تعقيد وقيمة الشركات العائلية

تعقيد وقيمة الشركات العائلية

الأستاذ الدكتور/ يوأخيم شفاس

أستاذ الشركات العائلية

المعهد الدولي للتنمية الإدارية  IMD 

سويسرا

تعد الشركات العائلية معقدة بشكل فطري. وفضلاً عن التعامل مع قضايا الشركة، يجب عليهم أيضاً التعامل مع أمور تتعلق بالملكية وبالعائلة. ويمنح هذا التعقيد قوة هائلة للشركات، حيث أن العائلات تتمتع بقيم ونظرة نحو أجيال المستقبل والقدرة على الدعم. وتعد الملكية هنا ملكية مستقلة وطويلة المدى، وتستطيع الشركة بناء نماذج عمل غير تقليدية. ونتيجة لذلك، تستطيع الشركات العائلية التفوق على الشركات المنشأة علانية، وغالباً ما تقوم بذلك.

وبالرغم من ذلك، فالخلافات التي تنشأ من كافة الجوانب قد تجعل من هذا التعقيد ضعفاً متأصلاً: وقد يتحرك كل جانب في اتجاه مختلف يؤدي إلى ارتفاع حدة التوتر بين أفراد العائلة، وقد يتسبب في انهيار الشركة.

 كيف تستطيع الشركات العائلية الحد من نقاط ضعفها الفطرية وزيادة فعالية نقاط قوتها الفطرية؟ ويشير بحثنا إلى أنه يمكن للأعمال العائلية الناجحة القيام بذلك عن طريق التفهم العميق والواضح لتعقدها والإعداد للتعامل المرتقب مع القضايا الخاصة التي تنشأ في المراحل المختلفة.

:المراحل الثلاثة للعمل العائلي

لقد حددنا ثلاثة مراحل يمكن التنبؤ بها قد تمر بها الشركات العائلية، بما في ذلك القضايا التي تتعلق بالعمل والملكية والأسرة بكل مرحلة من هذه المراحل، فضلاً عن ثقافتها الخاصة. وهذه المراحل هي:

  1. مرحلة المشاريع الصغيرة: يمثل صاحب المشروع الجيل المؤسس (بالرغم من أنه يمكن أيضاً نشوء عملية بناء المشاريع في الأجيال التالية). فجانب العمل واضح: يتم التركيز على صاحب المشروع عند إنشاء عمل جديد، والذي يعد القضية الأساسية التي ينبغي تناولها. والثقافة هنا هي ثقافية التغير الجذري: فكل شيء جديد ومختلف وتم إبداعه لأول مرة. فالملكية ليست حقاً قضية. ولا تعد العائلة أيضاً قضية فعلية، تنزع إلى البقاء في الخلفية بينما يخصص صاحب المشروع كل الوقت المتاح لتنمية الأعمال.
  2. الأجيال الأولى والشركات الأصغر: وهذه الأجيال هي أبناء المؤسسين. وبالنسبة للعمل، هناك حاجة إلى التماسك، وبناء النمو السريع لمرحلة المشاريع الصغيرة، وتقدم الأرباح في المقدمة. وتنزع الثقافة هنا إلى أن تكون تنموية، أي البناء على ما وضعه المؤسسين بدلاً من تغيير الشركة بالكامل. وتصبح الملكية أمراً ناشئاً وعاطفياً غالباً، وينزع عدد صغير من أفراد العائلة إلى أن يتمتعوا بملكية متساوية في الشركة، وهذا في حد ذاته يثير علامة استفهام حول ما الذي قد يحدث إذا رغب أحد أفراد العائلة في الانسحاب. ويوضح بحثنا أن هناك تخطيطاً متوقعاً صغيراً جداً لهذا. ومع ذلك، فإن القضية الرئيسية تنبع من جانب العائلة، أي أن الأجيال الحديثة يراودها شعور بمحاولة الهروب من الخضوع إلى الجيل المؤسس، ويرغبون في خلق إحساس جيد بجدارتهم الخاصة.
  3. الأجيال الحديثة والشركات الأكبر: قد يوجد في الأجيال الحديثة المئات من أفراد العائلة، ويمتلك كلاً منهم نصيب موروث في الشركة. وهنا، يواجه العمل أحد أصعب الأسئلة: هل سوف يستمر العمل على النحو السابق في القيام بالأشياء كما حددها المؤسس (العادات المنقولة من جيل لآخر)، أم سوف يتم التكيف مع احتياجات السوق الجديدة (التجديد)؟ وهكذا قد تصبح الثقافة تنموية أو جذرية أو مزيج بين هذا وذاك. وتتقدم حقاً قضية الملكية. وغالباً ما يتساءل أفراد العائلة من ذوي الأقلية في الملكية، الذين لا يعملون في الشركة وليس لهم دور في مجلس الإدارة، عن دورهم في الشركة وما إذا كان عليهم بيع حصتهم واستثمار المال لصالحهم في أي مكان آخر. ومن جانب العائلة هناك حاجة إلى مخاطبة درجة أكبر من التنوع في المصالح والخلفيات والاحتياجات، التي تصاحب عدد أكبر من أفراد العائلة وإضافة دم جديد من خلال المصاهرة.

تسوية حالات التوتر من أجل نجاح طويل المدى:

بزوغ هذه القضايا والثقافات لا يعني أنه “حُكم على” الشركات العائلية بحالات التوتر المحتومة. عوضاً عن ذلك، يُقصد بإمكانية توقع وقت وسبب نشوء هذه القضايا، أنه يمكن التخطيط لها وتدبرها بطريقة منظمة.

والخطوة الأولى هي تحديد المرحلة التي تمر بها الشركة العائلية حالياً، وإلقاء الضوء على القضايا ذات الصلة والخلافات المصاحبة لهذه المرحلة. والأمر الأساسي هنا هو اتخاذ خطوة عقلانية وغير عاطفية تفصل بين الأبعاد الثلاثة وهي الشركة والملكية والعائلة.

وقد تنبع حلول تسوية الخلافات من رؤية معززة عن نمو الثروة والشركة. وعن طريق الاستعمال الحكيم لمزيج من التغير التنموي والجذري، قد تصل الشركة إلى “التوازن الجيلي”، وفيه يمكن تنظيم الاحتياجات المختلفة والمتنوعة لأبعاد العائلة والملكية والشركة.

على سبيل المثال، شركة الملابس الإيطالية زينيا، والتي يحكمها الجيل الرابع، لها نموذج عمل يعتمد على النمو التنموي والذي يضيف فيه كل جيل قيمة جديدة: بدأ الجيل الأول بالغزل، وأضاف الجيل الثاني النسيج، وأضاف الجيل الثلاث الملابس المصنوعة من الأقمشة الصناعية وأضاف الجيل الرابع البيع بالتجزئة. ويتناسب نموذج التكامل العمودي المعزز هذا مع منطق شركتهم المبني على التحكم الإجمالي بالجودة وأيضاً منطق عائلتهم المرتكن على إظهار الاحترام للأجيال السابقة والبناء على ما حققوه. وهكذا، فإن النموذج يعبر عن ثقافة بناء المشاريع العائلية من خلال التغير التنموي ويساندها.

وكمثال آخر، الشركة الألمانية هانيل المؤسسة بشكل خاص، والتي تحتوي على ستمائة فرد بالإضافة إلى الملاك من العائلة من الجيل السادس إلى الجيل التاسع تظهر مزيجاً بين التغير الجذري والتنموي. ويعطي منطق العائلة المعتمد على مبدأ “فنحن أقوى بكثير معاً” حافزاً قوياً لهذه العائلة الكبيرة للبقاء مترابطة معاً. وقد خدمهم هذا جيداً في منطق عملهم وهو الرغبة في التفوق في مجال الأسواق المالية من خلال المخاطرة بتعدد حاملي الأسهم داخل الشركة- والتي أدركوها من خلال التعامل مع محفظة الشركة، وهو هيكل يختلف كثيراً عن أصول الشركة في النقل والتعدين.

وفي كلتا الحالتين، النجاح على المدى الطويل لهذه الشركات العائلية نشأ عن طريق الإيفاء باحتياجات كل جيل للتأكيد مرة أخرى على تعهدهم كمالكين مسئولين والتوقع الوقائي للاحتياجات المستقبلية للعائلة والشركة.

والشخص الذي يتفهم حقاً مدى تعقد وقيمة الشركات العائلية هو وارين بافيت، المدير التنفيذي لشركة بيركشاير هاثاواى، وأغني رجل في العالم. كان بافيت مؤخراً في حرم المعهد الدولي للتنمية الإدارية الواقع في مقاطعة لوزان في سويسرا ليشارك في حدث خاص للاحتفال بمرور 20 عاماً على بحوث الشركات العائلية والتعليم بالمعهد الدولي للتنمية الإدارية.

ولقد لخص تفرد الشركة العائلية بقوله “إن معظم الشركات التي استثمرنا بها كانت شركات تمتلكها عائلات. وهذا لأنهم يتشاركون في اتجاهنا طويل المدى، وإيماننا بالعمل الجاد وعدم الاقتراب من الهراء، وإبداء الاحترام لثقافة الشركات القوية التي تعد استثمارات جذابة لنا. ونقدم التواصل والحرية لهم. ويأتون إلينا لأن لدينا فلسفة مشتركة ونشكل فريقاً جديداً.”

وتتمتع الشركات العائلية بدرجة أعلى من التعقيد أكثر من أي شكل آخر من منظمات العمل. ويؤدي هذا التعقد إلى التحديات والفرص. تحتاج العائلات المالكة إلى تفهم وخطة أفضل لهم.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 3, 2009

Tags from the story