مقابلة مع أحمد بازرعة، اليمن

بازرعة

z024_144286

مقابلة مع أحمد بازرعة، اليمن 

شركتكم العائلية مقرها ونشاطها باليمن. فما هي في رأيكم الفروق الواضحة بين العقلية السائدة في الشركات العائلية باليمن وتلك السائدة بالشركات العائلية في سائر الوطن العربي؟ 

إذا تكلمنا بصفة عامة، يُعد اليمنيون بالفعل في كثير من الأحيان أصل العرب. لهذا فإننا إذا تحدثنا عن العقلية، فأنا أعتقد أنها متشابهة على مستوى سائر العالم العربي. غير أننا إذا أردنا التحدث عن ممارسات الشركات العائلية، فإن الأمر يتعلق بدرجة كبيرة بمسألة الثقافة والعقلية. والأرجح أن هناك أوجه شبه كثيرة بين الشركات العائلية اليمنية وتلك التي تنتمي لبقية بلدان العالم العربي. غير أن الفارق يكمن في أن بعض من تلك البلدان التي تنتمي لمجلس التعاون الخليجي، مثل السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، قد حققت تقدمًا واضحًا في تنظيم العلاقات العائلية وكذلك الشركات العائلية. وفي اليمن نحن متأخرون بعض الشيء في هذه المسألة تحديدًا؛ وبعض الشركات بدأت بالفعل في تطبيق هياكل تنظيمية داخل الأسرة وهي تحقق تقدمًا طيبًا. وأعتقد أن هذا الجانب سوف يحظى بأهمية لسنوات عديدة قادمة. 

هل تعتقد أن الثقافة العربية مساعدة لاستمرارية الشركات العائلية؟ 

لا أرى تعارضًا مباشرًا. لا توجد بثقافتنا عناصر تعارض مفهوم الشركة العائلية. غير أني أعتقد أن الناس والمجتمعات في حالة تقدم وتطور ومع هذا هناك أيضًا مفهوم جديد عن أسلوب إدارة الشركة العائلية وكيفية المحافظة عليها على المدى البعيد. فهناك تقنيات حديثة وهياكل جديدة تظهر في كل مكان. وسوف تحقق هذه الأشياء للشركات العائلية صورة إيجابية، ومن المؤكد أن هذه الشركات سوف تقوم بتسويق نفسها سريعًا. فلا أرى تعارضًا بين هذا التطور وبين الثقافة العربية. بل الحقيقة، أنا أعتقد أن العرب والمسلمين لديهم الكثير لكي يقدمونه للعالم وبإمكانهم الإسهام بإيجابية في ممارسات الشركات العائلية. 

إذاً أنت تعتقد أن الاتجاه نحو التغيير موجود في الوقت الحاضر؟ 

أعتقد أن هناك إنفتاح ولكن المسائل أو المشاكل العائلية تتعلق بصفة رئيسية بالسلوكيات البشرية. وهذا أمر لا يختلف فيه العرب عن غيرهم من أصحاب الثقافات غير العربية. فالأمر يتعلق بالقيم، وكذلك بأسلوب تنظيم العائلات لشئونها وتهيئة نفسها للنمو في المستقبل. 

متى بالتحديد انضممت إلى شركة العائلة؟ 

في الواقع لا يمكنني أن أعطيك تاريخًا محددًا لذلك. فقد نشأت داخل أسرتي، التي تشتغل بالأعمال التجارية منذ زمن طويل. وأتذكر جيدًا أنني بدأت العمل عندما كنت لا أزال طالبًا بالمدرسة الثانوية. واعتدت مع أخوتي أن نقضي فترة الصيف في ورش إصلاح السيارات، وكنت أقضي أوقاتًا رائعة. وبعدها، بدأت العمل والدراسة في آن واحد. وبعد انتهائي من دراستي الثانوية أمضيت فترة خدمتي العسكرية لمدة عام ونصف حيث انضممت بعدها لشركة العائلة من جديد. ولم أواصل الدراسة بعدها؛ وإنما تزوجت وعملت لمدة خمس سنوات أخرى. ثم سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأكمل دراستي ثم عدت مرة أخرى للانضمام للعمل بشركة العائلة. وبعد أن أمضيت ما بين عشر إلى خمس عشرة سنة في التركيز على نشاطنا الرئيسي، بدأنا في تنويع أعمالنا وكانت هذه مسئوليتي الرئيسية في حين استمر بقية أخوتي في الانشغال بخط نشاطنا الرئيسي. 

إذن أنت سلكت طريقًا مختلفًا. هل كنت تعمل إلى جوار والدك كل هذه الفترة؟ 

نعم بالطبع، ونحن لا نزال نعمل سويًا حتى اليوم؛ والدي، وشقيقاي، وأنا. والواقع، أنه بدون المعاونة الرائعة والمساندة التي وجدتها من جميع أفراد أسرتي، لما كان في مقدوري التوسع والدخول في أنشطة أعمال مختلفة. 

أنت تمثل الجيل الثاني الذي يشارك بإيجابية إلى جوار المؤسس، بما يعني أنك الآن مضطر لمواجهة الجيل الثالث الذي يفد حاليًا إلى الشركة. ما هي بصفة عامة أكبر التحديات التي تقف في وجه عملية الخلافة؟ 

في رأيي الشخصي، هذا التحدي يتعلق بالثقافة. فعادةً يظل الآباء يعملون بالشركة حتى الرمق الأخير من حياتهم. إلا أن هناك استثناءات؛ فقد رأيت في بعض العائلات، الآباء ينسحبون عند مرحلة معينة. ليس لسبب محدد، ولكن لمجرد أنهم يرغبون في الراحة. إذا فبمجرد تولي الجيل الثاني للمسئولية، تجدهم يعتزلون العمل بالشركة نهائيًا. ورغم ذلك، ففي معظم الشركات العائلية، تجد المؤسس أو الأب يظل موجودًا بها حتى آخر لحظة في حياته. وفي رأيي، إنها ليست فكرة سيئة ولكن يجب تنظيمها. فيجب ترتيبها على النحو الذي لا يجعل مشاركته تشكل إعاقة لرؤية الشركة ولتطلعات الجيل الجديد. إنها مسألة تتعلق بالتنسيق والتوفيق بين الأمرين. ونحن نحب الحفاظ على التقاليد وعلى القيم التي أرساها المؤسس، والتجربة الثرية، وفي الوقت نفسه نتطلع كذلك نحو النمو والتطور. فنحن نود الدخول في استثمارات ومشروعات جديدة، وإنشاء خطوط أعمال جديدة، والحصول على تقنيات حديثة. وقد تتعارض أحيانًا تلك الجوانب معًا. ولكن من خلال الحوار يمكن حل تلك المسائل. 

ما دور الجيل الصاعد، مقارنةً بالأجيال النشطة في الوقت الحالي؟ هل ينبغي على الجيل القادم أن يركز على الإبقاء على ما تم تأسيسه من قبل أم ينبغي عليه التركيز على الابتكار والتجديد؟ 

أنا أرى أن عليه الالتزام بالأثنين معًا. فأنا أذكر، أنني بعد تخرجي من الكلية وقد حصلت على درجتين جامعيتين واحدة في علوم الحاسوب والأخرى في إدارة الأعمال، لقد كنت اعتقدت أني أكثر أهل الأرض علمًا ومعرفة. وكلما تقدمت بفكرة ما سواء في مجال الإدارة، أو الشئون المالية، أو في المسائل التقنية، كنت دائمًا ما أواجه في البداية بكلمة “لا”. إن الأمر يحتاج إلى وقت. لقد أمضيت بالشركة حتى الآن ما يقرب من عشرين عامًا، وبعد مرور كل هذا الوقت أدركت قيمة ما كان يحدث وقتها. فالمسألة تحتاج إلى صبر من الجيل الجديد. وأنا دائمًا أنصح جيل الشباب بأن يرجعوا إلى القواعد الذهبية لديننا الإسلامي الحنيف. فمعنى أن يعاملوا من يكبرهم سنًا بإحسان وأن يطيعوهم، لا سيما الأب، فهذه ممارسة للشعائر الدينية، أو ما نسميه “العبادة”. وهذا ما يدخل على قلوبنا قدرًا كبيرًا من السعادة. ومرة أخرى، المسالة مسالة وقت وثقة حتى تسير الأمور في الاتجاه الصحيح وتنسجم الأجيال فيما بينها.

غير أنه فيما يتعلق بسؤالك عن المحافظة على التقاليد والتجديد؛ فإنه من المهم الالتزام بالإرشادات العامة. فعندما يتعلق الأمر بشركة العائلة، لا يمكنك أن تتحدث فقط عن أداء الشركة وإنما عليك أن تنظر بعين الاعتبار إلى إنجازات العائلة، وسمعة العائلة في المجتمع. الاسم والذي لم يصل إلى هذه المكانة مصادفة. لقد ترسخ هذا بالعمل الشاق، وعبر تاريخ طويل من الأمانة والنزاهة، والحفاظ على القيم والأخلاقيات. إن الأمر يستغرق وقتًا طويلا حتى يمنح المجتمع تقديره لاسم ما. لكن اليوم، في أي مشروع جديد نبدؤه، عندما يرى الناس اسمنا عندما يشترون أسهم الشركة وهو يحقق بالفعل فارقًا هائلا بالنسبة لهم. لقد رأيت ذلك في البنك، و في صناعة الصلب، وفي شركة التأمين؛ الاسم مهم دائمًا. على سبيل المثال، أننا مساهمون رئيسيون في شركة للحديد والصلب تسمى الشركة العربية للحديد الصلب (أيسكو)، غير أن الناس يعرفونها باسم “بازرعة للحديد”. وقد حاولنا أن نغير هذا الأمر ولكننا لم نستطع! فالناس يصرون على تسميتنا “بازرعة للحديد”. وهو أمر مشوق للغاية ويثلج صدورنا بالفعل.  الناس كذلك يحبون أن يدفعوا مقابلا أكبر بعض الشيء نظير الاسم. وهذا هو أكثر ما يدهشني حقيقة.  إن المحافظة على ما أنجزه الجيل السابق يعد بمثابة ضرورة لا غنى عنها. غير أننا في حاجة أيضًا للتجديد. نحن في حاجة لدماء جديدة. نحن في حاجة لحماس الجيل الجديد. 

ما التغييرات الرئيسية التي أدخلها جيلكم على الشركة؟ 

في الغالب يسير آباء الشركة العائلية ببطء عندما يتعلق الأمر بالتغيير، لا سيما تلك التغييرات التي يبادر بطرحها جيل الأبناء أو الجيل الجديد. فهم ليسوا على يقين من أنهم قد نضجوا بالقدر الكافي أو أن خبرتهم كافية. فالمسألة تستغرق منهم وقتًا طويلا حتى يشعروا بارتياح تام وثقة في قدرات الشباب. لهذا احتجت لبعض الوقت الذي لم يكن بالقليل، إلى أن تمكنت من إقناع والدي بأننا يجب أن نضيف المزيد من الأنشطة إلى نشاطنا الأساسي والمتمثل في تجارة السيارات. فنحن وكلاء لسيارات تويوتا باليمن منذ 55 عامًا، وبهذا نعتبر من أقدم وكلاء الشركة على مستوى العالم. ومنذ خمس سنوات احتفلنا باليوبيل الذهبي مع تويوتا.

وبعد مناقشات مطولة وتفكير في المسألة، تقبل والدي فكرة الاتجاه إلى النشاط المصرفي، والذي كان يمثل بالنسبة لنا نقلة هائلة إلى مجال جديد علينا تماما. واستغرق الأمر بعض الوقت. وبعدها بخمس سنوات أخرى أضفنا نشاطًا آخر. وواصلنا التوسع والدخول في مجالات مختلفة. في روية وثبات. والآن أشعر أنني في حاجة لمزيد من الناس ليعملوا معي، لا سيما من الأسرة. فأنا أرغب في الانسحاب التدريجي وترك الآخرين لكي يشاركوا بقوة. وهذا أمر طبيعي جدًا غير أنه يحوي اعتبارات خاصة بهيكل الأسرة. وإني لمدرك تمامًا أن ثمة تحديات عديدة تنتظرنا خلال السنوات المقبلة. 

ما الخطوات التي تتخذها عائلة بازرعة حاليًا من أجل إعداد قادة المستقبل لتولي مسئولية ما بذلتم جهدًا شاقًا في بنائه؟ 

لو شئنا أن نتحدث بصراحة، نحن حاليًا في مرحلة مبكرة للغاية فيما يتعلق بتنظيم الأسرة نفسها. فالأمر يحتاج لوقت كي تقنع الجميع بأهمية هيكلة بنيان الأسرة وفصل الشئون العائلية عن أمور العمل. وأسلوبي الذي اتبعه أنني لا أناقش أي من أمور العمل داخل المنزل. والمسألة لا تسير مثلما أرغب لكني أكرر أنني أعتقد أننا بالتدريج نسعى نحو بناء تلك القيم وترسيخها في أذهان باقي أفراد العائلة. وأبي يتمتع ولله الحمد بصحة ممتازة وقد أكمل لتوه أطال الله عمره عامه الثمانين. غير أننا عدد كبير من الإخوة والأخوات وإقناعهم بأهمية أن يكونوا متأهبين عند مناقشة تلك الأمور في مجلس العائلة ليس بالأمر الميسور دائمًا. وحاليًا، أنا أشغل مناصب تنفيذية في بعض شركاتنا لكني لست مالكًا للأسهم فملكيتي تأتي من خلال ملكية والدي. ولا تزال الملكية خاضعة للوائح يفرضها هيكل الأسرة، وهذا الأمر في حاجة لتنظيمه مستقبلا. وأنا شخصيًا اعوّل كثيرًا على العلاقة التي بيني وبين جميع أفراد أسرتي، وأعلم أن باستطاعتنا أن ننهي هذا الأمر بسهولة. فنحن بالتأكيد سنحتاج إلى معونة سواء من استشاريين أو من أناس أصحاب خبرة سابقة، وأنت تعلم أن لكل اسرة شئونها الخاصة بها، والتي تحتاج إلى أن تؤخذ بعين الاعتبار وفي تأنٍ. ولا يوجد نموذج موحد يمكن إستخدامه لكل الأسر. وإنما نحاول إحراز التقدم في هذا الجانب بالتدريج خطوة بخطوة. 

من أجل التوصل لإعادة الهيكلة الذي تحدثتم عنه، هل تضعون في اعتباركم آراء الجيل الثالث؟ 

بعض افراد من الجيل الثالث التحق بالعمل بالشركة معنا منذ عشر سنوات.وابن أختي البالغ من العمر خمسة وثلاثون عامًا معنا بالشركة أيضًا. غير أن لدينا خمسة أفراد من الشباب يدرسون بالولايات المتحدة، أحدهم نجلي. وخلال سنوات قلائل سوف ينضمون للعمل بالشركة وسوف يمثل هذا تحديًا جديداً. ونحن نناقش في الوقت الحالي ما سنفعله مع هؤلاء الشباب، وكيف نرسي نظامًا للشركة، وقواعد استرشادية، ولوائح لها. هذا الموضوع يشغل بالنا بكل تأكيد وإذا لم يتم إنجازه على نحو سليم فقد يخلق مشكلة. وبالمناسبة، هذه ليست سوى بداية؛ فبعد هؤلاء الشباب الخمسة هناك عشرة أو خمس عشرة آخرون قادمون. من نسل والدي ووالدتي فقط هناك ما يقرب من 90 فرد في العائلة حتى يومنا هذا. والوقت يمر سريعًا جدًا. وخلال السنوات المقبلة سوف نضطر للتعامل مع عدد ضخم من أفراد الأسرة المنضمين لشركاتنا. 

أنتم إذا مطالبون ببناء كل من هيكل الشركة وكذلك هيكل العائلة في آن واحد؟ 

الحقيقة أننا مضطرون لبناء كليهما في نفس الوقت لأن كلا منهما سوف يكون له تأثيره على الآخر. 

هناك العديد من النظريات التي تقول بأنه يجب النظر في شئون العائلة بمعزل عن شئون الشركة. وأنتم ذكرتم من قبل أنكم لا تحبون مناقشة أمور الشركة أثناء وجودكم بالمنزل حتى تظل الأسرة متماسكة. ولكن هل من الممكن على أي حال الفصل حقًا بين الاثنين؟ 

هذا هو ما أتمناه. فعندما نكون بالمنزل لا أحب أن أتحدث سوى عن علاقاتنا معًا، أو اتزاور أنا وشقيقاتي وبنات إخوتي، أو احتفل معهم بمولد طفل جديد في العائلة. ونحن ننظم لقاءاتنا في أماكن مختلفة حيث نلتقي ونجتمع سويًا، غير أنه من الممكن تعكير صفو هذا الجو اللطيف بسهولة بمجرد أن يطلع علينا أحدهم وهو يتسأل مثلا “ماذا حدث في هذه المعاملة أو لهذه الشركة أو بخصوص هذه المشكلة؟” مرة أخرى أقول إنها مسألة ثقافة؛ فأنت عليك أن تقدم لهم المثل الأعلى. ربما لا أكون أنا نفسي مثلاً أعلى حتى الآن، إذ أن والدي لا يزال يمارس نشاطه ومن الطبيعي أن نعتبره المثل الأعلى لكل فرد فينا. ربما أكون أنا مثلا أعلى لأبنائي، ولأسرتي. وهم على وفاق معي في أمور كثيرة. لكننا سنرى كيف سيصير الحال بمرور الوقت. 

لديكم أيضًا الكثير من الأنشطة الخارجية. فعلى سبيل المثال أنت رئيس مجلس إدارة نادي رجال الأعمال اليمنيين. ما هو الدور الذي تلعبه من خلال هذه المؤسسة ولماذا كان من المهم للشركات العائلية أن تشترك في مثل هذا النوع من المؤسسات؟ 

لدي الكثير مما أسميه أنشطة غير عائلية وأنشطة غير تجارية. فأنا مشترك في عدد من الأنشطة الاجتماعية، فنادي رجال الأعمال اليمنيين ليس سوى إحداها. وفي هذا النادي، يتركز اهتمامنا بصورة أساسية على رجال الأعمال الشباب، الحاصلين على قدر جيد من التعليم، والمتمتعين بسمعة طيبة، والمشهورين بالنزاهة. وهكذا تجد أعضاء نادينا من رجال الأعمال الناجحين. كما إنني منذ مدة أشغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية بأمانة العاصمة – صنعاء، في الحقيقة لما يقرب من سبع أو ثماني سنوات الآن. وإضافة إلى ذلك، أترأس أربع أو خمس منظمات أخرى غير حكومية، وهي تسهم في خدمة المجتمع. وباختصار، كنت واحدًا من مؤسسي ما يمكن أن نعتبره أكبر منظمة غير حكومية باليمن وهي جمعية الإصلاح الإجتماعي الخيرية www.csswyemen.org، والتي تنشط في الغالب في قطاعي الصحة والتعليم. كما إني رئيس منظمة سول (SOUL) للتنمية www.soul-yemen.org المعنية بالصحة والتعليم على مستوى النساء والأطفال. وهي منظمة غير حكومية بالغة التأثير داخل اليمن. لقد بدأنا عام 1997 وصارت واحدةً من أكثر المنظمات غير الحكومية شهرة، وهي تعمل في الأساس بالتعاون مع منظمات دولية مثل أوكسفام، ومنظمة التعاون الألماني، ومنظمة التعاون الدولي الياباني، وهيئة المعونة الأمريكية وغيرها. وهي تقوم بتنفيذ مشروعات كبرى في قطاعي الصحة والتعليم وبصفة أساسية على مستوى النساء والأطفال، وهاتين الشريحتين تمثلا حوالي 70% من تعداد السكان.

كما إنني أيضًا الأمين العام للمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان www.nccfyemen.org ، وهي أيضًا منظمة غير حكومية. ونحن مشاركون فيها بقوة، حيث نؤمن بأهميتها البالغة. وهذه الأنشطة تسهم في تحقيق العديد من الأهداف: أولها تحقيق الرضا عن الذات؛ فأنت تقوم بعمل يشعرك بالرضا عن نفسك وتأمل في أن تنال به رضا الله عز وجل. وبالإضافة إلى هذا الاحساس الرائع بمساعدة الغير، فهو يسهم أيضًا بإيجابية في الارتقاء بصورة العائلة وبالتالي صورة شركاتنا. إذا بسبل شتى تحقق هذه الإسهامات عائدًا لشركاتنا. فهي بمثابة قيمة مضافة. ونحن حاليًا بصدد إنشاء “مؤسسة بازرعة”، حيث سنضع فيها كل أموال تبرعاتنا، سواء كانت من أموال الزكاة أو الصدقات وغيرها، علاوة على إسهامات آتية من مجموعات متنوعة من أعمالنا التجارية، ونتوقع أن تصير هذه المنظمة ذات تأثير كبير مع الوقت. ولسوف تحقق لنا هذه الثقة رؤية واضحة لما نقوم به: سوف تعمل مؤسسة بازرعة في المجالات التعليمية من الألف إلى الياء! حيث سيتم تدريب العمال غير المؤهلين حتى يتخرجوا من الجامعة. وتقوم مجموعة شركاتنا حاليًا برعاية عدد كبير بالفعل من الطلبة باليمن، كما تساعد بعض الطلبة بالخارج. وبالإضافة إلى التعليم، ستقدم المؤسسة كذلك مساعداتها في مجالات أخرى كالصحة، والثقافة، والأعمال الخيرية وغيرها من المشروعات في مجالي البيئة والمياه. وسوف نضع القواعد التنظيمية لهذه المؤسسة، لأننا نؤمن بأنها ستدوم لأمد طويل. ولسوف يكون لها استثماراتها وأعمالها التجارية حتى تتمتع بالاستمرارية والقدرة على البقاء. 

على ما يبدو تغيرت شركاتكم كثيرًا على مدى العقود السابقة. إلى أي مدى تغيرت رؤيتك للشركة بمرور الوقت؟ 

أعتقد أن الشركة نمت نموًا جوهريًا، كما تغير مع الزمن أسلوب نظرتي للأمور. وآمل أن يظل في حالة تغير على الدوام. إن لدينا المزيد والمزيد من التحديات التي في سبيلها لاعتراض طريقنا، كما إن هناك أفراد جدد من العائلة ينضمون إلى الشركة وسوف يكونون في حاجة إلى التأقلم مع تلك الأحداث. وأعتقد أنها عملية طبيعية، إنها عملية تغيير. فهي تبدو أشبه بعلامة مسجلة خاصة بالشركة العائلية؛ فإذا لم نتغير فإننا سوف نعاني من متاعب. 

لعل هذا أيضًا هو السبب وراء إخفاق نسبة عالية من الشركات العائلية في تجاوز مرحلة الجيل الثالث. هل تعتقد أن هذا الإخفاق قد يرجع إلى مقاومة التغيير؟ 

بما أننا لم نصل بعد بشكل رسمي إلى مرحلة الجيل الثالث، برغم أننا نقف على أعتاب هذه المرحلة الانتقالية، إلا أننا نعتقد أننا سوف نتجاوز هذه الطفرة. غير أن الأمر يحتاج لشيء من العمل الجاد كما يجب تناول الأمور بجدية، لا سيما من جانب أفراد الأسرة من الرعيل الأول للشركة. وكلما أسرعنا في التعامل مع هذا الأمر مبكرًا كانت المحصلة أفضل وأيسر للجيل القادم ولنا على نحو سواء.

وأعتقد أن التحدي الكبير يكمن في الجيل الثالث. فأما الجيل الرابع فله تحديات مختلفة. يجب علينا أن نكون منتبهين. وبرغم أننا لا نشعر بأن المسألة ملحة وفورية، إلا أننا نعلم أننا في حاجة لعمل شيء الآن قبل أن يصبح الأمر عويصًا. فلن يكون ممكنًا دومًا أن نجذب الجميع للانضمام لشركة عائلتنا. فبعض أفراد الأسرة قد يستهويهم مجال آخر. ويجب أن تكون لدينا وسائل واستراتيجيات مناسبة للخروج من الشركة لأولئك الأفراد. ولكن الأهم من ذلك أننا يجب أن نكون مبدعين من أجل الاحتفاظ بالمواهب وجذب أفراد الأسرة إلى الشركة. 

نحن نواجه عالم ما بعد الأزمة، كما نواجه الكثير من التحديات ليس فقط داخل العائلات ولكن على مستوى الاقتصاد العالمي والإقليمي كذلك. فما التحديات الرئيسية والفرص الكبرى التي سوف تواجهها الشركات العائلية في الوطن العربي على مدى السنوات الخمس المقبلة؟ 

هناك تحدٍ واحد نواجهه بالفعل ألا وهو العولمة. إننا نعيش وسط ما نسميه عالم بلا حدود. ونحن نشعر على المستوى المحلي بأن هناك تغيرات كثيرة تقع وأعتقد أن هذا الأمر سوف يصبح أكثر خطورة في المستقبل. وهذا سوف يؤدي بالتأكيد إلى وقوع ضغوط على الشركات العائلية تدفعها لعبور حدود مدنها وبلدانها. وهذا واحد من الأمور التي بدأت مجموعتنا تشعر به؛ إننا نحتاج لبدء الخروج بعملياتنا التجارية تدريجيًا خارج حدود اليمن. وبالرغم من ذلك، عليك أن تضع في اعتبارك مواردك وخصوصًا مواردك البشرية. فمن المهم بمكان أن نضع في الحسبان مسألة الكفاءات داخل الأسرة. فالشركات التي تتمتع بموارد بشرية قوية هي فقط التي يمكنها أن تحقق النجاح على الساحة العالمية. وهذا بدوره يطرح قضية تجميع الموارد البشرية للشركة العائلية سواء من أفراد العائلة أو من خارجها. كيف تحتفظ بهم، وتجعلهم متحفزين دومًا، وتحافظ على اتحادهم وتمنحهم المقابل المجزي لعملهم؟ غير أن هذا ليس سوى واحد فقط من التحديات. وهناك تحدٍ آخر يتمثل في المنافسة: فعلى الشركات العائلية أن تنافس شركات دولية ومن ثم عليها أن تبدأ في العمل بعقلية مختلفة. الدول العربية تشهد حالة من الانفتاح وأعتقد أن دولا قليلة للغاية هي التي لم توقع بعد على اتفاقية منظمة التجارة العالمية. ويمكنني أن أتخيل أنه بالتدريج، سوف يجلب هذا الأمر نوعًا مختلفًا من المنافسة ومعايير مختلفة لكل شيء. الشركات العائلية تتحكم بصفة أساسية في المشهد الاقتصادي. ومعنى ذلك أنها يجب أن تكون متأهبة. فبعض البلدان تعمل بالفعل بمعايير دولية ولديها بالفعل حضور دولي بل وعالمي أحيانًا داخل الأسواق المختلفة. غير أن الأغلبية لا تزال محصورة محليًا سواء في نفس المدينة التي تأسست فيها أو في الإقليم الذي تنتمي إليه أو في نفس البلد الذي تتبعه. هذان هما التحديان الرئيسيان اللذان سيواجهان الشركات العائلية خلال السنوات المقبلة؛ الموارد البشرية والمنافسة. 

كثيرًا ما يقال أن الميزة التنافسية الرئيسية التي تتمتع بها الشركات العائلية أنها شركات عائلية. فهي تتمتع بنسبة نجاح على المستوى العالمي تتفوق بها على الشركات المساهمة العادية. فهل تعتقد أن كون الشركة عائلية سوف يظل في المستقبل بمثابة ميزة تنافسية تتمتعون بها؟ 

لا تزال القواعد الأساسية للشركة العائلية كما هي لم تتغير. ولكن الديناميكية الاقتصادية هي التي تغيرت. غير أن قواعد الأعمال لا تزال كما هي وسوف تواصل الشركات العائلية تميزها على الساحة. بشرط أن نفهم الديناميكية الجديدة التي تحرك الاقتصاد وعدم وجود قوى خارجية مضادة. ففي مقدورنا تحقيق النجاح طالما أننا غير مرغمين على طرح الأسهم للاكتتاب العام وطالما لم نضطر سواء لأسباب قانونية أو مالية إلى تخفيف قبضة سيطرتنا تدريجيًا على الشركة. فمثل هذه العوامل الخارجية يمكنها دائمًا أن تحد من نجاحك. فإذا فقدت سيطرتك على الشركة، كيف يمكنك عندئذ تحقيق النجاح؟ طالما تمكنت الشركات العائلية من التأقلم مع الديناميكية المتغيرة للاقتصاد، فسوف تظل متفوقة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 5, 2010

Tags from the story