مجموعة شلهوب: توجهٌ نحو ريادة الأعمال ورؤيةٌ مستدامة

Anthony and Patrick Chalhoub, Co-CEOs, Chalhoub Group

لقاءٌ مع أنتوني شلهوب وباتريك شلهوب، الرئيسان التنفيذيان المساعدان في مجموعة شلهوب

تدرك هذه الشركة العائلية الكثير من أساليب مواجهة التحديات البارزة. وباعتبار مجموعة شلهوب واحدةً من أبرز شركات التجزئة الناشطة في مجال المنتجات الفاخرة في منطقة الشرق الأوسط، فإنها تستند إلى القيم التي تُعلي من شأن العائلة والأسس المهنية والاستدامة، لأن احتلال مرتبة الصدارة في مجال الجمال والأزياء والهدايا ليس بالأمر السهل مطلقاً. وقد كانت العقود الماضية خير شاهد على النجاح الكبير الذي حققته مجموعة شلهوب بالرغم من حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

أسس  ميشيل  شلهوب وزوجته وداد قبل 60 عاماً شركةً استثنائية توفر اليوم فرص العمل لما يزيد عن 12,000 شخصاً، بفضل امتلاك روح الابتكار والحس الجمالي رفيع المستوى في اختيار البضائع الفاخرة، وانطلق هذا الثنائي في تنفيذ مهمتها المتمثلة في توريد أرقى العلامات التجارية الغريبة إلى منطقة الشرق الأوسط. وسرعان ما وضعا حجر الأساس لإطلاق مشروعهما بافتتاح متجر كريستوفل في العاصمة السورية دمشق في العام 1955. ومع ازدهار العمل، قرر الثنائي توسيع مجموعتهما وبات اسم هذه الشركة العائلية مرتبطاً باسم شركائها مثل “ديور” و”لوي فيتون” و”كريستوفل” و”باكارا ” و”بويج” وغيرهم الكثير.

وبعد مرور 60 عاماً، تواصل مجموعة شلهوب نشاطها في أكثر من 14 دولة وتدير شبكاتها المنتشرة في أكثر من 650 متجر للبيع بالتجزئة، وأكثر من 125 شركة وفرعاً ومشاريع مشتركة. كما تخصص مجموعة شلهوب استثمارات ضخمة  بهدف دعم قطاع المعرفة وتوفير التعليم لكافة الموظفين لديها بما يخدم تحقيق التنمية المستدامة في المنطقة. تُدار المجموعة حالياً من قبل الأخوة من الجيل الثاني أنتوني وباتريك شلهوب وتصنف كواحدة من أكبر شركات تجزئة البضائع الفاخرة في المنطقة بعد أن نجحت في إطلاق متاجر التجزئة الخاصة بها مثل “تاناغرا ” و”ليفيل شو ديستركت” وإنضم  إليها مؤخراً متجر “ترايانو”.

التقت مجلة ثروات مساعدي الرئيس التنفيذي في مجموعة شلهوب في مقر الشركة في دبي، وهو مبنى ينبض بلون أبيض ناصع ويحمل شعار العائلة مع لمسات بلون أزرق داكن. وبكثير من التواضع والمحبة والحماس، أطلعنا الأخوة شلهوب على مسيرة نجاح شركتهم العائلية والتنمية المستدامة في قطاع المنتجات الفاخرة والأسباب التي تجعل من الموظفين لديهم ثروة حقيقية.

1955, founders of Chalhoub Group, Michel and his wife.تاريخٌ حافلٌ بالإنجازات ونموٌ متسارع الخطى

تحتفي المجموعة في هذا العام بمرور 60 عاماً على إطلاق مجموعة شلهوب، الشركة العائلية ذات التاريخ الحافل. ويدرك الأخوة من الجيل الثاني أنتوني وباتريك أهمية الإنجازات التي قدمها والديهما في سبيل تأسيس إرث عريق يصمد في وجه كافة الأزمات ليحقق القيم العائلية. وهذا ما يشرحه أنتوني، الأخ الأكبر قائلاً: “إذا نظرت إلى تاريخ شركتنا العائلية، ستجده حافلاً بعمليات واجراءات ديناميكية لمواجهة التحديات.”

لقد توجب على  ميشيل  وزوجته وداد شلهوب، مؤسسا الشركة ووالدي أنتوني وباتريك، الانتقال إلى بلدان مختلفة ولمرات عديدة بسبب الصراعات والظروف غير المتوقعة التي عانت منها المنطقة. فقد غادرا سوريا في الستينيات من القرن الماضي متجهين إلى لبنان، ثم ما لبثا أن سافرا مجدداً إلى الكويت في العام 1975 لتستقر العائلة في دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 1990. وهذا ما شرحه أنتوني قائلاً: “نقلنا أعمالنا من الكويت إلى الإمارات بسبب اندلاع حرب الخليج. ولقد تعلمنا الكثير من تجربتنا هذه إذ قمنا بإعادة ترتيب أولوياتنا. فلقد توجب علينا استعادة توازننا والبدء من جديد.” وأضاف أنتوني قائلاً: “لقد تطلب منا الأمر تطوير الأعمال وتقديم أفكار مبدعة بشكل متواصل وكأننا نبدأ من الصفر مراراً وتكراراً.”

تتخذ هذه الشركة العائلية العريقة من دبي مقراً رئيسياً تغطي من خلاله كامل منطقة الشرق الأوسط باعتبارها من أكثر الشركات البارزة في هذا المجال. وهذا ما وصفه باتريك قائلاً: “لقد أسسنا قاعدة لاستثماراتنا في مقرنا الكائن في الإمارات العربية المتحدة إلا أننا نواصل من خلاله التركيز على المنطقة بأسرها.” وأضاف باتريك قائلاً: “فحين ننظر إلى السنوات الـ60 الماضية من عمر شركتنا، نجد أن أكثر ما نفخر به تم تأسيسه على يد 12,000 فرد من طاقم العمل الذي يؤمن بقيم الشركة. ولا شك أن هذه الانجازات تعكس تفكيرنا طويل الأمد. فنحن لا نستهدف الربح الفوري بل نولي مسألة التميز ودعم روح الابتكار الاهتمام الأكبر. ولعل أكثر ما يفخر به الموظفون لدينا هو الهدف الأكبر الذي يسعون إلى تحقيقه”.

Patrick Chalhoubالمرونة في ريادة الأعمال والحاجة إلى التضحية

حصدت المجموعة نجاحاً لافتاً منذ انطلاق أعمالها كموزع للمنتجات الفاخرة. وذلك بامتلاكها أكثر من 650 متجراً للتجزئة موزعاً في كافة أرجاء المنطقة، يوافق كلا الأخوين بأن استمرارية ونمو أعمال الشركة يعود إلى تحلي العائلة بروح الابتكار. ويبقى السؤال المطروح هنا: هل تستطيع هذه الشركة العملاقة الحفاظ على المرونة التي طالما تحلت بها؟ أجاب باتريك قائلاً: “يشكل هذا الأمر هاجساً. فنحن نشعر بعبء المسؤولية الملقاة علينا تجاه موظفينا وعائلاتهم”. وأضاف: “لقد اعتدنا تحمل ضغوطات العمل فنحن نمتلك فرق عمل تتمتع بما يكفي من المهارات والخبرات التي تمكننا من تخطي كافة الحالات الطارئة. وقد نجحنا في تخطي الأوقات العصبية التي مررنا بها سابقاً”.

والتزاماً بالوعود التي قطعتها المجموعة على نفسها، وبدلاً من تقليص التكاليف خلال فترة الجمود الاقتصادي في العام 2009، قامت الشركة بزيادة استثماراتها الخاصة بالأفراد إذ تم افتتاح أكاديمية التجزئة التي تهدف إلى تعليم الموظفين لديها. ويسارع كلا الأخوين للتصريح بأن الشركة العائلية تمتلك الفرصة للقيام بمثل هذه المجازفات بفضل عدم وجود مالكي حصص من خارج نطاق العائلة يدفعون مسيرة الأعمال باتجاه ما يحقق لهم المكاسب وحسب. وهذا ما علّق عليه باتريك بقوله: “وبالإضافة إلى ذلك، حققنا في العامين 2011 و2012 نتائج رائعة بالفعل. لكن بدلاً من أن ننعم بقسط من الراحة قررنا الخوض مجدداً في عمل يتطلب الكثير من الجهد. ووضعنا الخطط المتعلقة بآلية التعامل مع الظروف الطارئة بدلاً من الاسترخاء.”

Chalhoub Group, Jebel Ali Offices
ورغم المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهما، يظهر كل من أنتوني وباتريك  حماساً وارتياحاً كبيراً أثناء الحديث عن الشركة. وعند سؤالهما عن التضحيات التي يقدمانها، ينظر أنتوني من خلف نظاراته بشيء من الدعابة ويتحدث قائلاً: “لقد كان التحاقنا بصفوف العمل في الشركة العائلية أمراً طبيعياً للغاية، لم يكن التحاقنا بالشركة تضحيةً بل جاء كتعاقبٍ طبيعي، فلطالما قدمنا المساعدة أثناء العطل الدراسية. وما زلت أذكر ذلك الوقت حين لم يكن هنالك أي حواسيب بل كان لدينا هذه الآلات الحاسبة الضخمة فحسب. ورغم ذلك عملنا على تحقيق مبادئ ريادة الأعمال وتوجب علينا تنفيذ الكثير من الأعمال”.

وبدوره يصف باتريك الشغف الكبير الذي يشعر به إزاء كونه واحداً من أفراد الشركة العائلية التي تواصل مسيرة أعمالها من خلال إعادة ابتكار نفسها وتطوير أعمالها بشكل مستمر، قائلاً: “لقد أدخلنا تطورات هائلة على أعمال الشركة في الفترة الواقعة بين السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي. اعتمدنا في بداية انطلاق أعمالنا على إقامة علاقات التوزيع لكن سرعان ما تحولنا للعمل كشركاء امتياز. وبحلول العام 1983، افتتحنا أول متجر لعلامة لوي فيتون في دولة الكويت ومنطقة الشرق الأوسط. وانطلاقاً من هدفنا في توحيد جهودنا مع شركائنا، بدأنا بتأسيس شراكات مساهمة مثل الشراكة الخاصة بعلامة بويج في العام 1999 وفيندي في العام 2004. ويعود الفضل بذلك لأننا نمتلك القدرة على دمج المبادئ الخاصة بالعلامات التجارية مع أهدافنا في توسيع نطاق أعمال شركتنا وهذا يتناسب مع رؤيتنا طويلة الأمد في مجال تسيير العمل واختيار الشركاء”.

واليوم… تتسم نشاطات المجموعة بتنوع أنماطها والتي تبدأ من التوزيع وحتى إقامة الشراكات. شهد العام 2012، افتتاح المتجر الخاص بالمجموعة “ليفل شو ديستركت” في دبي مول. وقدافتتح متجر “ترايانو ” للتجزئة الخاص بمجموعة شلهوب في العاصمة الإماراتية أبوظبي. وتمثل المتاجر الخاصة بالمجموعة شعار هذه العائلة خير تمثيل: العميل هو الأولوية. وهذا ما شرحه باتريك بكل تواضع قائلاً: “تتمثل مهمتنا في توفير تجربة مثالية للعميل تجعل الموظفين لدينا يشعرون بالفخر لكونهم جزءاً من هذا العمل”.

Anthony Chalhoubمسؤولية واضحة واستدامة فعلية

أعلنت مجموعة شلهوب عن إستراتيجية “شلهوب إمباكت” للمشاركة المستدامة في العام 2009. فقد سخرت العائلة كافة طاقاتها على مر السنين الماضية ليس بهدف تصدر قطاع العمل فحسب، بل بهدف تأسيس أفضل معايير لممارسة المهنة. ومن المتوقع أيضاً أن يتم إطلاق حملة بعنوان “اكتسب المعرفة من خلال المشاركة” التي تُعنى بدعم التعليم والإجراءات المستدامة في قطاع المنتجات الفاخرة. وعن هذه الحملة، تحدث أنتوني قائلاً: “لقد حالفنا الحظ في مرات عديدة، ولعل أقل ما يمكننا فعله هو مساعدة الآخرين على اكتساب الحظ السعيد أيضاً. ورغم أن مجتمعنا يضم أفراداً من بلدان وثقافات مختلفة. إلا أننا حققنا أعلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي في العام، ولا نزال نعاني من ارتفاع نسب البطالة بين صفوف الشباب. وذلك بسبب عدم الانسجام بين عروض التعليم ومتطلبات الأسواق”.

وكجزء من إستراتيجيتها ودورها في المسؤولية الاجتماعية، أسست مجموعة شلهوب “أكاديمية شلهوب للتجزئة” لتقدم من خلالها الفرصة لموظفيها في الحصول على تدريب نوعي وشهادة تعليمية معتمدة. وعن دور هذه الأكاديمية، علق باتريك قائلاً: “تم إنشاء هذه الأكاديمية لأجل الموظفين لدينا. ولعبت دوراً كبيراً في زيادة إخلاص الموظفين وجعلتهم يشعرون بأنهم مالكي حصص في الشركة أيضاً. ولا شك أن موظفينا يستحقون كل ذلك وأكثر”.

يعتبر التدريب بمثابة الأولوية الأولى التي لا ثاني لها، وهذا ما دفع العائلة مؤخراً إلى إصدار وثيقة بعنوان “الرفاهية في الخليج: هل من مستقبل للتنمية المستدامة ؟” وتدعو هذه الوثيقة الرسمية إلى توسيع قطاع المنتجات الفاخرة مع الالتزام بمعايير ممارسة المهنة. وهذا ما شرحه أنتوني قائلاً: “علينا أولاً أن نسلط الضوء على الرؤية الشائعة بأن المنتجات الفاخرة تتناقض مع مبادئ التنمية المستدامة”. وأضاف: “وهذه رؤية خاطئة تماماً، إذ تتمحور المنتجات الفاخرة حول الجودة والحرفية والقيادة متعددة الأجيال، وتعتبر بذلك قطاعاً أكثر استدامةً من العديد من القطاعات الأخرى التي تقوم بإنتاج بضائع بعمر زمني قصير. وبذلك يعتبر قطاع المنتجات الفاخرة من أكثر القطاعات المناصرة للتنمية المستدامة!”

يدرك أفراد عائلة شلهوب المسؤولية الملقاة على عاتقهم. وهذا ما صرح به باتريك قائلاً: “ندرك دورنا الواجب علينا القيام به.” وأردف: “نكرس حياتنا لخدمة 12,000 موظفاً لدينا وعائلتنا وأصدقائنا. ونود أن يشارك الجميع في تحقيق رؤيتنا التي تشجع على التنمية المستدامة من خلال تفهم المسؤوليات البيئية والتعليمية والتقنية. كما نبذل كافة جهودنا لنكون القدوة في مجال تطبيق الإجراءات، كدعم وسائل إعادة التدوير أو الوسائل الفكرية مثل إصدار وثيقة رسمية تطرح أبرز القضايا على الطاولة وعلى رأسها توجهات الصناعة الإقليمية ومسؤولياتنا تجاه المستهلك والبيئة أيضاً”.

The Chalhoub Brothers, Chalhoub Groupمستقبلٌ مشرق وحكمةٌ بالغة

 يعيش كل من أنتوني وباتريك مرحلة النضوج والحكمة، وأصبح من الضروري طرح القضية الأهم بخصوص الخطط الموضوعة للجيل التالي. وهذا ما فسره أنتوني بصفته أباً رائعاً وعماً أيضاً، بقوله: “جل ما نرجوه من الجيل التالي أن يمتلك الشجاعة للقيام بكل ما هو مختلف. وكم أتمنى لو كان بإمكاننا تقديم بعض التوجيهات الأخلاقية لكم، إلا أننا نرغب في منحكم فرصة حق تقرير مصيركم بأنفسكم. وأرجو أن يواصل أفراد العائلة نشر روح ريادة الأعمال، والتي لا تركز فقط على تحقيق الهدف وإثبات قدراتها، بل تُعنى أيضاً بتوفير المزايا لتصل نتائجها إلى الشركات العائلية الأخرى”.

يظهر باتريك المزيد من العملية ويضيف قائلاً: “لدينا نظام حوكمة قوي.” وأردف قائلاً: “نعتمد مؤشرات الجودة وليس الكمية، إيماناً منا بأن استمرارنا في التركيز على الجودة والقيم سوف يقودنا إلى تنمية أعمالنا دون أدنى شك. وأعتقد بأن الأرباح وإجمالي المبيعات ما هي إلا وسيلة للوصول إلى الهدف الأسمى. وهذا هو المعنى الحقيقي للاستدامة. وبذلك يتمكن الجيل التالي من اتخاذ القرارات المناسبة له عند الوصول إلى دفة القيادة في الشركة”.

تدرك عائلة شلهوب أهمية الشركات العائلية بل وتقدر أهمية دعم ومساندة الشركات العائلية كي تتمكن من المضي قدماً دون التخلي عن قيمها. ويؤكد أنتوني ذلك قائلاً: “الحفاظ على وحدة العائلة من خلال الحفاظ على وحدة مبادئها الأخلاقية والعلاقات التي تجمع فيما بين أفرادها إن جاز التعبير.” وأضاف قائلاً: “حتى لو كانت عائلتك على بعد مسافة كبيرة منك، ينبغي عليك الحفاظ على وحدتها!”

وبدوره أضاف باتريك قائلاً: “أوافق أخي الرأي فوحدة العائلة أمرٌ أساسي حتى عند اختلاف وجهات النظر. وعليك هنا التفكير بما هو مهم، وما هو أساسي وألا تجهد نفسك بالأشياء الصغيرة التي ليس لها أثر حقيقي.” وأردف قائلاً: “لا شك أن الجيل التالي سيهتم بمعالجة هذه القضايا الصغيرة، وربما سيتحولون إلى مالكي حصص أكثر من كونهم مجرد مدراء في الشركة. وينبغي علينا عدم حسم مسألة انضمام الجيل التالي إلى صفوف العمل في الشركة”.

وعلى الرغم من اختلاف شخصيتي هذين الأخوين، إلا أن وحدة الرؤية والانسجام الذي يظهرانه عندما يتعلق الأمر بالقيم المشتركة لا يزال وبكل وضوح يقود مسيرة مجموعة شلهوب نحو مستقبل مشرق.

Originally published in Tharawat Magazine, Issue 28, 2015

Tags from the story