التواصل في الشركات العائلية

التواصل في الشركات العائلية

التواصل في الشركات العائلية

 التفكير قبل الاستجابة

يمكن أن يؤدي الإخفاق في التواصل إلى القضاء على فرص الاستمرار والبقاء في أي شركة عائلية. لا تُدْرَكُ عادةً أهمية التواصل إلاّ عقب نشوب الخلافات. وربما يُصعّد هذا النهج القائم على ردَّة الفعل الخلاف ويُخْرجه عن نطاق السيطرة مما يُهدد فرص العائلة في استعادة الثقة التي تُعتبر أساساً للتواصل الفعّال. عمل إيان مارش محامياً لأكثر من 35 سنة. حيث أسّس في عام 2006 شركته الخاصة تحت اسم “فاميليدر” لمساعدة العائلات، الناشطة في مجال الأعمال خصوصاً، في إجراء المحادثات والنقاشات المهمة بالنسبة لها. وفي إطار تأكيده على أهمية الثقة والتواصل والتسوية لتجنّب نشوب وتفاقم الخلافات، يشرح إيان مارش بشكلٍ لافت طرق شَحْذ عقولنا وقدراتنا باعتبارها أحد الدعائم الأساسية في نجاح الشركات العائلية.

أهمية التواصل في الشركات العائلية

تنجح نسبة ضئيلة فقط من الشركات العائلية في الاستمرار والبقاء إلى ما بعد الجيل الثاني. إذ تُشير التقارير العالمية إلى إخفاق العائلات عموماً في إدراج التواصل ضمن قائمة الأولويات وهنا يكمن السبب وراء إخفاق الشركة العائلية. ربما يُعزى ذلك إلى التركيز بشكل أساسي على تكوين ثروة العائلة، بالنسبة للجيل الأول كحدٍ أدنى. بينما تكمن الأولوية الثانية لديهم (وهذا يظهر جلياً) في تكوين الثروة والحفاظ عليها وحمايتها من التقلبات الاقتصادية والخلافات. في الوقت الذي تبذل فيه العائلات قُصارى جهدها لحماية أنفسها من القوى الخارجية، فإنها كثيراً ما تغفل عن أكبر المخاطر التي تهددها وتكمن بداخلها: قد يقود الإخفاق في الحفاظ على الثقة والتواصل بين أفراد العائلة إلى  هذا النوع من الفشل الذي يؤثر على الأمور المالية ويقوّض أساس العائلة بأكملها. لعلّ إيجاد التوازن بين حماية العائلة من المخاطر الخارجية من ناحية والاهتمام بالتواصل الداخلي من ناحية أخرى يُعتبر من أكثر الممارسات الهامة والمؤثرة على نجاح الشركات العائلية. عند تبنّي التواصل الفعّال كطريقة للتعامل مع الخلاف على أرض الواقع ، قد يتحول هذا الخلاف إلى عاملٍ مؤثر في إحداث التغيير والابتكار.

لمَ ينقطع التواصل

إن كنا ندرك أن السبب الجذري وراء إخفاق الشركات يكمن في غياب التواصل، فلمَ لا نُولي التواصل المزيد من الاهتمام ؟ لقد عانى كل فرد منا من انقطاعٍ في التواصل، لكن غالباً ما نعجز عن تحديد السبب الذي أدى إلى ذلك. اتضح فيما بعد أنه يمكن للعامل الفسيولوجيّ أن يُفسّر جزءاً من السبب: تُقوم أدمغتنا بطبيعتها على فكرة البقاء إلا أن تطورنا الفسيولوجي لم يواكب وفي كثير من الأحيان الوتيرة المتسارعة لتطورنا الاجتماعي بل إنه يسير على نحوٍ أبطأ بكثير. يستشعر الجزء الأقدم من الدماغ الخطر ويستجيب عبر تجهيزنا للقتال أو الهروب أو الوقوف دون حراك في أماكننا. وهذا ما يُعرف بالاستجابة اللا إرادية التي لا تتيح أي وقت للتفكير، وقلّما تؤدي هذه الحالة إلى أفضل النتائج في مجال التواصل. يقوم جزءٌ آخرٌ من الدماغ بتحديد أولوية ما يجب الانتباه له، ويوجّهنا نحو الأشياء التي تجعلنا نشعر بحال أفضل، وكذلك يقودنا بعيداً عن الأشياء التي تجعلنا نشعر بالسوء، وغالباً ما يفضي هذا بنا إلى تجنب المحادثات التي قد تكون مؤلمة (وعادةً ما تكون هي المحادثات الأكثر أهمية).

نحتاج لتحسين عمليات التواصل إلى تحدي أدمغتنا للانتقال من الاستجابة التفاعلية إلى الاستجابة المدروسة المُتزنة.

تشكل الاستفادة من تجاربنا السابقة إحدى الوسائل الناجعة في هذا المجال إذ أننا نمارسها عادةً دون أن ندرك. لكن وللآسف، يقوم الدماغ بمعالجة الذاكرة بطريقةٍ تفرض علينا في أغلب الأحيان خوض تجربة وضع الفرضيات غير المناسبة والتسرّع في الحكم والتحيّز أيضاً. وقد يشكل ذلك تحدياً بالنسبة للعائلات التي تُقيم وتعمل معاً حين يبالغ بعض أفرادها في تقييم معرفتهم لبعضهم البعض بل ربما يفترض أحدهم معرفته لرد فعل الآخرين في حالات معينة. وهكذا عندما يقوم شخصٌ ما بفعلٍ غير متوقع، لا ينسجم مع مصالحنا خصوصاً (من وجهة نظرنا)، يتولد لدينا إحساساً بالغضب ونشعر الخيانة وربما بالخزي لأن العائلة تعرضت للخيانة. في حال استطعنا في مواقفٍ كهذه من التحكم بردود أفعالنا واختيار التفكير قبل الاستجابة لتمكنا من التمييز أن ما يحدث هو حوار ذو جدوى أم أنه مجرد سلسلة من الحوارات الفردية التي يتم في كلٍ منها تكرار وجهة النظر ذاتها.

لحسن الحظ، تتمكن منطقة منتصف اللحاء قبل الأمامي في الدماغ من منع استجاباتنا التفاعلية مما يساعدنا على موازنة عواطفنا وتهدئة مخاوفنا، وتسمح لنا بالاستجابة على نحوٍ مدروس ومتوازن، إلا أن هذا الأمر يسلتزم التدريب والممارسة. وهذا ما يُسمى اصطلاحاً بظاهرة “الوعي اليقظ”. إذ نتمكن من خلال الانتباه للأحاسيس والصور والأفكار والمشاعر التي تمر بنا من تطوير هذا الجزء من الدماغ بطريقةٍ تُجنّبنا خوض هذه التجارب وإبداء ردود الأفعال حيالها وتحفزّنا على التفكير قبل القيام بالاستجابة.

تأسيس دعائم التواصل في الشركات العائلية

لا مفرَّ من الخلاف إلا أن الطريقة الأفضل لتعزيز قوته الإيجابية تكمن في الانتباه باستمرار لكيفية تفاعل أفراد العائلة وعدم انتظار حدوث الأزمة.

يجب على العائلات (إعادة) تعلّم طرق رعاية وسرد قصصها وأساطيرها وأبطالها. إننا ننتمي إلى عشاق السرد القصصي. نتعلم من خلال مشاركة قصصنا من أين كانت نشأتنا وما الذي نمثله وما هي وجهتنا. إن القيام بهذا الأمر على النحو الصحيح، لن يزيد من قوة ارتباطنا ببعضنا البعض فحسب وإنما يمنحنا أيضاً مصدراً غنياً من الاستعارات التي نحتاجها في محادثاتنا الصعبة.

يُعد الفضول أداة رئيسية لتحقيق ذلك بل وللتواصل الفعّال عموماً. لعلّ طرح التساؤل عن سبب اختلاف نمط حياتنا عن حياة أقربائنا من شأنه أن يزيد مستوى التفاهم فيما بيننا. كذلك نحتاج إلى تشجيع القبول غير المشروط للأشخاص من حولنا والذين قد نتشارك نحن وأقرباؤنا بالشفقة عليهم والتعاطف معهم. يُعتبر الإنصات باهتمامٍ وعمقٍ من أهم أدوات عملية التواصل. فعندما يشعر شخص ما بأن هناك من ينصتْ له، فسوف يؤدي هذا إلى تغييره (إذ يقوم بإعادة برمجة الدماغ) وجعله أكثر انفتاحاً للإنصات إلى الآخرين في المقابل.  قد يتراجع مستوى التعاطف في حال عدم ممارسته بسبب تباعد المسافات (وانتشارنا حول العالم) وبسبب وفرة المال (حيث نميل إلى الاستقلال عن الآخرين وبالتالي تقل ثقتنا فيهم كلما زاد ما نملكه).

نحتاج كذلك إلى مواجهة الأمور التي تزعجنا بدلاً من التظاهر بأن كل شيء على ما يرام و”إشعال الصراع في داخلنا”. تختلف الطريقة الأمثل للقيام بذلك من ثقافةٍ لأخرى. قد يعتمد البعض على الحوار المباشر وجهاً لوجه. بينما يلجأ البعض الآخر إلى استخدام الكثير من الاستعارة خلال لقائه، وهنا تبرز أهمية المهارات المُكتسبة في السرد/الإنصات. وقد يعتمد البعض الآخر على شيوخ العائلة أو قادة المجتمع (أو متطوع خارجي) للقيام بدور الوسيط. ليس هناك نهج صحيح وآخر خاطئ بل يتبنى كل طرف ما يناسب حالته.

يمكن الحد من انقطاع التواصل على الصعيد الفردي عندما نتعلم كيف نعبر عن أنفسنا جسدياً ومعنوياً؛ وعندما ندرك أن أفكارنا ومشاعرنا تتغير وتتبدل دون أن تحدد طبيعتنا وأنه لا يوجد وضع يستمر للأبد. يحتاج التواصل السليم إلى قبول الطبيعة المتغيرة التي تتسم بها الحالة النفسية الخاصة بنا وبالآخرين أيضاً. الأمر الذي يتطلب بدوره درجة من الإدراك الذاتي واليقظة. إذ يقلل الإدراك اليقظ لأنفسنا ولمن حولنا من فرص انقطاع التواصل وفقدان الثقة والصراعات المريرة الناجمة. يجب تشجيع ممارسة التواصل في الشركات العائلية كمهارة تتطلب التدريب المستمر.

القضاء على انقطاع التواصل

لا تتنبّه معظم العائلات إلى غياب التواصل إلا عند تشعر بآثاره على العلاقات بين أفراد العائلة، وقد تتفاقم مشكلة انقطاع التواصل بسبب الإدراك المتأخر . تتمكن العائلات من إيجاد حلٍ لمشكلة انقطاع التواصل عبر تبنّي خطوات عدّة:

يقوم أحد أفراد العائلة بدور الوسيط. إذ لا تشعر بعض العائلات بالارتياح حيال مشاركة شخص غريب عنها، وبالتالي يجب على أفراد العائلة معالجة الوضع بأنفسهم. وبالطبع سيحتاج أي شخص يرغب في القيام بدور الوسيط إلى تعلم المهارات المناسبة. لا بدّ أن نعرف متى نخرج من حالة معينة لاستعادة السيطرة على أنفسنا؛ أي “العد حتى عشرة”. تساعدنا اليقظة والانتباه على تجنب اللحظة الحرجة.

وقد نطلب العون من شخصٍ مؤتمن يمكننا الوثوق به  لا يملك أية مآرب في قراراتنا. يُعد التعبير بحرية عن مخاوفنا أمام شخصٍ يجيدُ الإنصات عملية انعاكسية تحدث بشكلٍ فطريّ. اعتاد الرجال على البوح بأسرارهم للحلاقين، بينما تُفضي النساء بأسرارهن إلى العاملات في صالونات التجميل. يصعب في عصرنا هذا العثور على هذه العلاقات القائمة على الثقة والائتمان نظراً لتراجع حس الجماعة في المجتمع المعاصر. لعل هذا هو الوقت المناسب لإحياء مهارات الإنصات لدينا.

قد يتمكن الاستشاريون من مساعدة العائلات خلال الأوقات العصيبة إلا أن معظم المتمرسين يعملون اليوم بصفة خبراء فنيين في مجالات تخصصهم. وجلّ ما يستطيعون فعله هو تقديم شخص خبير  في مجال تسوية الخلافات والتواصل بهدف التعاون معهم وتقديم إجراء يتيح للعائلة التوصل إلى حلول مناسبة لها.

ستبقى مسألة التواصل تحدياً بارزاً أمام العائلات، الناشطة في مجال الأعمال خصوصاً. إلا أن هذه المسألة تتمحور بشكل يفوق التصوّر حول أدمغتنا .إن تعلّم فن الإنصات الهادف والاستجابة بعد التفكير والتنّبه في تعاملاتنا مع الآخرين قد يحول دون انتهاء قصة العائلة قبل أوانها.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 17, 2013

Tags from the story