شركة لمحاربة البطالة

البطالة

في عام 1955، دخل الشيخ عبد اللطيف جميل في شراكة مع شركة تويوتا وكانت هذه البداية لشركته العائلية مجموعة عبد اللطيف جميل في السعودية. وبالتعاون مع أولاده نجح في تحويل الكيان الذي بدأ كشركة صغيرة إلى أكبر موزّع مستقل في العالم لسيارات تويوتا ولكزس مستعيناً بأكثر من 12 ألف موظف في اثني عشرة دولة. ومع ذلك، فعندما تسأل محمد عبد اللطيف جميل رئيس المجموعة عما قد يتذكره عندما تأتي ذكرى والده الراحل الشيخ عبد اللطيف، فسوف يقتبس بدون شك أهم درس تعلمه منه: “إيّاك أن تنس أن الحياة لا تتعلق بك وإنما بما يمكنك فعله للآخرين”. والتزاماً منه بكلمات والده، قام محمد عبد اللطيف جميل بتوجيه طاقته نحو التغلب على واحدة من أصعب المشكلات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط: ألا وهي البطالة. ومن خلال تطوير طريقة مبتكرة للأعمال للتغلب على البطالة، أوجدت مجموعة عبد اللطيف جميل أكثر من 190 ألف فرصة عمل في السعودية فقط. يوضح محمد عبد اللطيف جميل كيف شرعت شركة العائلة في هذه المهمة ويشرح مسمى “شركة محاربة البطالة”.

“أنت ترى أشياءً وتتساءل ‘لماذا؟’ بينما أنا أحلم بأشياء لم يكن لها وجود من قبل وأتساءل ‘ولماذا لا؟‘ “. جورج برنارد شو.

حلت كارثة البطالة بالعالم وأصبحت واحدة من أكبر المخاوف وأكثرها إلحاحاً على أجندتنا الاجتماعية والاقتصادية، يواجه عشرات الملايين في الشرق الأوسط نفس المصير، فهم يرغبون في الحصول على فرصة عمل لكنهم دائماً ما يصطدمون بواقع عدم وجود وظائف شاغرة. ونظراً لأنهم بدون وظائف، فلا يمكنهم توفير الطعام لأسرهم، وبالتالي هم يشاهدون أطفالهم عندما يستيقظون يمزقهم الجوع كل صباح ويذهبون للنوم جائعين أيضاً كل مساء. لا يجب أن يكون الحال هكذا.

لا يجب ترك المسؤولية للحكومات بمفردها مهما كانت حريصة على الأعمال الخيرية. يتوجب على القطاع الخاص البحث عن حلول لهذه المشكلة وتطبيقها. يجب علينا التطلّع إلى القضاء على البطالة كمشكلة تختص بالأعمال تحتاج إلى حل عملي.

نقطة البداية دائمًا تبدأ مع طريقة التفكير، فأنا أعتقد أن كل رئيس تنفيذي يتحمل مسؤوليتين: الأولى هي قيادة شركته على نحو مستدام ومربح وبالتوافق مع كافة المعنيين من أصحاب المصلحة. أما المسؤولية الثانية فهي مساعدة أفراد مجتمعه لمساعدة أنفسهم بأسلوب مستدام. وبالنسبة لي، فأنا أرى أن الطريقة الفعالة للتوفيق بين هاتين المسؤوليتين هي بقبول حقيقة أن المجتمع هو أحد المعنيين المهمين في الشركة. هذه هي طريقة التفكير التي يجب علينا تشجيعها إذا أردنا توفير فرص عمل ودخل وأمل لجيراننا. ومن خلال مجموعة عبد اللطيف جميل أوجدنا وسائل للتعامل مع هذه المشكلات. وأنا أفضّل تسمية ذلك إيلاء الأهمية لـ “العمل لمحاربة البطالة”.

حجم المشكلة

يواجه العالم بصفة عامة والشرق الأوسط بصفة خاصة مشكلة البطالة آخذة في التصاعد حيث تسجّل منطقتنا واحداً من أعلى معدلات البطالة في العالم النامي بنسبة تقترب من 15%. وما يزيد من تفاقم المشكلة هو تسجيلها لواحد من أعلى معدلات الزيادة السكانية في العالم، ففي كل عام، يدخل ستة ملايين شاب عربي سوق العمل للمرة الأولى. إذا لم تكن هناك استدامة في طريقة التعامل مع البطالة، فسوف تعاني منطقة الشرق الأوسط من وجود 50 مليون نسمة بدون عمل في غضون أقل من عشر سنوات. هذا هو حجم المشكلة التي تهدد بالقضاء على أسس مجتمعنا.

إن التخلي عن مسؤولية البطالة هو بالتأكيد أحد الأسباب التي حضت على ثورات الربيع العربي. كانت الحكومات بجميع أنحاء العالم ومازالت تتعامل مع مشكلة البطالة كمجرد مشكلة اجتماعية، وتجدهم ينفقون مليارات الدولارات عليها. ومع ذلك، فعند النظر إلى النتائج، تصبح أوجه القصور لمثل هذه الحلول المركزية واضحة حيث غالباً ما تكون مثل هذه المحاولات مضيعة للوقت والجهد نظراً لأن إنفاق الحكومة يكون بمنأى عن الإجراءات والعمليات التجارية. والأمر هنا لا يختلف عن عملية افتتاح مصنع بدون وضع استراتيجية تسويق من البداية تربط بين ما سيتم انتاجه بالاحتياجات الفعلية للسوق. ولا يتحمل نتيجة هذا الإخفاق دافع الضرائب فحسب وإنما الشخص العاطل عن العمل أيضاً الذي يجد نفسه في نهاية المطاف يعاني من بطالة طويلة الأمد.

الخطوات السبع لتأسيس شركة لمحاربة البطالة

منذ ثماني سنوات، راودتني فكرة أن الوقت قد حان لتجربة طريقة جديدة لمحاربة البطالة، وبدأت بفكرة أنه يجب علينا أن نقلب الطريقة التي ننظر بها إلى هذه المشكلة رأساً على عقب والبدء من عند الفرد. وكما يصفها الكاتب المسرحي آرثر ميللر، أردت “رؤيتها من منظور إنساني”. وبدأت من المقدمة المنطقية التي تفترض أنه ينبغي التعامل مع مسألة التغلب على البطالة كشركة أو مشروع تجاري. وهذا يعني وضع إطار عمل يتم من خلاله تحفيز الشركات على توفير فرص عمل والقضاء على البطالة لأنه يمكنها تحقيق أرباح من وراء ذلك. وما شجعني حقيقةً أن هذه الطريقة نجحت بالفعل في مجال الرعاية الصحية، حيث تمكنت المستشفيات التجارية من البرهنة حتى لأشد المشككين على أن الأساليب التجارية يمكنها تحقيق أهداف اجتماعية.

وفي عام 2003، بدأنا العمل اعتماداً على جهود مسؤولي توظيف فقط، هما أنا ومساعدي التنفيذي. كان هدفنا هو تشجيع وتدريب عشرة سعوديين بدون وظيفة على العمل كسائقي سيارات أجرة. قدمنا لهم قروض حسنة (بدون فوائد وبأنظمة سداد واقعية) وهو ما أتاح لكل منهم الحصول فيما بعد على سيارة أجرة. عندما نجحت هذه التجربة المتواضعة، اشتعل حماس كلا من الشركات التي كانت تعاني من نقص العمالة المدرّبة والأفراد الباحثين عن فرص عمل. وسرعان ما قررنا توسيع نطاق الخدمة وتنميتها إلى شركة متكاملة الأركان، فقمنا بتأسيس “مبادرات عبد اللطيف جميل الاجتماعية” كمؤسسة للمسؤولية الاجتماعية للشركة بحيث تكون مخصّصة لمكافحة البطالة والأنشطة الأخرى للمسؤولية الاجتماعية للشركة. وفي الوقت الحالي يعمل في “مبادرات عبد اللطيف جميل الاجتماعية” 500 أخصائي توظيف في 20 فرع. وبعد فرص العمل العشرة التي قمنا بتوفيرها في سنتنا الأولى، قمنا بتوفير 10 آلاف فرصة عمل ثم 20 ألف، وأخيراً وفي عام 2010 قمنا بتوفير 45 ألف فرصة عمل للشباب من الجنسين في السعودية. وبعد ذلك بعام واحد وصلنا إلى حاجز 50 ألف فرصة عمل. لا يقتصر عمل “مبادرات عبد اللطيف جميل الاجتماعية” على توفير فرص العمل والتدريب في مجالات تمتدّ من الرعاية الصحية إلى صيانة السيارات، وإنما تساعد المؤسسة أيضاً على تضييق الفجوة بين التعليم الجامعي ومتطلبات القطاع الخاص، كما تقدم خيارات للتمويل متناهي الصغر، وتشّجع الشباب على بدء مشروعاتهم الصغيرة، وتساعد ربات البيوت على التحوّل من جهات لتلقي المعونة إلى عناصر منتجة. وحالياً يمكننا القول إننا نعمل على إدارة شركة ناجحة لمحاربة البطالة مدعومة ذاتياً.

وقد استخلصت من تجربتنا سبع خطوات رئيسية ضرورية لتأسيس شركة تعمل لخفض معدلات البطالة في المجتمع:

  1. ابدأ من المستوى المحلي، على سبيل المثال قرية أو بلدة صغيرة أو قطاع من مدينة.
  2. ساعد الأفراد العاطلين عن العمل على استيعاب نوعية الوظائف التي يمكنهم شغلها والتي سوف تتناسب مع احتياجاتهم.
  3. في الوقت ذاته، تعاون مع الشركات المحلية لمعرفة المهارات التي تفتقدها وتحول دون توسعة أنشطتها.
  4. ابدأ بمطابقة الطلب المحلي بالعرض المحلي بما يعود بالنفع على أصحاب العمل والباحثين عن فرص عمل.
  5. إنشاء شبكة أو قاعدة بيانات محليّة (ماديّة وعلى الإنترنت) مليئة بالمتخصصين ذوي المهارات في إدارة مشروعات التعليم والتدريب. ولا يجب أن يكون التدريب المقدّم ذو طابع عام، بل يجب أن يحصل الأفراد على تدريب متخصص يؤهلهم لشغل وظائف معينة متاحة لهم في نهاية العملية. نسمّي نحن هذه العملية “انتهاء التدريب بالتوظيف”.
  6. بعد التدريب يتم توفير التمويل لروّاد الأعمال من خلال القروض الحسنة، على أن تتم استعادة مثل هذه القروض عندما يصبح المرشح غير العامل منتجاً ويتمكن من الالتزام بنظام السداد
  7. تذكر أنه بالرغم من أن هدفها اجتماعي فإن شركة محاربة البطالة هي مشروع خاص. قم بتقييم المدراء حسب النتائج التي تتوقعها ثم قدم الحوافز للأداء المتميز الذي يتخطى هذه التوقعات.

عند إكمال هذه الخطوات وتكرارها ستكون النتيجة شركة محاربة بطالة ذاتية البدء وذاتية الدعم. وترجع استمرارية الشركة إلى أنها تعمل مستوى الأساس، حيث تقوم بمطابقة الاحتياجات الحقيقية للأفراد بالاحتياجات الحقيقية للشركات وتقدم التدريب الذي يتيح التوفيق بينهما. ولا يمكن تنفيذ كل ما سبق إلا مع إدراك أن مثل هذه الشركات تعتمد على توافر العمالة المناسبة بالإضافة إلى توافر التمويل. ولن يمكن تحقيق النمو الاقتصادي إذا ما غاب أحد هذين العنصرين.

السبب وراء الإقدام على هذا

من خلال “مبادرات عبد اللطيف جميل الاجتماعية” قمنا بمساعدة أكثر من 190 ألف شاب وفتاة في العثور على تدريب مناسب وفرص عمل في السعودية فقط. وقد قمنا بافتتاح فرعين لنا في مصر وسوريا حيث نجحت شركات محاربة البطالة الخاصة بنا في معادلة الأرقام السابقة. كما قمنا بالتوسّع إلى تركيا والمغرب وما زالت جهودنا التوسّعية مستمرة. بحلول العام 2016، سيكون هدفنا هو توفير 500 ألف فرصة عمل سنوياً.

نحن نعيش في عالم يعاني من صعوبات ويمر في الوقت نفسه بمرحلة انتقالية. يكمن السبب وراء هذه المعاناة في غياب المنطق والافتقار إلى القيم الأخلاقية وهو ما قد يُعزى إليهما التسبب في التراجع المالي والاقتصادي. أما سبب مرورنا بالمرحلة الانتقالية هو وجود الأسواق الصاعدة التي قضت على عقود من العزلة والتخلي عن ثلاثة مليارات نسمة في اقتصاد السوق الحر. إنه عالم يتعامل مع الضغوط الواقعة على الموارد الطبيعية والمالية بسبب النمو السكاني العالمي وزيادة أعداد المسنين. وفي بعض الأحيان تبدو هذه التحدّيات عسيرة بدرجة يصعب معها تخطّيها.

أنا على يقين شديد بالرغم من ذلك بأن كل منا لديه القدرة على تحدّي الوضع الرّاهن، والقدرة على التحلّي بالنزاهة والأمانة التي تحتم تضمين المسؤولية الاجتماعية في نماذج الأعمال، وإمكانية إدراك الفرصة لإلهام الآخرين ليس للقيام بتغيير صغير محدود فحسب وإنما لإحداث تحوّلات كبرى أيضاً.

اغتنم الفرصة لتحقيق الخير لك ولمجتمعك.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 14, 2012