابة ييسر اكتشاف رؤى جديدة. فعند دراسة الشركات العائلية الأحدث، يمكن اتباع طريقة منهجية لشرح المشكلات الناشئة عند تأسيس الشركة، وتوضيح كيفية مواجهة هذه المشكلات والتغلب عليها.

وبالإضافة إلى هذا، يجب النظر إلى الشركات العائلية في العالم العربي بشكل مختلف؛ فليس تاريخ تأسيس الشركة فقط هو ما يميزها عن الشركات العائلية الغربية، وإنما هناك أيضًا الخلفية الثقافية.

تضم منطقة العالم العربي اقتصاديات صاعدة وعددًا كبيرًا من الشركات العائلية. على سبيل المثال، ليس من السهولة بمكان نقل قضايا البحث والأساليب المصممة في ألمانيا إلى العالم العربي. ورغم أن الشركات العائلية في جميع أنحاء العالم تشترك -طبقًا للتعريف- في العديد من أوجه التشابه، فإن هناك أمور مميزة تظهر في الصورة وخاصة في العالم العربي. ولذلك فإنه حتى إذا أمكن فهم كلمات رئيسية مثل تنظيم الخلافة، ودستور العائلة، وتوجيه القيمة، فإن النقاشات والآليات التي تقف وراءها تختلف على نحو شديد التباين بناءً على الثقافة، والإطار القانوني، والموقع الجغرافي للدولة. ولذلك فإن الحاجة إلى الدراسات في العالم العربي ناتجة عن اختلاف تاريخ هذه الشركات، وكذلك من اختلاف المشكلات والأمور الواقعة نظرًا لخلفياتها الثقافية المختلفة.

ومن أجل توسيع المعرفة في هذا المجال، يُنصح بإجراء دراسات فردية نوعية عن المشكلات الحالية بالإضافة إلى دراسات بحثية كمية على المدى البعيد. وينبغي كذلك إجراء فحص متوالٍ لمجموعة من الشركات العائلية فيما يتعلق بهيكل العائلة، وإدارة الخلافة، والنمو الاقتصادي، وحوكمة الشركات. وقد كان هناك دراسة مبدئية قام بها المعهد الدولي للشركات العائلية خلال المؤتمر العربي الألماني للشركات العائلية الذي انعقد بالقاهرة في 2008. ومن خلال الدراسة، تم إجراء 50 مقابلة لتحديد الاحترام والتقدير الذي يحظى به الوصف “شركة عائلية” في مصر، وتمت مقارنة نتائج الدراسة بالنتائج المأخوذة من دراسات ألمانية سابقة. وكشفت النتائج في كلا البلدين أن الشركات العائلية تلعب دورًا اجتماعيًا مهمًا، وتساهم بقدر كبير في النمو الاقتصادي. لكن الدراسة أظهرت كذلك أهمية بذل الشركات العائلية المصرية المزيد من المجهودات للوصول إلى مستوى أعلى من المهنية، والشفافية التجارية، والتوافق مع المعايير الدولية لكي يُنظر إليها كأصحاب عمل أكثر جاذبية، ومن أجل زيادة أهمية السمة المميزة لها (شركة عائلية). وعلى الجانب الآخر، يوضح البروفيسور جون ديفيس، المحاضر بكلية هارفارد للأعمال، أن الشركات العائلية العربية تلعب دورًا مهمًا في دعم المجتمعات من خلال مشاركتها الرخاء الاقتصادي الذي تتمتع به مع الآخرين، وهو الأمر الذي يمكن إرجاعه إلى عادات ثقافية وتقاليد دينية. وهذان الجانبان لا يفسران إلا قدرًا ضئيلا من الدور المعقد والصورة الخاصة بالشركات العائلية في المجتمع. ومن أجل إلقاء الضوء ومعرفة المزيد عن التوجهات التي تؤثر على الشركات العائلية العربية في المستقبل، واستكشاف مشكلاتها وقضاياها، سيقوم المعهد الدولي للشركات العائلية بإجراء “دراسة للمديرين التنفيذيين في الشركات العائلية العربية” من المقرر أن تكتمل في أبريل/نيسان 2011. وسوف يضع هذا التحليل الأساس لإنشاء تجمع للبيانات الخاصة بالشركات العائلية من أجل الدراسات طويلة المدى. وتتضمن هذه الدراسة إجراء العديد من المقابلات مع المديرين التنفيذيين والمديرين الإداريين لشركات من 15 دولة عربية، وهو ما يُتوقع أن يلقي الضوء ليس فقط على الموضوعات الحالية المهمة، ولكنه أيضا سيمثل أساسًا لرسم ملامح هذه الشركات وتاريخها. وسوف تعرض الدراسات المقدمة المادة الفعلية التي تصيغ الموضوعات الخاصة بالشركات العائلية العربية. لكن هذه الموضوعات لن يتم تناولها ودراستها على أساس علمي فحسب، ولكن سيكون من الأهمية بمكان تطبيق ما توصلت إليه النتائج. وبالإضافة إلى الشركات العائلية التي ستستفيد من النتائج، فمن الممكن تزويد الباحثين بالأساس اللازم لتحديد وتطوير رابط بين صورة الشركات العائلية في أذهانهم وحقيقتها. ولهذا فإنه من المفيد بشكل كبير للخبراء من الوسط الأكاديمي وأصحاب الخبرة العملية الاجتماع معًا ومناقشة خبراتهم وأفكارهم. وفي الختام، نقول إن السؤال الجوهري الخاص بكيفية حماية ودعم الأساس لعملية تأسيس وتكوين شركات عائلية من أجل الحفاظ على دورها المفيد في المجتمع، يمكن الإجابة عنه من خلال تحديد أهمية الممارسة والبحث، وكذلك تعزيز التبادل بين الممارسة والبحث. ويمكن للعمل الأكاديمي المتجرد والمتفاني مواصلة دعمه للشركات العائلية، من خلال البحث والتعليم وتبادل المعرفة، لتمكين الأجيال التالية من الشركات العائلية من أن تظل العمود الفقري للاقتصاديات الحديثة.

Boxمربع

تأسس المعهد الدولي للشركات العائلية (IIFE) في عام 2007 بجامعة ويتين/هيرديك في ألمانيا. ليكون الوحدة الدولية التابعة لمعهد ويتين للشركات العائلية (WIFU) الشهير. وبصفته الأول من نوعه، فقد قام المعهد الدولي للشركات العائلية بتطوير شبكة من الشركات العائلية الرائدة العربية والألمانية، كما قام بإجراء أبحاث متعمقة على الموضوعات الخاصة بالشركات العائلية العربية، فضلا عن تقديمه خدمات التدريس للمسئولين التنفيذيين، وخدمات استشارية استراتيجية، يقوم بها خبراء دوليون من جميع أنحاء العالم العربي.

وكان الدافع الرئيسي وراء إنشاء المعهد الدولي للشركات العائلية هو قناعة المؤسسين أن تبادل الخبرات المباشرة والمعرفة المتعمقة بين الشركات العائلية أمر ذو قيمة كبرى على العديد من المستويات، سواء من الجانب النظري أو العملي.

ويُعد المؤتمر العربي الألماني للشركات العائلية، الذي ينعقد سنويا، من المحفزات الرئيسية لتبادل الخبرات بين الشركات العائلية العربية والألمانية. ومن المقرر أن ينعقد مؤتمر 2009 يومي 31 أكتوبر/تشرين الأول و1 نوفمبر/تشرين الثاني بفندق ومنتجع ريتز كارلتون بالعاصمة البحرينية المنامة تحت رعاية السيد/خالد محمد كانو من البحرين، والدكتور أريند أويتكر من ألمانيا. نظرًا للوضع الاقتصادي الراهن، فإن موضوع مؤتمر هذا العام سوف يكون بعنوان “الشركات العائلية والأزمة الاقتصادية”. وسوف يكون المؤتمر مخصصًا لأفراد العائلات والمسئولين من غير العائلات في الشركات العائلية الأكبر أثرًا من النمسا وألمانيا وسويسرا والعالم العربي. وسوف يوفر المؤتمر الفرصة لاستكشاف العلاقات الشخصية والتجارية من خلال ورش عمل وحلقات نقاشية يديرها أكاديميون دوليون من جامعات مرموقة مثل جامعات هارفارد وييل وبرنستون، وذلك سعيا لتعزيز التبادل الثقافي بين الأطراف المشاركة. وسوف يتم في المؤتمر مناقشة عدد من التحديات التي تواجه الشركات العائلية مثل التحولات الهيكلية، كما سيتم توفير الفرصة لبحث الشراكات الممكنة في مجالات التمويل والتكنولوجيا من خلال حوارات مباشرة يتم تنظيمها بشكل فردي.

تيم تيلر- 

المؤسس والمدير العام
 

بول ديتز- 

المؤسس والمدير العام

 

جانين جلوزات- 

إدارة مشروع علاقات وسائل الإعلام  

المعهد الدولي للشركات العائلية (IIFE)، بجامعة ويتين/هيرديك

ألمانيا

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 4, 2009

Tags from the story