الغضب وأثره في الشركات العائلية

الغضب وأثره في الشركات العائلية

الغضب وأثره في الشركات العائلية

“يمكن لأيّ شخصٍ أن يغضب، هذا أمرٌ وارد وطبيعي، لكن أن يغضب من الشخص المناسب، وللدرجة المناسبة، وفي الوقت المناسب، وللسبب المناسب، وبالأسلوب المناسب فهذا ما ليس بمقدوره وليس بالأمر اليسير.” أرسطو

يأخذ الغضب أشكالاً متعددة ومختلفة بحسب الوسائل المتاحة للتعبير، وكيفية تحفيزه في المقام الأول والشخص أو الشيء الموجه ضده. ويعتبر الغضب عاطفة متكررة الحدوث في إطار الشركات العائلية، وذلك لأن العلاقات الأسرية وتحديات العمل وضغوطاته تشكّل أرضيةً مثالية لإثارة الغضب حتى لدى الأشخاص الذين يتمتعون بقدرٍ عالٍ من الصبر والحلم. ومن هنا يعدّ التنفيس عن الغضب من وقتٍ لآخر أمراً صحياً يمكن أن يؤدي إلى بيئة عمل أفضل، بالرغم من أنّ هذه العاطفة القوية قد أدّت في بعض الحالات إلى توقف الأعمال وفسخ الروابط العائلية في مراتٍ أخرى.

الغضب وأثره في الشركات العائلية

التنافس بين بوما وأديداس

لطالما تنافست شركتا بوما وأديداس فيما بينهما لتحقيق التفوق والتميز في سوق الملابس الرياضية التنافسيّ لأكثر من ستة عقود، لكن ما لا يدركه كثيرٌ من الناس أنّ هذا التنافس تعود جذوره إلى خصومةٍ مريرة بين أخوين اثنين، هما أدولف ورودولف داسلر اللذين قاما في عشرينيات القرن الماضي بتصنيع الأحذية الرياضية في غرفة غسيل الملابس في منزل والدتهما في بلدة هيرتسوجيناوراخ الصغيرة في ولاية بافاريا الألمانية، وارتفعت مبيعات أحذيتهم خاصةً بعد ارتدائها من قبل أبطال الأولمبياد في ثلاثينيات القرن الماضي حتى بعد سقوط ألمانيا تحت سيطرة النازيين. لكن النجاح خلق حالة من التوتر بين الأخوين، لاسيما وأن عائلتيهما كانتا تعيشان في نفس الفيلا إلا أن الزوجتان لم تتفقا أبداً. ويروى أنه أثناء الحرب وخلال هجومٍ للحلفاء قام رودولف وزوجته بالاختباء في ملجأ العائلة، وانضم لهما أخوه رودولف وعائلته. وفي لحظةٍ توتر وغضب بدا أدولف يلعن ويشتم الطائرات، لكن رودولف ظنّ أنها إهانة شخصية له، مالبث أن تحول الأمر إلى حالة من المواجهة الحادة بين الأخوة.

بحلول نهاية الحرب، فض الأخوان الشراكة وقاما بتقسيم الشركة بينهما. فأسس أدولف شركة أديداس، فيما قام رودولف بتأسيس شركة بوما، واستمر التنافس والتناحر بينهما بأساليب مثيرة للسخرية، حتى وصل الحال بكافة سكان بلدة هيرتسوجيناوراخ إلى المشاركة في هذا التنافر من خلال تشكيل تحالفات وتكتلات لدعم الشركتين، لدرجة أن الشركات المحلية كانت تقوم بتقديم خدماتها للموظفين بحسب انتمائهم لشركة أديداس أو بوما، حتى أنّ الموظفين منعوا من الزواج من موظفي الشركة الأخرى. وفي العام 2009، وبعد مرور فترةٍ طويلة على وفاة الأخوين، اجتمعت الشركتان لأول مرة ضمن مباراة ودية لكرة القدم ليتم وضع حدٍ للخصومة التي كان الغضب سبباً لها.

هاريسون ووالاس ماكين وحروب البطاطا المقلية 

أطلق الأخوان هاريسون ووالاس ماكين شركة “ماكين فودز” للأطعمة المجمدة في العام 1957، وأصبحت هذه الشركة الكندية في غضون ثلاثة عقود أكبر منتجٍ للأغذية المصنعة في العالم والمورد الرئيسي للبطاطا المقلية لكلٍ من ماكدونالدز وكنتاكي فرايد تشيكن. وقد شغل الأخوان منصب المدير التنفيذي للشركة وعملا معاً جنباً إلى جنب لمدة 37 عاماً، ولطالما افتخرا بهذا التقارب الشخصي والمهني في مكتبين كان يفصل بينهما باب غير مقفل.

لكن علاقتهما تدهورت في العام 1993 عندما قام والاس بتعيين ولده مايكل رئيساً للعمليات في فرع الشركة في الولايات المتحدة، على الرغم من اعتراضات أخيه هاريسون على هذه المسألة، وأدّى هذا الأمر إلى تدني مستوى أداء الشركة بإدارة الابن مايكل وحلولها في المرتبة الخامسة في سوق البطاطا المجمدة التنافسيّ في الولايات المتحدة. وتبين فيما بعد أن هاريسون، الذي كان غضبه يكبر يوماً بعد يوم، قام بالتدخل في عمليات وأنشطة الشركة في الولايات المتحدة من خلال إبرام صفقات شرائية مع ماكدونالدز دون علم مايكل، وهو أمرٌ جعل والاس يشعر بالغيظ. وتصاعد الخلاف المتزايد بين الأخوين ليتحول إلى صراعٍ على السلطة يحكمه الغضب. وبعد فترةٍ وجيزة، استطاع هاريسون إقناع مالكي الأسهم من أفراد العائلة بتخفيض منصب والاس من مدير تنفيذي مشارك إلى نائب الرئيس. وأدت سلسة متتالية من الدعاوى القانونية إلى عزل والاس من الشركة على الرغم من امتلاكه لثلث الشركة، ليقوم بعد ذلك بشراء شركة “مابل ليف فودز” الكندية العملاقة المنافسة والمتخصصة في الأطعمة المصنعة، وتحقيق نتائج مذهلة. وقد نقل عنه قوله: “أكبر شيءٍ حدث لي في السنوات الخمس والعشرين الماضية، وفي حياتي كلها، هو عزلي بشكلٍ غير رسمي من شركة ماكين فودز.”

الغضب وأثره في الشركات العائلية

“ستانلي هو” والعائلة

نادراً ما تنفرد عائلة واحدة ببسط قدرٍ كبير من النفوذ والسلطة على مدينةٍ واحدة، مثلما فعلت عائلة “ستانلي هو” في ماكاو التي تعتبر أكبر سوقٍ للقمار في العالم، وذلك من خلال امتلاكها لشبكة واسعة من الكازينوهات والمطاعم والفنادق وإشرافها بشكلٍ جماعيّ على إمبراطورية من الأعمال تسيطر على 30% من إيرادات ماكاو من القمار والتي تقدر بحوالي 23.5 مليار دولار.

في أوائل العام 2011، طفا على السطح خلافٌ بين أفراد العائلة، عندما قام كل طرفٍ بكيل الاتهامات للطرف الآخر بالاستيلاء بطريقةٍ غير قانونية على حصة “ستانلي هو” المسيطرة في شركة العائلة القابضة “لانسيفورد”. وما زاد الأمر تعقيداً أنّ عائلة “ستانلي هو” مكونة من أربع زوجات و17 ابناً، وأصبح النزاع على الملأ بعد أن تم نقل كافة أسهم “هو” تقريباً في شركة “لانسيفورد” لصالح الشركات التي تسيطر عليها زوجتيه الثانية والثالثة، الأمر الذي أدّى وبشكلٍ فعّال إلى تقليص حصته التي كانت تقدر بحوالي 1.7 مليار دولار من نسبة 100% إلى 0.02% فقط. وفي تسجيلٍ له على يوتيوب، ادعى “هو” أنه لطالما كان يخطط لتقسيم حصته في الشركة إلى أربعة أقسامٍ متساوية بين أفراد عائلته وأنه تعرض لما وصفه بمحاولات “التخويف” لإجباره على التوقيع على وثيقة لنقل حصته إلى أفراد عائلته، ولهذا أقام دعوى قضائية ضد اثنتين من زوجاته وأولادهن. وفي وقتٍ لاحق كشفت الزوجتان عن رسائل زعمتا أنها مكتوبة بخط يد السيد “هو” جاء فيها أن قطب المال عمد إلى عزل مكتب المحاماة الخاص به وأنه في حقيقة الأمر وقع على وثيقة نقل حصته عن طيب خاطرٍ منه. ويُزعَم أنّه قال: “يجب أن لا يتم حلّ المسائل العائلية عبر المحامين، ومقاضاة أفراد العائلة لبعضهم البعض أمرٌ مزعج!”

وتوقف الخلاف العائليّ الذي حلّ بمدينة القمار بشكلٍ مفاجئ عندما قام “ستانلي هو” بسحب الدعوى المقدمة من قبله، مدعياً في رسالة علنية أخرى أنه تم التوصل إلى تسوية بين كافة أفراد العائلة.

الغضب وأثره في الشركات العائلية

بال موهيندر سينغ وجاسميندر سينغ

في العام 1973، هاجر “بال موهيندر سينغ” وابنه “جاسميندر” من شرق أفريقيا إلى شمال لندن حيث قاما بتأسيس مكتب بريد صغير، ومع نمو أعماله وأنشطته، توسعت أعمال الشركة لتشمل قطاع الفنادق، والاستحواذ على نحو عشرة فنادق بما في ذلك فندق “ماي فير” الشهير. ولأنّ “جاسميندر” كان يجيد اللغة الإنجليزية بشكلٍ أفضل من والده وكان محاسباً مؤهلاً، قام والده بتعيينه رئيساً لمجموعة الشركات، بينما بقي هو في عضوية مجلس الإدارة. وبعد ذلك قام الفريق المكون من الأب وابنه بتوسيع الشركة إلى ما هي عليه الآن والتي تضم سلسلة من الفنادق تقدر قيمتها بنحو 800 مليون جنيه إسترليني.

ولكن في العام 2013، قدم “بال موهيندر” دعوى قضائية ضد ابنه “جاسميندر”، بدعوى أنّ ابنه أجبره على التقاعد في العام 2010 وفشل في تقاسم ثروة العائلة معه منذ ذلك الحين، وأنه وفقاً لتقاليد السيخ يحق للأب ثلث الثروة، وأنه شعر “بالخزي الشديد” أنّ ابنه نسي تقاليد السيخ التي تربى وترعرع عليها. يشار إلى أن السيدة سينغ وولديها الآخرين قد شهدوا ضد “جاسميندر” في كافة مراحل الإجراءات القانونية، وقد أكد “جاسميندر” أنه لم يتلق أي تنشئة دينية خاصة ولم يكن هناك اتفاق عائلي على تقاسم الممتلكات. وفي نهاية المطاف، ربح “جاسميندر” الدعوى ضد والده. وكشفت العائلة في وقتٍ لاحق أنّ كافة أفرادها يعيشون حتى الآن في بيتٍ واحد مكون من سبع غرف نوم، على الرغم من تداعيات الدعوى القضائية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 25, 2015

Tags from the story