مجموعة السركال – شركة عائلية تتبنّى القضايا البيئية

يُعد ارتباط الشركات العائلية الوثيق واتصالها بمجتمعها وبيئتها أحد أهم عوامل بقاءها واستمراريتها. وبالتالي تشكّل سلامة المجتمع واستدامة البيئة أولويات بالنسبة لهذه الشركات حتى بعد نجاحها على الصعيد الدولي والتوسع في تنويع أنشطتها. في إمارة دبي وتحديداً في ديرة، هناك شركة عائلية مزدهرة حرصت دائماً على تولّي هذه المسؤولية وحملها بكل جدية، حيث قدّم أفراد عائلة السركال وعلى مدار ثلاثة أجيال  الابتكار والتجديد لمجتمعهم وكان لهم السبق في مجالات أعمال جديدة.

 ليس من الغريب أن نجد مجموعة السركال معنية بتبنّي القضايا البيئية لفترة من الوقت التزاماً منها بالسير على هذا الدرب، بل وجاء توجّه العائلة نحو قضايا البيئة قبل حتى أن تصبح هذه النوعية من القضايا أولوية بالنسبة لمجتمع الأعمال الإقليمي. على مدار أكثر من 12 سنة وإلى الآن، قامت مجموعة السركال بالتشاور والتعاون مع بلدية دبي بشأن كيفية التعامل مع واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد سلامة ونظافة مدينة دبي وقاطنيها ألا وهي: التخلّص من مخلفات زيوت الطهي.

تجلّت أهمية المسألة للعائلة عند رصدها لعلامات  نمو المدينة السريع واستيعابها للحجم الكبير والأهمية الضخمة التي سوف يمثلها قطاع السياحة والضيافة بالنسبة للإمارة. وبينما ركز الآخرون على الجانب المبهر والجذاب من هذا القطاع، اهتمت مجموعة السركال بكيفية التخلّص من المخلّفات فيه. وبالتالي أقامت العائلة محطّة “السركال إنفيرول” لإعادة تدوير مخلفات زيوت الطهي مستخدمة أعلى المستويات التقنية، حقّقت نجاحاً هائلاً في مهمتها تلك بفضل الحرص والعناية المعتادة من جانب أفراد العائلة.

السركال

مشكلة المخلّفات والنفايات

إن وجود نسبة من الزيوت والشحوم في مياه الصرف تُعد مشكلة مُلحة وملموسة على الصعيد العالمي. وقد وضعت البلديات  في جميع أنحاء العالم عملية تنظيم وتقنين الأساليب المسؤولة عن التخلص من مخلفات زيوت الطهي على قائمة أولوياتها ، كما تحاول المجتمعات تجنب الأثر السلبي الذي قد يؤدي إليه الإهمال عند التخلص من المخلفات والنفايات على الصحة والبيئة والاقتصاد. تشير التقديرات إلى أن 70% من جميع حالات الانسداد في محطات الصرف الصحي و30% من حالات توقف محطات الضّخ ترجع إلى  قيام الأفراد بإلقاء مخلفات زيوت الطهي في المصارف أو خلطها بمياه الصرف الصحي. وذكرت التقارير أن حصة الفرد من المخلفات في دولة الإمارات من أكبر دول العالم.

 ارتفع عدد مُلّاك المطاعم والخدمات الغذائية بصورة كبيرة جداً لتلبية الطلب المتزايد، وجاء ذلك متماشياً مع النمو الهائل الذي شهده قطاع السياحة والضيافة في الإمارات على مدار العقود القليلة الماضية. صاحب هذا النمو ظهور مشكلة تراكم مخلفات زيوت الطهي. وبالرغم من التركيب المبكّر لمحابس الشحوم التي تمنع الشحوم والزيوت من النزول إلى أنابيب الصرف الصحّي، إلاّ أن مشكلة الموضع الذي يتم فيه التخلّص من محتويات تلك المحابس ظلّت قائمة، فكان العديد من الأشخاص يتخلّصون من مخلفات الشحوم بمجرد إلقائها في الصحراء أو بإلقائها في قنوات الصرف الصحي. يدرك القليلون أن عواقب ذلك الفعل قد تكون وخيمة وكارثية على البنية التحتية والبيئة والصحة العامة، فقد يؤدي انسداد مصارف المياه والأنابيب وكذلك توقّف المضخات عن العمل إلى شلل تام للأعمال وللشركات وللمجتمع ككل، وقد تكلّف عمليات إصلاح هذه المشكلات مبالغ ضخمة يتكبّدها الأفراد والبلديّات .

السركال إنفيرول

بدأت مجموعة السركال في البحث عن حلول لمشكلات مخلّفات زيوت الطهي منذ أكثر من عقد مضى. ونظراً للتعاون الوثيق الذي جمع دائماً بين بلدية دبي وشركة السركال العائلية، فقد سعت الأخيرة للعثور على أفضل تقنية متاحة لإعادة تدوير مخلفات محابس الشحوم. بعد عدة سنوات من البحث، قررت مجموعة السركال استخدام أنظمة تم استيرادها من أوروبا الشمالية والاستثمار في مجال الأبحاث والتطوير لتطوير التقنية الخاصة بها. و في النهاية أدّى الجهد المبذول في  التجهيز والبحث لسنوات إلى إقامة مشروع مشترك مع بلدية دبي وإنشاء محطة “إنفيرول” المخصصة لإعادة تدوير مخلفات محابس الشحوم. تم تطوير التقنية المستخدمة في المحطة بواسطة مجموعة السركال بالإضافة إلى امتلاك المحطّة بالكامل. تتيح هذه التقنية فصل النسبة الأكبر من الدهون والزيوت والشحوم من مخلفات محابس الشحوم ثم إعادة تدويرها إلى مكونات قابلة لإعادة الاستخدام. تقوم الشراكة بين مجموعة السركال وبلدية دبي على أساس التمويل التأجيري للسركال إنفيرول ، وبينما تتم إدارة المحطة حالياً بواسطة مجموعة السركال، إلا أن ملكيتها سوف تنتقل بالكامل للبلدية خلال الخمسة عشر سنة القادمة.

 لم يكن تأسيس السركال إنفيرول بالنسبة لعائلة السركال سوى الخطوة الأولى بين عدة خطوات تنوي العائلة القيام بها في سبيل تنفيذ استراتيجيتها البيئية على نطاق مجموعة شركاتها بالكامل. ونتيجة لهذه المجهودات، تغيرت صورة الشركة العائلية كلية على مدار السنوات العشرالماضية؛ ففي الوقت الذي يتم فيه الالتزام بقيم العائلة وأسلوب القيام بالأعمال الخاص بها، يتم توجيه رؤية المجموعة ومهمتها وكذلك طريقة تسويقها نحو التخطيط لمستقبل أخضر خالٍ من الملوثات.

REC_022

كيفية عملها

لا تمثّل محطة إعادة التدوير سوى جزء واحد فقط من سلسلة القيمة الصديقة للبيئة التي تقدمها السركال إنفيرول. تنطوي الخطوات المتبعة خلال عملية التخلص الآمن من مخلفات زيوت الطهي على العديد من العوامل لكنها تعتبر فعلياً خطوات سهلة في نهاية المطاف:

  1. يُطلب من جميع مُلّاك المطاعم والخدمات الغذائية تركيب محابس الشحوم لمعالجة مياه الصرف الناتجة عن مطابخهم بواسطة البلدية. تجمع هذه المحابس الدهون والزيوت والشحوم من خط الصرف على أن يتم إفراغها بصفة منتظمة.
  2. يستعين مُلّاك المطاعم بمتعهدين لاستلام مخلفات محابس الشحوم بصفة منتظمة ثم توصيلها إلى محطة إعادة التدوير.
  3. تعالج محطة إعادة التدوير المخلفات وتفصلها إلى مكونات قابلة للاستخدام مرة أخرى.
  4. المكونات الناتجة عن عملية التدوير هي عبارة عن زيوت نباتية تُستخدم لإنتاج الصابون، والديزل الحيوي ووقود الأفران، وقطع صلبة حيوية تُستخدم كسماد، ومياه تُستخدم لأغراض الري.

تشمل الخدمات التي تقدمها السركال إنفيرول جميع جوانب العملية بداية من تركيب محابس الشحوم، والتوصيل الآمن للمخلفات إلى المحطة وكذلك توزيع المكونات التي يتم فصلها من المخلفات. ومن خلال تعاونها مع البلدية، ساهمت السركال إنفيرول في صياغة ووضع القوانين والقواعد التي ستضمن القيام بهذه الخطوات على النحو الصحيح.

التحدّيات وترسيخ المقاييس

إذا كانت إعادة التدوير عملية مفيدة إلى هذا الحد، فلماذا لم يحرص الكثيرون إلى الآن على القيام بها؟ صحيح أن المنطق الذي تقوم عليه  عمليات إعادة التدوير وتدعمه يعتبر بسيط وسهل، إلا أن التزام الجميع بالقواعد والقوانين يشكّل تحدياً كبيراً. قد يرجع هذا إلى اعتبار الكثيرين لإعادة تدوير مخلفات محابس الشحوم كعملية تستلزم المزيد من الجهد والتكلفة. فيما يلي أكبر ثلاثة تحدّيات تواجها السركال إنفيرول:

REC_025

  • التكاليف

تضطر محطات إعادة التدوير مثل السركال إنفيرول إلى محاسبة العملاء حسب عدد جالونات المخلّفات التي يتم استلامها نظراً للتكاليف الثابتة والباهظة اللازمة لإدارة المنشأة. يُعد هذا أحد الأسباب وراء محاولة بعض مالكي المنشآت الغذائية البحث عن وسائل أرخص تكلفة للتخلص من مخلفاتهم واللجوء إلى إلقائها بطريقة غير قانونية مما يلحق أضرار كبيرة بالبيئة. والمفارقة هنا أنه غالباً ما تؤدي الأضرار التي قد تتسبب بها المضخات والأنابيب المسدودة إلى تكبّد مُلّاك الشركات والمشروعات التجارية تكلفة وأعباء أكثر مما لو كانوا التزموا بقوانين إعادة التدوير. لتشجيع سلوك إعادة التدويرلدى الشركات، قد تحتاج الحكومات إلى التفكير في تقديم دعم مادي إلى مُلّاك المنشآت الغذائية الصغيرة مقابل إعادة التدوير، وهو ما سيؤدي على الفور إلى زيادة الطلب على أحدث محطات إعادة تدوير المخلّفات.

  • المتعهدّون

لا يقتصر التحدّي دائماً على مُلّاك المنشآت الغذائية فحسب، حيث يعتمد سير العملية على النحو السليم بشكل كبير على المتعهّد الذي تتم الاستعانة به للتخلص من مخلفات محابس الشحوم. فيُعرف أن بعض المتعهدين يقومون بإلقاء المخلفات في الصحراء أو في قنوات الصرف الصحي مما يؤدي إلى تكبد البلدية تكاليف باهظة جراء الانسدادات والتلوث. وبالتعاون مع البلدية، طوّرت السركال إنفيرول بعض المقاييس الإلزامية لمنع عملية إلقاء المخلفات غير القانونية: سوف يتم تركيب أجهزة تعقب بنظام تحديد المواقع العالمية GPS في الشاحنات المستخدمة بواسطة المتعهدين المرخّص لهم بجمع مخلفات محابس الشحوم. سوف يتيح هذا النظام التحكّم في الأماكن التي تقصدها الشاحنات أثناء فترة التسليم والتوصيل. علاوة على هذا، سوف يتم تركيب صمامات لضمان أن الصهاريج التي تحتوي على الشحوم لا يمكن فتحها إلا عند وصول الشاحنات إلى محطة إعادة التدوير وليس قبل ذلك.

REC_024

  • نقص الوعي

يعدّ أحد أكبر العوائق في طريق التخلص من مخلفات زيوت الطهي هو نقص الوعي لدى المستهلكين ومُلّاك الشركات والأنشطة التجارية. يعتقد الكثيرون أنه بإفراغهم محابس الشحوم في كيس القمامة يكونوا قد قاموا بحلّ المشكلة غير مدركين غالباً مدى الضرر الذي تحدثه مثل هذه السلوكيات. قد تكون مهمة رفع مستوى الوعي واحدة من أصعب المهام في عملية إعادة التدوير. تعمد السركال إنفيرول إلى تضمين تدريبات متعلقة بالعادات الصحية وتدريبات للممارسات البيئية كجزء من خدماتها وتستثمر الشركة العديد من الساعات في القيام بهذه الأنشطة. ومع ذلك، فمن الصعب تعديل هذه السلوكيات وترسيخ هذه المبادئ، ولهذا تلعب القوانين التي تفرضها البلدية دوراً مهماً في إدارة عملية التخلص من مخلفات محابس الشحوم.

وماذا بعد؟

في الوقت الحالي، تضم قائمة عملاء السركال إنفيرول -على سبيل الذكر لا الحصر- سلسلة مطاعم ماكدونالدز وفندق الميدان. ما هو المتوقّع مستقبلاً؟ تخطّط مجموعة السركال إلى تكرار نموذج إنفيرول في العديد من الدول الأخرى بالمنطقة، وسوف تحتفظ بنموذج تعاونها مع البلديات للحرص على تطبيق القوانين والقواعد المناسبة التي تضمن سلامة سلسلة القيمة لعملية إعادة التدوير. كما تخطّط السركال إنفيرول للتنافس في الدول التي تطبّق مثل هذه القوانين بالفعل مع محطات إعادة التدوير الأخرى في القطاع الخاص ، معتمدة في ذلك على تميّز تقنيتها والتطوير المتواصل لأساليبها للحصول على أفضلية تنافسية.

يعزّز النجاح الذي حققته عائلة السركال في تأسيس السركال إنفيرول الاعتقاد بأن الشركات العائلية تحظى بمكانة مثالية في كل من المجتمع والقطاع الخاص ودورها في وضع وترسيخ التوجّهات الجديدة المتعلّقة بالاستدامة والممارسات البيئية. تعبّر الرؤية البيئية لمستقبل مجموعة السركال عن نفسها بوضوح بحيث يمكن اختصارها باستمرار العائلة في التعاون مع الشركات الخاصة والمجالس والمؤسسات غير الهادفة للربح في سبيل تحقيق الهدف الأوحد وهو صناعة سمعة قوامها التميّز البيئي.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 13, 2012

Tags from the story