الخلافة بالشركات العائلية في العالم العربي – تحويل التحدي إلى فرصة

الخلافة

الخلافة بالشركات العائلية في العالم العربي – تحويل التحدي إلى فرصة

في محيط الشركات العائلية، مسألة الخلافة أشبه ما تكون بطفل صعب المراس. تهاب العديد من العائلات فترة انتقال الإدارة من جيل إلى جيل، فكما هو معروف يتطلب هذا الأمر دمج قوي للسمات العاطفية والإدارية. وبالنسبة لقيادة شركة العائلية تُعد الخلافة هي أهم تحدي؛ فهي تشتمل على احتياجات أصحاب المصلحة وأفراد العائلة وكذلك تختبر رؤية الشركة ككل. ويُضاف لهذه التحديات أمور تتعلق بالثقافة وطريقة التفكير والطرق التقليدية لتأدية العمل. لكن إلى أي مدى يمكن نسب السلبية المحيطة بالخلافة إلى عملية ترقب جماعي يشوبه السلبية؟ هل يمكن للخلافة، من خلال إعداد شامل وتغيير للمتوقع منها، أن تصبح مرحلة إيجابية تعطي قوة دافعة للشركة بدلا من أن تمثل عقبة مخيفة تهدد استمراريتها؟ أصبح من الواضح أن تقسيم عملية الخلافة والنظر إليها من زوايا مختلفة يقضي على الكثير من التهديدات المتوقعة منها وقد يجعل منها تحديًا يمكن التعامل معه.

ما سبب الانزعاج من موضوع الخلافة؟

تقريبًا كل من كتب أي شيء عن الشركات العائلية يصف الخلافة بأنها التحدي الأساسي أمام ضمان استمرارية شركة العائلة. فترة الانتقال من منظومة قيادة إلى أخرى قد تنطوي على جهد عاطفي من العائلة أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ شركة العائلة. وعلى الرغم من أن التحديات قد تكون فعلية، فقد تكون “الرهبة” المصاحبة للخلافة نتاج للتوقع السلبي الجماعي والترقب المشوب بالخوف نتيجة لقصص عن عائلات فشلت وإحصائيات تؤكد على مدى الهشاشة التي تكون عليها العائلات أثناء فترات الانتقال.

لكن الخلافة ليست مجرد “لحظة عابرة” أو مجرد “وثيقة” كما أنها لا تعني أن يقول الأب لأبنه “إليك بالمفتاح، فقد انتهي دوري الآن”! بل على العكس، الخلافة مرحلة طويلة بل بالأحرى معتمة تبدأ من اليوم الذي يُظهر فيه الجيل التالي اهتمامًا بالشركة. وإيجاد نقطة نهاية للخلافة شيء عسير كذلك، فبينما بعض الإجراءات الفنية والقانونية قد يكون لها نقطة نهاية واضحة، فالتأثير العاطفي والفكري للجيل السابق قد يستمر. يوضح ذلك أن من المهم بالنسبة للعائلات تقسيم عملية الخلافة إلى عملية يمكن مراقبتها، ثم تجهيز مجموعة الإجراءات والخطط، ثم الاستعداد للبدء في التنفيذ في أسرع وقت ممكن.

كيف تستعد

في بعض الأحيان، تؤدي الضغوط الشديدة والتوقعات المختلفة وما يتبع ذلك من إجهاد عاطفي للعائلة التي تمر بمراحل الانتقال إلى تشتيت الانتباه عن الجوانب التنظيمية التي يجب الاهتمام بها. ولهذا، تميل بعض العائلات إلى الاستغراق في الجوانب الشخصية لعملية الخلافة. وعلى قدر ما يمكن تفهم هذا الأمر، فإنه يمثل عقبة في القيام بتغييرات مؤسسية وعملية لتدعيم هيكل قيادة وملكية جديد.

بعض العائلات ستركز كلية على الجانب التقني للخلافة وربما تقلل من قيمة وأهمية التكيف العاطفي والذي يجب تحقيقه لكي يتم تطبيق استراتيجيات الشركة ونظم العائلة بعد تعديلها.

التركيز بشكل حصري على أيًا من الجانب التقني أو العاطفي لفترة الانتقال يمكن أن يجعل العائلة غير قادرة على المضي قدمًا! هذه هي المواقف التي يمكن أن يتحول فيها الانتقال من جيل إلى آخر ليصبح كابوس للعائلة وللشركة ولجميع أصحاب المصلحة.

يمكن أن تكون الخلافة ناجحة فقط عند توفر شرطين: أولا عندما يمتلك الجيل المسئول لرؤية بعيدة المدى وواضحة عن كيفية التعامل مع الخلافة وثانيًا عندما يتم العناية بالجانبين التقني والعاطفي بنفس القدر واستيعابهما من جانب جميع المشاركين.

ما الذي ينبغي فعله؟

يتناول الجانب التقني للخلافة غالبًا أمور مثل:

  • التخطيط للخلافة في العائلة
  • التخطيط للخلافة في الشركة
  • مراجعة هياكل الحكومة للشركة والعائلة
  • إعادة تصميم هيكل رأس المال وملكية الشركة
  • إعادة هيكلة الإدارة وعمليات الشركة وفقًا لهياكل الحوكمة الجديدة للشركة والعائلة.

تتطلب تقنيات الخلافة الكثير من الموارد المالية وغالبًا ما تلقي بعبء على إدارة الموارد البشرية. يتطلب تطبيق هياكل جديدة التزامًا ذاتيًا ومتابعة شاملة من قبل جميع أفراد العائلة المعنيين وتفهم من قبل الإدارة العليا من غير أفراد العائلة. لهذا، فمن المفيد تهيئة العائلة تدريجيًا للمرور بالتغيرات وتعلم تطبيقها، حيث أن بعض التدابير قد تتطلب إجراء تعديل معين على طريقة تفكير أفراد العائلة. ولتجنب إثقال كاهل العائلات بكومة ضخمة من الوثائق الباهظة والمفصلة التي لا تُستخدم أو تُطبق، فمن الأهمية بمكان أن تكون جميع الوثائق المتعلقة بالخلافة واضحة ومفهومة.

ينطوي الجانب العاطفي للخلافة على الأوجه المعتادة التالية:

  • الفجوات النظرية والفعلية بين الأجيال والتي تنشأ نتيجة للاختلافات في التعليم وفي الخبرات التقنية.
  • الفشل في التواصل بين أفراد العائلة بناء على عدم وجود توصيف للوظائف والمسئوليات الموزعة جزافًا.
  • الصراعات العائلية القائمة والتي تؤثر على الشركة.
  • تفضيل قادة العائلة أحد أفراد العائلة أو مجموعة منهم.

إدارة التحديات العاطفية التي تحيط بالخلافة ليست شيئًا تُناط به الإدارة العليا فقط. يجب على العائلة بأكملها أن تبذل الجهد للوقوف على دلائل سوء الفهم والصراعات. مدى إثمار هذه الجهود سيعتمد على مدى نجاح العائلة في التواصل بشكل بناء مع بعضها البعض ومع العاملين من غير أفراد العائلة.

الارتباط القوي بين الأبعاد العاطفية والتقنية للخلافة هي حقيقة لا جدال فيها. ولكل جانب منهما تأثير مباشر على نجاح أو فشل الجانب الآخر.

من المُطالب بتنفيذها؟

سؤال آخر وثيق الصلة يطرح نفسه في مسألة الخلافة ألا هو من الذي يجب أن يشارك في التخطيط للخلافة وإدارتها. هل يجب أن يقتصر الأمر فقط على أفراد العائلة الذين يعملون بالشركة؟ أم هل يجب أن يكون لغيرهم من أفراد العائلة رأي في هذا الأمر؟ في بعض الأحيان، يكون لأفراد العائلة الذين لا يعملون بالشركة تأثير كبير على تنظيم الخلافة وعلى نجاحها من خلال القيام بما يُعرف بأدوار الوساطة.

علاوة على هذا، الخلافة ليست مسألة مهمة على مستوى القيادة فحسب بالشركة العائلية. مشاركة الخلفاء في قرارات ترتبط بالخلافة في مرحلة مبكرة لا يمنع فقط الصراعات بل يعد كذلك من سيأتي عليهم الدور لاحقًا لتولي مسئولياتهم.

أوجه تفرد العالم العربي

عندما نتحدث عن الخلافة في الشركة العائلية العربية، فلا بد أن نضع في اعتبارنا أن الحياة الاجتماعية والثقافية للمنطقة وتاريخها قد أثروا بشدة على العائلة وبالتالي على هيكل الشركة.

الشركات العائلية بمنطقة الشرق الأوسط، وفي دول الخليج العربي خاصة، تميل إلى التنويع الأفقي المبالغ فيه لأنشطتها التجارية. من ناحية، يوفر هذا العديد من الفرص لضم الجيل التالي إلى الشركة. إذا كان عدد الصناعات التي تعمل بها الشركة كثيرة، تزداد احتمالية أن يجد أفراد العائلة نشاطًا أو آخر بداخل الشركة يتماشى مع طموحهم ورغباتهم. تتوسع بعض العائلات على هذا النحو خصيصًا من أجل توفير هذه الفرص لأفرادها. منح الفرصة لجميع أفراد العائلة للإنضمام إلى الشركة وتوفير الفرص المناسبة للاهتمامات المختلفة قد يكون طريقة جيدة للحفاظ على وحدة العائلة وتحفيز الجيل القادم. ومن ناحية أخرى، تميل التكتلات الضخمة ذات الأنشطة المتنوعة إلى تعقيد الأمور مما يجعل التخطيط للخلافة أكثر صعوبة.

سمة أخرى يتفرد بها العالم العربي هي أن الاختلاف العمري بين الأجيال قد يكون أقل مما هو عليه في مناطق أخرى مثل العائلات الغربية. والنتيجة المباشرة لذلك هي أن الشركة العائلية قد يصل بها الحال إلى وجود ثلاثة أجيال متعاقبة يعملون بها في نفس الوقت. هذا يعني أن الخلافة يجب أن تكون عملية مستمرة واضحة المعالم ومتوقعة، وذلك اعتمادًا على الطبيعة الخاصة بالعائلة. إنها فرصة وتحدي في آن واحد، في شركة عائلية يكثر بها أفراد العائلة من أجيال مختلفة ستكون أواصر العلاقة بينهم أقوى أو أضعف اعتمادًا على الكيفية التي تُدار بها العلاقات بينهم.

علاوة على هذا، فالعلاقات القوية التقليدية بين الشركات العائلية العربية وبين البيئة الاجتماعية المحيطة بها والمجتمع تمثل عاملا مهمًا للغاية عند تناول موضوع الخلافة. ترتبط صورة واسم العائلة بشكل طبيعي بقوة علامتها التجارية. لذا سيكون لمشكلات الخلافة وصراعاتها في العائلة تأثيرها المباشر على النجاح التجاري وثقة أصحاب المصلحة في الشركة.

في النهاية، يشهد العالم العربي بشكل عام مؤخرًا فجوة كبيرة نسبيًا بين الأجيال. ونظرًا للنمو المتضاعف لبعض الأسواق العربية، والاتصال بالإنترنت والانفتاح على العالم، فقد تربى جيل الشباب في العالم العربي بشكل ما في مناخ يختلف عن المناخ الذي تربى فيه آباءهم. قد يؤدي ذلك إلى وقوع سوء فهم، بحيث يُنظر إلى الابتكارات التي يقدمها الجيل الجديد على أنها غير واقعية وعلى الجانب الآخر تُعد حكمة الجيل الكبير على أنها خاملة وخالية من الروح.

ارتباط الشركة العائلية بالمجتمع، وحجم وتركيبة العائلة وحجم التنوع والفجوات بين الأجيال تمثل جميعها عوامل يجب على الشركات العائلية العربية أخذها في الاعتبار عند تناول موضوع الخلافة. كما يوضح هذا الأهمية الاستراتيجية لوجود مستشارين وتطوير أنظمة تتأقلم مع التغيرات الثقافية التي تواجه الشركات العائلية العربية.

لماذا يمكن لتغيير المفاهيم أن يكون مفيدا؟

بالطبع، العوامل التي تقوم عليها الخلافة أكثر تعقيدًا من التي ذكرناها وتختلف بشكل كبير من عائلة لأخرى ومن شركة لأخرى. لكن، الشيء الأكثر أهمية هو عدم إنسياق العائلات إلى فخ المفاهيم السلبية المسبقة. وبدلا من النظر للخلافة على أنها تهديد، يجب على العائلات تقسيم العملية إلى أجزاء يمكن فهمها بل ويجب أن تحاول النظر إليها كفرصة لهم: ربما تصبح الخلافة قوة دافعة لابتكار رائع وأساس لنمو الشركة ولوحدة العائلة.

وبدلا من النظر إليها على أنها أوهن الفترات في عمر شركة العائلة، فمن الممكن النظر إليها على أنها اللحظة التي تعطيك الدافع الأكبر للنمو.

تغيير التوجهات والأولويات

تمتلك الشركات العائلية العربية إمكانات هائلة بسبب كثرة أفرادها غالبًا. يُعد هذا تحديًا إضافيًا لكنه في الوقت ذاته مصدر قوة كبير حيث يعني أن الكثير من الكفاءات القيادية والابتكارية اللازمة يمكن العثور عليها أو تطويرها بسهولة داخل العائلة. ومع ذلك، إذا استمرت الخلافة كأحد الموضوعات المخيفة، فسوف ينتهي بها الحال لتصبح نبوءة حقيقية وسلبية ومُحبطة.

لكي تحقق التوازن بين العوامل التقنية والعاطفية التي تنطوي عليها الخلافة، يجب على الشركات العائلية العربية أن تبتكر إطار خاص بها بدلا من محاولة تطبيق قوالب جاهزة من الهياكل التنظيمية الموجودة. يحتاج الأمر لبذل الجهود وهناك بالتأكيد الكثير لتعلمه من الآخرين، إلا أن، رغبة العائلة للبقاء هي العنصر الحاسم في استمرارية شركة العائلة ولا يمكن استبدالها بأي شكل من أشكال الوثائق الفنية.

كيفية تحقيق شركة عائلية لهذا التوازن أو هذا الإطار ترتبط بطبيعة الشركة. قد تحتاج بعض الشركات لأشخاص من الخارج مثل العاملون من غير أبناء العائلة ليساعدوا في ابتكار الأفكار الاحترافية التي تتطلبها الخلافة ولتوفير المساحة اللازمة حتى يتمكن أفراد العائلة الجدد من القيام بأدوارهم بدون أعباء أو مشقة من جانب أسلافهم.

بينما قد يجد الآخرون الحل داخليًا ويصلون إلى اتفاقيات مريحة في إطار العائلة واضعين في اعتبارهم الرغبات الشخصية.

الخلافة مشروع يحتاج لإدارة، وتوقع، ومراحل محددة بوضوح. لا يمكن قياس مدى نجاح إدارة الخلافة سوى من خلال رضا أفراد العائلة وعمر الشركة. يجب أن تكون الخلافة جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الشركة العائلية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 7, 2010

Tags from the story