تعلّم كيفية التنافس في السوق العالمي الجديد

التنافس في السوق العالمي الجديد

شاكر زهرة، جامعة مينيسوتا، الولايات المتحدة
سندس عبد الجواد، كلية إيساد، أإسبانيا
رانيا لبكي، جامعة بوردو 4 وكليات INSEEC لإدارة الأعمال، فرنسا

أوجدت ديناميكية الاقتصاد العالمي فرصاً متعددة للشركات العائلية الشرق أوسطية. في ظل حرصها على خوض مجالات نمو جديدة وتعلّم مهارات جديدة وإيجاد قدرات وإمكانيات جديدة والحفاظ على مشاركة أفرادها، أقدمت الشركات العائلية الشرق أوسطية كغيرها من الشركات الأخرى على لتكوين تحالفات جديدة كما قامت بإنشاء مشروعات مشتركة وزادت من حجم صادراتها. بالرغم من الاستثمارات الضخمة التي قامت بها العديد من هذه الشركات، فقد واجه بعضها صعوبة في الحفاظ على تواجدها على الصعيد العالمي. وهذا بدوره يدفعنا لنسأل: ما الذي يمكن للشركات العائلية القيام به لزيادة احتمالات النجاح في تدويل عملياتها التشغيلية ؟ في هذه المقالة، يجيب عن هذا السؤال المهم كل من الدكتور شاكر زهرة من جامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة وسندس عبد الجواد من كلية إيساِد في أسبانيا والدكتورة رانيا لبكي من جامعة بوردو 4 وكليات INSEEC لإدارة الأعمال في فرنسا.

يمكن للشركات العائلية الشرق أوسطية الاستفادة من أصولها الملموسة (مثل الموارد المالية) وغير الملموسة (مثل الثقافة والقيم وما شابه ذلك) عند قيامها بالتوسع خارج حدود أوطانها. في الشكل رقم 1، نقوم بالتركيز على العديد من الأنشطة التي تزيد من احتمالات التوسّع الدّولي الناجح.

.الأخذ في الاعتبار النتائج الاستراتيجية للتحركات العالمية المختلفة

مع توجّه العديد من الشركات نحو بناء عملياتها التشغيلية الدولية والسعي للتواجد في الأسواق الأجنبية، تتزايد ضغوط على مالكي وقادة الشركات العائلية الشرق أوسطية للقيام بالمثل. ومع ذلك، وكما أوضحنا في الشكل رقم 1، فقد يكون لهذا القرار عواقب وخيمة. يجب أن يكون القرار بتدويل العمليات التشغيلية لهذه الشركات نابعاً من وموجهاً في الأساس برؤية واضحة لها.
البداية بالرؤية. تسعى الشركات العائلية عادة إلى تحقيق الأهداف المادية وغير المادية التي تمثّل أهمية بالنسبة لأفرادها وتبقي على مشاركتهم وإنخراطهم فيها. وغالباً ما ينتج عن هذا وجود ضغوط في أداء مهام هذه الشركات. لا يجب أن يؤدي هذا التوسّع إلى فقدان سيطرة وهيمنة العائلة المالكة للشركة، وبالتالي يخفف من حدة مصدر رئيسي للخلاف داخل الشركة والعائلة المالكة لها. في واقع الأمر، يمكن للنجاح في الأسواق الدولية أن يكون له أبلغ الأثر في تحسين مكانة وسمعة الشركة العائلية في السوق المحلي. وقد أدى هذا إلى انضمام العديد من الشركات العائلية الشرق أوسطية في مجموعة من عمليات الاستحواذ والمشروعات المشتركة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإضافة الى الدول النامية. كما عملت هذه الشركات على التوسع الدولي في صناعات و/أو مناطق أخرى في العالم من خلال علاقاتها واتصالاتها بأفراد وأفرع عائلات مغتربة/وافدة. تتيح بعض هذه التعاملات للشركات العائلية التحوّط من المخاطر التجارية المحتملة في ظل اقتصاد عالمي غير مستقر.
الشكل رقم 1
الاستراتيجيات الناجحة لتوسّع الشركات العائلية الشرق أوسطية دولياً

  • دراسة النتائج الاستراتيجية للتحركات الدولية المختلفة
    • البداية بالرّؤية.
    • استثمار الوقت الكافي في التعلّم
    • نشرومشاركة ما تم تعلمه
  • ربط الأعمال في الأسواق العالمية: التفكير المحفظي
    • بناء وتنمية علاقات تبادلية إيجابية
    • اجتناب حالات الجمود والعلاقات التبادلية السلبية
  • بناء القدرات الريادية والاستفادة منها
    • أهمية الثقافة والهيكل التنظيمي
    • زيادة وتمكين المواهب والقدرات العقلية
    • تفعيل مشاركة الموظفين من خارج العائلة
  • الاستفادة من علاقاتها واتصالاتها لخلق قيمة 
    • إقامة و تفعيل أنواع متعددة من العلاقات والاتصالات
    • الاستثمار في الحفاظ على هذه العلاقات
    • التمتع بالحس الانتقائي في استخدام الاتصالات والعلاقات المختلفة: بعضها يكون أكثر نفعاً من غيرها في مواقف معينة

يتطلب النجاح وضوح الأسباب والعوامل الاستراتيجية التي تدفع الشركات العائلية إلى تدويل عملياتها التشغيلية. ما الذي تطمح لتحقيقه الشركة والعائلة المالكة لها؟ ماذا ستقدم الشركة العائلية للأسواق العالمية؟ ما أثر التدويل على العمليات التشغيلية للشركة وقيمها وهويتها؟ هذه أسئلة بسيطة لكنها مهمة ويجب على الإدارة اخذها فى الإعتبارقبل السعي نحو الفرص الدّولية والتّوسع الخارجي. فبدون الأخذ بعين الاعتبارالتبعات الاستراتيجية لهذه المعاملات الهادفة إلى بناء تواجد على الصعيد الدولي وتطوير قدرات جديدة والحفاظ على الشركة على مر الأجيال، قد تقع الشركة العائلية فريسة للتحركات الدولية التي تقلل من قيمتها وتؤدى الى تشتيتها . يتطلب اكتساب قيمة من الأنشطة الدولية استيعاب التحديات التنظيمية والمالية والتقنية الفريدة التي يجب التعامل معها.
كما أوضحنا في الشكل رقم 1، يتيح وجود مهمة واضحة ومترابطة للشركات العائلية الشرق أوسطية اتخاذ قرارات حكيمة حول الشركاء الدوليين المحتملين. تميل الشركات العائلية إلى التعامل مع شركات عائلية أخرى، خاصة تلك التي لديها أهداف وقيم وآفاق استثمارية مشابهة. إن الوضوح الاستراتيجي حول ما الذي تريد الشركة تحقيقه قد يساعد في تقييم الشركاء المحتملين وقدراتهم و مصداقيتهم كذلك. تتطلب هذه التقييمات تجاوز الأرقام للتوصّل إلى الجوانب غير الملموسة مثل جودة الإدارة وقوة المؤسسة ومحفزات ومهارات رصيدها من المواهب وتوافق قيمها مع تلك الخاصة بالشركة. عند إجراء هذه التحليلات، لا تعبّر الأرقام بمفردها عن الصورة الكاملة.
استثمار الوقت الكافي للتعلّم يستغرق التدويل الكثير من الوقت يحتم تخصيص موارد له. لحسن الحظ، تتبنى العديد من الشركات العائلية توجهاً طويل المدى عند اتخاذ قراراتها حرصاً على الحفاظ على الشركة للأجيال القادمة. ومع ذلك، فإن عامل إدارة “الانتباه” يكون ضرورة استراتيجية عندما يتعلق الأمر بالتدويل. يصاحب التوسّع الدّولي إنشغال الإدارة بالتركيز على النتائج والآراء الواردة من الأسواق والعملاء. مما يؤدى الى إغفال بعض مدراء الشركات العائلية فرصة التعلّم من تجاربهم الدولية. يحتاج المدراء إلى دراسة وتحليل قرارتهم عند إنخراطهم في تجربة التعلّم الإجتماعية (ما الذي يدفع العملاء والمنافسين للتصرف على نحو معين) والتقنيّة (كيفية بناء قدراتهم عند خلق منتاجاتهم وعند وضع النظم). كما يحتاج المدراء كذلك إلى تعلّم كيفية تنظيم عملياتهم التشغيلية وترتيب الأنشطة المتنوعة التي يقومون بها وإقامة الروابط بين هذه الأنشطة. يُعد التعلّم مصدراً رئيسياً للمعلومات الجديدة التي تدعم نمو الشركات العائلية. فتحليل التعاملات والصفقات الناجحة وغير الناجحة قد يكون مصدراً رائعاً للتعلم الذي يُعد أساساً للنجاح.
نشر ومشاركة ما تم تعلمه إن التعلم (أي اكتساب معلومات جديدة) لا يكفي وحده للنجاح في الأسواق الدولية. كما هو موضح في الشكل رقم 1، فيحتاج المُدراء إلى خلق نُظم وعمليات لتسجيل ما تم تعلمه وتوزيعه على جميع أفراد المؤسسة. إن نشر أفضل الممارسات التي تم تعلّمها يُعد ضرورة لللإستفادة من تجربة التدويل. وكذلك تعتبر الدروس المستقاة من حالات النجاح والفشل على درجة من الأهمية أيضاً. كما توفّر “حالات الفشل الذكية” -والمقصود بها تلك الأحداث التي تتعلّم فيها الشركة من عثراتها- كذلك فرصاً مهمة للتعلم و من ثم تسجيل ونشر ما تم تعلّمه. يُعتبر الفشل أمراً عادياً في عملية التدويل خاصة بالنسبة لتلك الشركات العائلية الشرق أوسطية التي لا تمتلك الكثير من الخبرة في الأسواق الدولية. يدرك المدراء احتياجهم إلى استيعاب كيفية تقليل احتمالات الفشل مستقبلاً وكيفية دمج الدروس المستفادة في طريقة التفكير المُتبعة داخل المؤسسة. يحدث التعلّم الذكي عندما يتعلم أفراد من الشركة (أقراد العائلة المالكة للشركة والموظفين) من الأحداث المخيبة للآمال والنجاحات ثم يقومون بتطبيق ما تعلموه عند اتخاذهم للقرارات. في الشركات العائلية، تُرسخ الذاكرة التنظيمية عادة عبر الأجيال المختلفة. وتعتبر هذه خاصية مميزة ويجب على هذه الشركات الاستفادة منها عند التعلُم المؤسسي الخاص بالتدويل.
إن نشر ما تم تعلمه ضرورة لخلق قيمة. ومع ذلك، غالباً ما يتردد المدراء في مشاركة ما تعلّموه مع موظفيهم لاعتقادهم أن ما تعلّموه يمثّل نقطة تميّزهم. ولا ترغب الشركات العائلية بصفة خاصة في مشاركة ما تعلّمته مع موظفين من خارج العائلة المالكة للشركة. ويعمل هذا على إنعزال الموظفين وفي الوقت ذاته حرمان الشركة من مواهبهم وقدراتهم. وفي المُقابل، توفّر مشاركة المعلومات وسيلة مهمّة لتوضيح الأمور وصياغة تفسيرات سببية لما حدث ووضع استراتيجيات لإحداث تغيير فعّال ومؤثر.

ربط وبناء علاقات تبادلية: التفكير المحفظي: تتبع الشركات العائلية في العادة سلسلة من الأنشطة لتأسيس عملياتها التشغيلية الدولية مثلها في ذلك مثل الكثير من الشركات الأخرى، حيث تبدأ هذا الشركات عادة كشركات مصدرة: تمنح تراخيص لمنتجاتها وتقنياتها، تُنشئ قنوات التوزيع، ثم أخيراً تؤسس عملياتها التشغيلية في مواقع في الخارج. كثيراً ما تنضم هذه الشركات إلى تحالفات وتؤسس مشروعات مشتركة تمكّنها من دخول أسواق جديدة و التّزوّد بتقنيات حديثة وتحسين خبراتها. وخلال قيام الشركة بجميع هذه الأنشطة، يسهل أن تقع ضحية انتهاك المنطق البسيط و تعتقد بأن إدارة كلاً منهذه الأنشطة أمر ضروري لا غنى عنه. بينما قد يكون لبعض هذه التعاملات التجارية تأثيراً فارقاً فى فشل أو نجاح الشركة -كما هو موضّح في الشكل رقم 1-، و لكن من الضروري التفكير في ربط هذه التعاملات تنمية العلاقة التبادلية بينها. هذه العلاقة التبادلية هي بمثابة المكافأة التي ستحصدها الشركة من ربط وتنسيق عملياتها التشغيلية الدولية. قد يكون الرابط متمثلاً في صورة توجه استراتيجي متّسق تم اعتماده من الشركة والعائلة (إلى أين نتجه؟)، وكفاءات تشغيلية، بالإضافة إلى إجراءات تكميلية تنتج عنها قيمة مادية وغير مادية (سعادة أفراد العائلة وشعورهم بالرضا).
ومع ذلك، فإن إدارة محفظة الأنشطة الدولية لا يقتصر على المال والتمويل فحسب. بالنسبة للشركات العائلية، غالباً ما يتعلق الأمر بخلق مجموعة جديدة من الفرص، وتطوير القدرات التي يمكن استخدامها في مجالات أعمال مختلفة، وتقديم نماذج أعمال قادرة على تغيير نسيج الصناعة والمنافسة. وهذا يثقل كاهل ملاك مالكي وقادة الشركات العائلية حيث يجب إمتلاك بصيرة فذة لرؤية المستقبل قبل حدوثه، كما يجب أن يتمتعوا بروح ابتكارية لتحويل الموارد إلى قدرات، بالإضافة إلى الذكاء فى توجية القدرات لإدراك فرص بعينها.
من المهم كذلك بالنسبة للشركات العائلية تجنب حالات الجمود والعلاقات التبادلية السلبية التي قد تهدم القيمة كما هو موضح في الشكل رقم 1. وتتضح هذه العلاقات التبادلية السلبية عندما يحدث تعارض بين نشاطين أو أكثر، مما يُضعف من قيمة العمليات التشغيلية الدولية ككل. فعلى سبيل المثال، قد تسعى شركة عائلية إلى زيادة مرونة الوحدات المختلفة من خلال منح كلاً منها استقلالية اتخاذ القرارات المحورية حول الأسواق الخاصة بها. قد تعيق هذه الاستقلالية المفرطة فعالية اتخاذ القرارات وسرعة الاستجابة ، وبالتالي تقلّل من مكاسب الشركة من عملية التدويل. أما “حالات الجمود” فتحدث عادة عندما يعيق تحرّك استراتيجي معين الشركة من السعي لتحقيق خيارات أخرى. فعلى سبيل المثال، قد يكون الحصول على عقد حصري لتوزيع منتجات شركة أجنبية شهيرة ذا جدوى، لكنه قد يحد كذلك من قدرة الشركة على القيام باختيارات أخرى مع تغيّر السوق. من المحتمل أن تواجه بعض الشركات العائلية الشرق أوسطية هذا الموقف نظراً لخبراتها المحدودة وقلة علاقاتها واتصالاتها ووجود عامل محاباة الأقارب وغياب البدائل.
تتطلب إدارة مجموعة العمليات التشغيلية الدولية للشركات العائلية التركيز على العمليات الداخلية والإدارة ونظم الحوكمة المطبقة بالفعل. ومع نمو هذه العمليات التشغيلية، ستكون هناك حاجة إلى هياكل وأنظمة وعمليات جديدة تضمن المزامنة وجمع وتوزيع المعلومات في الوقت المناسب وكذلك اتخاذ القرارات بفعالية وذكاء. وهذا يجعل من الاستثمارات في تقنيات ونظم المعلومات إلى جانب وجود نظم حوكمة فعالة أمراً جديراً بالاهتمام. وعلى نفس الدرجة من الأهمية، تصبح مشاركة مختلف أفراد العائلة المالكة للشركة في مجالات معينة ضرورة لتنمية مواهبهم وضمان استيعابهم لكيفية حدوث عملية التدويل.

 تأسيس قدرات ريادية والاستفادة منها
الشركات العائلية ذات توجّه الريادي القوى تكون في وضعية جيدة لاكتشاف الفرص المربحة والسعي لاغتنامها بوسائل مبتكرة لا يمكن للآخرين تقليدها. لتحويل هذا التوجّه إلى واقع، تبنى هذه الشركات قدرات ريادية تتيح لها استشعار واختيار الفرص في ضوء تميّز وتفرّد مواردها الداخلية وثقافتها وتاريخهاخصائصها الأخرى. ومن خلال تطوير مجموعة من ا القدرات الريادية ، يمكن للشركات العائلية تطوير قواعدها بدلاً من اتباع النمط التي تعتمده شركات أخرى كما هو موضح في الشكل رقم 1.
يتطلب بناء قدرة الريادية والحفاظ عليها بث مبدأ التنوّع والتباين في هذه الشركات. لضمان النجاح، يجب على العائلة المالكة للشركة توخي الحذر في ممارسة سلطتها وبسط سيطرتها. قد يكون هذا تحدياً كبيرا للعديد من الشركات العائلية الشرق أوسطية حيث تتركز السلطة عادة في يد مؤسس الشركة وقلة منتقاة من أفراد العائلة. تحتاج هذه الشركات كذلك إلى تأسيس رصيدها من المواهب والقدرات العقلية من خلال تعيين الموظفين ذوي وجهات النظر والمهارات المختلفة، وتعيين مدراء وموظفين مهرة في جميع أنحاء العالم، ثم تدريبهم بأساليب إبداعية مبتكرة مما يتيح لهم التعبير عن آرائهم بانفتاح، مع تشجيعهم على النظر والبحث فى ما وراء آفاق الشركة المتعارف عليها . ومع تزايد وجود عناصر عاملة لخارج العائلة، تحتاج الشركات العائلية الشرق أوسطية إلى إعادة النظر في نُظم أجورها وهياكلها التنظيمية القائمة بالفعل. كما تحتاج كذلك إلى تمكين هؤلاء الموظفين، وبالتالي منحهم بعض الحريّة فيما يتعلّق بتحديد واقتناص فرص الأعمال المربحة.
تحتاج الشركات العائلية الشرق أوسطية إلى مكونين رئيسيين للاستفادة من المهارات المتنوعة والمختلفة للشركة عند الضلوع في عملية التدويل. المكون الأول هو تنمية القدرة على خلق ثقافة مؤسسية ونظام يدعم ويشجع التعلّم. فكثيراً ما تمضي الشركات المزيد من الوقت وتبذل الكثير من الجهد في تتبع منافسيها وعملائها في محاولة منها للتعلّم. ومع ذلك، لا تكرس هذه الشركات القدر ذاته من الوقت أو الجهد لتشجيع “التعلّم الجماعي” حيث يتشارك الموظفون والمدراء خبراتهم ويستفيدون من القيمة الاستراتيجية لهذه الدروس المستفادة. نادراً ما تكون عملية التعلم تلقائية وعادة ما تتطلب تفكير وتحليل متأني من أجل النجاح في التوسع دولياً. المكون الثاني هو وجود الموظفين في بيئة تتيح لهم المشاركة الحقيقية. يتألق الموظفون من ذوي المهارات والقدرات العقلية عند وضع أفكارهم في مواجهة التحديات والاختبارات الصعبة التي يفرضها السوق. وبالتالي، تحتاج الشركات إلى توفير مساحة لهؤلاء الموظفين (خاصة غير المنتمين إلى العائلة) بحيث يمكنهم التأثير على القرارات التي يتم اتخاذها.
الاستفادة من العلاقات وشبكات الاتصال لخلق قيمة
تحتاج الشركات العائلية الشرق أوسطية إلى الاستفادة من العلاقات التي تقيمها في الأسواق العالمية وذلك للحفاظ على قدرتها الريادية كما هو مبين في الشكل رقم 1. يعتمد نجاح وازدهار الشركات العائلية على إقامة علاقات وطيدة مع المصرفيين والموردين والعملاء والمجتمعات المحلية والجامعات والمؤسسات البحثية والمنظمات الخيرية والشركات الأخرى والهيئات الحكومية التي قد تلعب دوراً حاسمًا في تزويد الشركة بمعلومات مهمة حول التعديلات الوشيكة على السياسات أو الأسواق أو التقينات. تقدم هذه العلاقات إشارات مهمة عن الظروف التنافسية المتغيّرة، كما تساعد أيضاً في تجميع الموارد المطلوبة للقيام بعملية التدويل وتحليل الفرص وتقييم مدى تقدم سير العمل. يكرس مالكو وقادة الشركات العائلية قدراً كبيراً من الوقت والجهد للتواصل، وهو أمر على درجة كبيرة من الأهمية للوصول إلى إقامة هذه العلاقات وتعزيزها. وتُعد زيارة الشركات ومواقع العمل، وحضور اجتماعات الاتحادات التجارية والمؤتمرات المهمة، والتحدث إلى العاملين في المجال محلياً والجامعات البحثية من الوسائل المهمة للتواصل وإقامة علاقات مثمرة. كما يمكن لتقنية المعلومات (مثل المؤتمرات التي تتم عبر الفيديو والهاتف) إبقاء مالكي وقادة الشركات العائلية على إطلاع بما يدور حولهم. غير أن كل ذلك لا يغني عن التواصل الشخصي.
لم يعد التنافس في الأسواق الدولية قائماً بين شركة وأخرى، وإنما بين شبكة وأخرى. ولا يمكن للشركات العائلية الاعتماد على مهاراتها ومواردها فقط، فهي بحاجة إلى الاستفادة من المهارات والعلاقات والموارد الخاصة بشركات أخرى في شبكاتها. وبالتالي، يجب على الشركات العائلية الشرق أوسطية اجتناب “الاقتحام الفردي”، والاستعاضة عنه بالتعاون و الفوز في الأسواق الدولية. علاوة على هذا، يجب على هذه الشركات التحلي بالانتقائية في استخدام علاقاتها، فالعلاقات المختلفة يُستفاد منها باختلاف المواقف والأسباب. ويعدّ تقدير هذه الاختلافات والاستفادة منها ضرورة لا غنى عنها للنجاح. يحتاج قادة الشركات العائلية كذلك إلى استيعاب التحديات والقدرات الفريدة لدى شركائهم.
وأخيراً، يُعد التدويل بالنسبة للعديد من الشركات العائلية الشرق أوسطية، طريقة مهمة -ولكنها محفوفة بالمخاطر- للتعلم والحصول على الموارد وتأسيس القدرات خلق القيمة. وكما أوضحنا في الشكل رقم 1، تزيد هذه الشركات من احتمالات النجاح في الأسواق الديناميكية المعاصرة من خلال: دراسة النتائج الاستراتيجية للتحركات الدولية المختلفة، وربط الأعمال عبر الأسواق العالمية والحصول على علاقات تبادلية من خلال التوجه الفكري نحو تنويع الأنشطة، وتأسيس قدرات الريادية والاستفادة منها، وتوظيف علاقاتها وشبكات اتصالها لخلق قيمة لكل من المالكين والمساهمين. ومن خلال تقدير مهامها وقيمها وثقافتها المتميزة وتوظيفها على نحو مبتكر، سوف تتمكن الشركات العائلية الشرق أوسطية من تأسيس تواجد قوي لها في السوق الدوليّ.

Tags from the story