موهبة فكرية

موهبة فكرية

موهبة فكرية

لقاء مع تشاندران نير، مركز أبحاث الغد الدولي

يتألق مركز أبحاث الغد الدولي بوصفه مركز أبحاث أسيوي مستقل يسعى إلى دراسة أثار التحولات السياسية والاقتصادية بدءاً من الغرب وحتى آسيا وكيف تسهم هذه التحولات في إعادة تغيير دور الرأسمالية العالمية. وبفضل ثقافته في المجال الهندسي، وعمله في قطاع التطوير في أفريقيا الجنوبية وسنوات خبرته في الاستشارة البيئية في هونج كونج، حصد مؤسس ورئيس المركز، تشاندران نير خبرة فكرية عملية كافية ليدرك تماماً كل ما يحتاج إليه المركز. ولأنه لم يكن راضياً عن المهام التي تؤديها حالياً المؤسسات على الصعيدين الثقافي والتعليمي، أسس نير مركز أبحاث الغد الدولي “جيفت” ليكون مركز فكر يعبّر عن كافة طموحاته. التقت مجلة ثروات برائد الأعمال هذا واستمعت إلى أفكاره النابضة بالحماس وآرائه التطويرية لإيجاد عالم بديل.

موهبة فكرية

هل لك أن تصف لنا كيف انطلقت أولى أعمال مركز أبحاث الغد الدولي؟

في اليوم الذي غادرت فيه عملي كاستشاري، تلقيت العديد من عروض العمل في الغرب. لكنني أردت البقاء في هونج كونج ولم أكن راغباً آنذاك في التخلي عن العديد من الأمور عموماً وهذا ما دفعني إلى تأسيس شركتي الخاصة.

لقد رغبت في المغامرة وقررت تأسيس مركز أبحاث الغد الدولي. وأردت أن أتحدى ثقتي بنفسي والتي كانت تنبع من شغفي الكبير بتحقيق التكامل الفكري وتوفير الخيارات المناسبة. كما رغبت في معالجة القضية التي طالما جالت في خاطري: تبدي القارة الآسيوية الكثير من الخضوع إلى الغرب وهي ظاهرة “طبيعية” لمرحلة ما بعد الاستعمار. ولأنني أؤمن بأن الوقت قد حان لتطوير طريقة تفكيرنا، اتخذت قراري بتأسيس مركز أبحاث الغد الدولي ليكون مركزاً فكرياً آسيوياً مستقلاً.

أؤمن بأنه يجب تكوين مجموعة تمتلك الرغبة ذاتها لدعم معظم مراكز التفكير. إذ لا يمكنك أن تفكر بكل حرية إن لم تكن مدعوماً من قبل مجموعة ما. ولا شك أن الطريقة الوحيدة لتأسيس مركز تفكير مستقل تكمن في عدم قبول أي تمويل. لم تكن لدينا الرغبة في التقيد بالأفكار السياسية للجهة الداعمة وكنا بحاجة إلى نظام دعم بديل. تتقد لدينا رغبة كبيرة للابتكار وحاجة إلى حشد المزيد من الأصوات والمزيد من الأفكار الجديدة. يدرك الكثير من الأفراد حاجتنا إلى اعتماد آلية نزيهة للحوار تتناول المواضيع العالمية وتتبنى العديد من وجهات النظر المختلفة. وأردنا التأكد من قدرتنا على توفير مصدر للعائدات من خلال شغفنا بهذا المجال؛ أي تحويل الفكر إلى مال. وتمثلت الطريقة الأفضل بالنسبة لنا في طرح أفكار جديدة للشركات تساعدهم في الحصول على برامج تدريبية وتنفيذية والتي من شأنها أن تضاهي في معرفتها أبرز جامعات وكليات الأعمال.

لا شك أننا واجهنا الكثير من الصعوبات خلال السنوات الأولى إذ وجب علينا تأسيس سمعة خاصة بنا. ونشتهر اليوم بإنجازاتنا المتنوعة في القارة الآسيوية والبلدان النامية. ويمكنني القول بأننا قد حققنا ما كنا نبغي إليه وتلقينا الدعوات من مختلف دول العالم لتقديم الأعمال التي تميزنا بها.

موهبة فكرية

ألا تشعرون بالتعب إزاء تحدي التوجهات السائدة بشكل مستمر؟

لا تبدو الخيارات صعبة عندما تكون صحيحة. فعندما تثق بقدراتك وتدرك التحديات التي تقف في طريقك حينها ستتمكن من هزيمة الخوف لديك. إنني أحد الأشخاص المحظوظين الذين يدركون نقاط الضعف لديهم.

لقد نشأت في بيئة فقيرة وكبرت ولم أتخيل يوماً بأنني قد أسافر على طائرة فكيف لو كان ذلك على درجة رجال الأعمال. يوجد فقط خمس من الوجبات الفاخرة والمنوعة التي تقدم خلال الأسبوع. وعندما تعيش في رفاهية تغنيك عن القلق لتوفير متطلبات العيش الرئيسية حينها يجب عليك أن تبحث عن شيء مفيد تقوم به. إنها الميزة التي يفتقد إليها تسع وتسعون بالمائة من سكان العالم. ويجب علينا أن نتذكر دائماً بأن هناك العديد من الأفراد الذين يعانون من ظروف أسوء بكثير. وكل ما علينا فعله هو التدرب على ممارسة الحرية المتاحة لنا لاسيّما حرية اختيار العمل. وعندما لا تستمتع بالعمل الذي تقوم به فعليك تغييره على الفور. وعليك ممارسة ثلاثة إلى أربعة أعمال خلال مسارك المهني كي تتمكن من اختبار قدراتك باستمرار.

برأيك هل تلعب الظروف القاسية دوراً في تحويل الفرد إلى رائد أعمال متألق؟

إن رغبة التغيير تتقد لديك عندما تشاهد الظلم والظروف غير العادلة وتشعر باليأس من صمت الأفراد في البلدان النامية والذين يسعون للحصول على حلول من الدول الغربية دون محاولة ابتكار الحلول بأنفسهم. إننا بحاجة إلى تحدي بل وتغيير الأفكار الخاطئة التي كونها العالم عن منطقتنا. ويجب علينا أن نطلق العنان لكلماتنا إذ يحتاج أفراد مثلي إلى التحدث فنحن نمتلك خلفيات ثقافية متنوعة تمكننا من فهم شتى الحضارات. يدرك هؤلاء الأفراد الذين نشؤوا في بيئة متنوعة مثل هذه أن ليس هناك منهجاً “واحداً يناسب الجميع” ويمكن تطبيقه على جميع الحالات. يجب علينا أن نجد الحل لهذه المعضلة وأن نبدأ بخوض التحدي. كما يجب علينا أن نتحلى بمزيد من الثقة حتى نتمكن من ابتكار أفكار وحلول جديدة.

ما كان هدفك من نشر كتاب “المائة الآخرون” (The Other Hundred

لقد جاء كتاب “المائة الآخرون” ليعبر عن رفضي للأفكار التي تربينا على الإيمان بها. ينسى الأفراد التاريخ الماضي وحتى المجريات الحالية وهذا يؤدي إلى توجيه أفكارهم في نطاق محدد.

لقد طرحت الفكرة الرئيسية في كتاب “المائة الآخرون” سؤالاً عن سبب احتفائنا الدائم بأغنى الأثرياء في العالم. فلم يصادف وأن قابلتُ أثناء تجولي في الجوار بأحد هؤلاء الأثرياء الذين يتحدث الجميع عنهم. وكيف يمكن أن لا يشبه أحد منهم أي من الأفراد الذين قابلتهم في حياتي؟ فهل هذه محاولة لتصنيفنا في مرتبة أدنى؟ يبدو أن جميع هؤلاء الأثرياء قد جاؤوا من المريخ! نحظى في مركز أبحاث الغد الدولي بفرصة طرح أسئلة غريبة للغاية: من هم الآخرون؟ وإن كان بإمكاننا العثور على أغنى الشخصيات في العالم فلما لم نقم مطلقاً بإظهار الشخصيات الأخرى المتمثلة في الأفراد الذين لا يتمتعون بالثراء المادي لكن يعيشون حياة حافلة بالإنجازات؟

لقد بذلنا أيضاً ما بوسعنا لإصدار عددين آخرين. ورغبنا في نشر كتاب يسرد الكثير من القصص ويتضمن صوراً عن الصحافة. وقد واجهنا صعوبة كبرى في الحصول على مقالات جيدة إذ تضمنت معظم الصور التي حصلنا عليها عبارات مبتذلة. أرفض نشر صورة لطفل أفريقي يقف الذباب على وجهه وتبدو عليه علامات الجوع واضحة أمام عدسة الكاميرا! فهذه الصورة لا تعبر عن أفريقيا! لقد شكلنا لجنة تحكيم للتصويت على الصور التي يجب وضعها في الكتاب. أردنا أن نصور للعالم وجهة نظر الأفراد تجاه الحضارات المختلفة.

موهبة فكرية

وتناولت النسخة الثانية من الكتاب رواد الأعمال بصورة مماثلة. وأردنا في هذه النسخة أن نخالف الصورة التي تسعى وسائل الإعلام للترويج لها بخصوص نوع واحد فقط من رواد الأعمال. فليس بالضرورة أن يطلق كل فرد منا مشروع “وادي السيليكون” حتى يحظى بلقب رجل أعمال. إذ يسعى معظم رواد الأعمال إلى إيجاد حلول للمشاكل الطارئة على مجتمعاتهم ولن يأبهوا مطلقاً لخدمات البطاقات الافتراضية أو لحصة الدين بالنسبة للأسهم. لاشك أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تلعب الدور الأكبر في تحديد الوضع الاقتصادي لغالبية دول العالم وقد حان الوقت لنفهم طبيعة عمل هذه الشركات. يشمل تعبير ريادة الأعمال مجالاً واسعاً من الأعمال في العالم ومن خلال امتلاك وجهة نظر مختلفة نستطيع ابتكار كل ما هو جديد.

نسعى حالياً إلى نشر سلسلة “المائة الآخرون” مع التركيز على المجالات المختلفة. ربما سنتناول في الأعداد القادمة المعلمون والمنفذون.

ما الذي تود إخبارنا به بخصوص كتبك الخاصة، وهل يمكنك إطلاعنا على القليل من التفاصيل؟

عندما نشرت كتابي الأول، أردت أن أوضح بأنه في حال استمرت القارة الآسيوية بالاعتماد على النظام الغربي الاستهلاكي فإننا سنقود العالم نحو الدمار دون أدنى شك. كما يحاول الكتاب أن يخالف الفكرة القائلة بأن خلاصنا يكمن في التكنولوجيا الحديثة. وأردت أن أتحدى كل من يزعم بأن الأسواق الحرة والتكنولوجيا والديمقراطية والرأسمالية هي الحل المثالي بالنسبة للجميع. فإذا ما نظرنا إلى مجتمعاتنا، نجد أننا بحاجة إلى إدراك معنى الرفاهية الجماعية ويجب علينا التخلص من مبدأ الفردية. أعتقد بأنه يجب علينا رسم مستقبل مختلف لمجتمعاتنا. يحظى الكتاب باهتمام العديد من الأشخاص وربما يعود السبب إلى المواضيع المطروحة والتي تبدو بالنسبة للكثيرين خارجة عن المألوف.

أعمل حالياً على تأليف الكتاب الثاني والذي يهدف إلى توضيح أن الرأسمالية ما هي سوى وجه آخر للتوجه الغربي. ويجب على القارة الآسيوية أن تتخلى عن نظرتها الحالية للتطور العصري والتي أضحت غير صالحة على الإطلاق. نحن بحاجة الآن إلى ابتكار هوية جديدة كلياً لمفهوم التطور العصري. ومن خلال استعراض تاريخ القرون الماضية، آمل أن أتمكن في هذا الكتاب من تأسيس توجه فكري جديد يحلق في هذا الاتجاه.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 27, 2015

Tags from the story