حول التقدير في الشركات العائلية

حول التقدير في الشركات العائلية

حول التقدير في الشركات العائلية

كثيراً ما يشعر أفراد العائلة بعدم التقدير في شركاتهم العائلية أو أنهم يكونون غير مقدّرين بالفعل الأمر الذي يحدث فوق تصوّرنا جميعاً. جرت العادة وللإسف أن يفشل أفراد العائلة الواحدة في إظهار التقدير و الإحترام لبعضهم البعض في مجال العمل. وفي المقابل يوجد حساسية مفرطة عندما يتعلّق الأمر بالحاجة إلى الإهتمام والمديح ممن هو ليس رئيسك في العمل فحسب بل هو علاوة على ذلك والدك أو عمك أو قريبك. تأخذنا فريدة العجمي إلى أعماق مسألة التقدير في الشركات العائلية وتكشف لنا سوء الفهم المتوارث في صلب هذا الموضوع.

تقدير العاملين في الشركات

ترتبط عادة قضية التقدير في الشركات العائلية بالموظفين من خارج العائلة الذي يشعرون بأن هناك محاباة في صالح أفراد العائلة، ومن هنا تظهر أهمية معاملة الموظفين من خارج العائلة بصورة منصفة.

نجد وبشكل عام في أدبيات الموارد البشرية مناقشات حول العلاقة الطردية بين إنتاجية فرق العمل و إظهار المدراء اهتماماً حقيقياً وصادقاً بموظفيهم، ولكن تتطرق هذه المناقشات أيضاً إلى الأهمية القصوى للمحفزات من أجل الاحتفاظ بأصحاب المواهب. وبالطبع فإنه من خلال النظر إلى هذه القضية من منظور تجاري بحت، فإن عملية التقدير تكون في الغالب مسألة ثقافة إدارية ونظم للموارد البشرية تقترن بأنظمة الإدارة الفردية. وبفضل وجود فرق العمل المناسبة إلى جانب دعم الإدارة، يمكن تحقيق الكثير وإضافة الطابع المؤسساتي لعملية التقدير وتنفيذها.

لقد رأينا بعض الأمثلة المذهلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث استطاعت الشركات العائلية تحفيز المواهب من الموظفين من خارج العائلة والاحتفاظ بهم من خلال خطط للمكافآت وفرص ترقية تتمتع بالشفافية، وغيرها من المحفزات. بيد أنه من النادر ما نقرأ عن التقدير بسبب إخلاص أفراد العائلة، لأننا على ما يبدو نفترض بأن كون الشخص جزءاً من الشركة العائلية فإنه يحظى بالتفضيل بصورة تلقائية ويحصل على المقابل المناسب أو حتى المُبالغ فيه نظير عمله أو مساهماته للعائلة.

التقدير-العامل البشري المفقود؟

من خلال استعراض القضية بصورة أكثر استفاضة، فإن هناك حقيقة معروفة مفادها أن العديد من أفراد الشركات العائلية من الشباب يشعرون بعدم التقدير لأعمالهم ومساهماتهم، ونسمع في أغلب الأحيان شكواهم حول وجود منافسة غير منصفة بين أفراد جيلهم وأن بعض أفراد العائلة الآخرين لا يقدرون جهودهم بشكل موضوعي.

من ناحية أخرى، يبدو أن كبار أفراد العائلة يشعرون بعدم حصولهم على التقدير الملائم بنفس القدر، ويشعرون في الغالب على ما يبدو بأنهم معزولون في عملية صنع القرار، ويساء فهمهم، كما أنهم محاصرون بين الطرفين المتخاصمين من أفراد العائلة، ويلقى عليهم اللوم من كلا الجانبين. ولذا يبدو أن هناك مشكلة حقيقية ينبغي معالجتها ويجب أن نبدأ بسؤالين: هل يعتبر غياب التقدير أمر حقيقي وموجود بالفعل، وإذا كان كذلك، لماذا يصعب بدرجة كبيرة التعبير عن التقدير لأفراد عائلتك؟

في حال كان غياب هذا التقدير المتصّور حقيقياً، فإن المشكلة في عملية التقدير تكمن في كونها قضية عاطفية وذاتية بدرجة كبيرة. ربما يحتاج بعض الأشخاص المزيد من التقدير أكثر من غيرهم، وربما يجد البعض إحساسهم بالرضا عن عملهم من خلال إنجاز مشروع بدلاً من التشجيع من جانب من هم أكبر سناً أو مقاماً. وفي الشركات العائلية حينما يشعر الشخص بأنه لا يحظى بالتقدير المناسب أو لا يتم تقديره على الإطلاق، فإن هذا يتم تفسيره في بادئ الأمر على أنه قصور عاطفي. تعتمد عملية صنع القرار والنجاح في عمل الشركة العائلية على التوازن الحساس للغاية بين أفراد العائلة، ويمكن الحفاظ على هذا التوازن في بعض الأحيان من خلال وجود مدير قوي أومجموعة من المدراء الذين يتمتعون بشخصية قيادية قوية، لكن تبقى في نهاية المطاف كمية التقدير وعدم التقدير للأفراد هي العامل الذي يحدد استدامة النظام.

يمكن أن يكون إحساس الشخص بعدم الحصول على التقدير الذي يستحقه شعوراً مستمراً ومدمراً وقد يؤدي إلى شعور عام بالسلبية، وفي حال كانت هناك مشكلة في عملية التقدير في الشركات العائلية، لماذا يكون تغيير ذلك أمراً صعباً للغاية؟ ففي نهاية المطاف، أنتم عائلة واحدة ومن المفترض أن يكون من الأسهل بالتأكيد التعبير عن تقديركم لشخص ما تربطكم به صلة أكثر منه للغرباء العاملين في شركتكم بدون معرفة مسبقة، فلماذا لا يمكنكم ذلك؟

لكن من ناحية أخرى ربما هو ذلك الرابط العائلي الذي يجعل الأمور أكثر صعوبة للتعبير عن التقدير، حيث أن العمل مع أفراد عائلتك يعني أنك دائماً ما تتأثر بتاريخ العائلة والعلاقات الشخصية، ولذلك فإنه من الصعب أن يتحلى المرء بالموضوعية والعقلانية بشأن تقدير جهد أفراد العائلة دون أن يكون متأثراً في اللاوعي بالجانب العاطفي. سبب آخر للإحجام عن التقدير قد يكون تردد مديري الشركات العائلية في التعبير عن الثناء والتقدير لأفراد العائلة لأنهم يخشون بأن يؤدي ذلك إلى التراخي والمطالبة بالمزيد دون حق، وهذا التردد يتم تفسيره بشكل خاطئ في بعض الأحيان من قبل أفراد العائلة الذين يعتقدون أن عدم منحهم الثناء إشارة إلى عدم الاكتراث بهم.

أما السبب الثالث فقد يكون ثقافة التواصل بين أفراد العائلة؛ فحين ننظر إلى العائلات التي تجاوزت الجيل الثاني، فإننا نجد أشخاصاً نشأوا وسط العديد من العائلات التي تتمتع بقيم مختلفة، وقد يكون من الصعب التوفيق بين هذه التوجهات وأساليب التواصل المختلفة مع بعضهم البعض بسبب وجود خلفيات متعددة، لذا فإن العمل سوياً كجموعة من صُنّاع القرار يصبح أكثر صعوبة كلما زاد تنوّع الثقافات الخاصة بأفراد العائلة.

حول التقدير في الشركات العائلية

ما هي الإجراءات التي ينبغي القيام بها؟

أولاً يجب على العائلات أن تتفق على أن إظهار التقدير للموظفين لا يعني إظهار الضعف أو القصور، وهناك أحياناً سوء فهم كبير بأن إظهار التقدير في التفاعلات الاجتماعية اليومية يفسر على أنه سلوك عاطفي ليس له وجود في عالم الشركات وبالتالي ليس في الشركات العائلية. وبالرغم من ذلك فإن الأبحاث التي أجريت على الشركات غير العائلية والعائلية على حد سواء تظهر أن الأداء يزيد ويتحسن حينما يكون هناك إظهار لقدر مناسب من الاهتمام برفاهية الزملاء في العمل. ولذا فإنه ينبغي بالطبع إظهار التقدير في السياق المناسب وبالقدر المناسب من المهنية وبدون معاملة تفضيلية.

ثانياً، ينبغي أن يكون هناك قدر من الواقعية، فحينما يشعر الفرد بأنه لا يحظى بالتقدير، تكون هناك نزعة لنسيان كيف يمكن تقييم الموقف ذاته خارج الشركة العائلية، هل سيكون من المتوقع الحصول على نفس التقدير من مدير من خارج العائلة؟ هل سيتم الحصول عليه باستحقاق ويكون واقعياً؟ هناك مواقف يتوقع فيها أفراد العائلة درجة أعلى من التقدير قليلاً لأنهم يعملون في الشركة المملوكة لعائلتهم، لكن مثل هذا التوقّع الكبير يمكن في المقابل أن يُفسر على أنه غطرسة،  وهو ما يؤدي إلى إحجام الإدارة عن التعبير عن التقدير أكثر.

يتعلق الأمر حقيقة بتحقيق التوازن بين ما يمكن توقّعه بصورة معقولة وما يمكن تقديمه بصورة واقعية من حيث التقدير داخل الشركة العائلية.

علاوة على ذلك، فإنه من المهم للعائلات التي تبحث عن مستقبل مستدام لشركتها أن تكون على دراية بالأشخاص الذين يشعرون بأنهمم يفتقدون للتقدير المانسب الذي يستحقونه، فتقدير الموظفين الذين يشعرون بهذا مهم بغض النظر عن مدى وجاهة مبرر هذا الشعور. إن الشعور بعدم التقدير المناسب قضية ذاتية، لكنها دائماً ما تؤثر على ولاء الفرد للشركة العائلية، ويمكن لأحد أفراد العائلة الذي يشعر باستمرار بالتقليل من قدره أن يتخلى عن العائلة في لحظة حاسمة بدافع الضغينة على سبيل المثال ، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة إدارة.

بالطبع لا يوجد هناك انسجام وتفاهم تام بين الموظفين خاصة في الشركات الكبرى التي تضم مجموعة متنوعة من الثقافات العائلية الفردية، لكن لكي يكون أفراد العائلة قادرين على قيادة الشركة، فإن تقدير مشاعر الأفراد يمثّل أمراً في غاية الأهمية. ينبغي على كافة الأطراف أن تكون منفتحة لفهم تاريخ حالات سوء التفاهم، ففي أغلب الأحيان يكون غياب التقدير حالة من عدم التفاهم أو سوء التواصل يمكن إصلاحها بسهولة في حال جرت معالجتها بطريقة مناسبة.

وفي نهاية المطاف، فإن عملية التقدير داخل العائلة ينبغي أن يتم التعامل معها بأكبر قدر ممكن من البساطة، فإذا رأيت شخصاً يقدّم أداء جيداً، فلماذا لا تخبره بذلك؟ فمن الممكن أن تحصل أنت بالمقابل على ذلك التشجيع غير المتوقّع أيضاً!

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 16, 2012

Tags from the story