الشركات العائلية في إيطاليا: جهودٌ لا تعرف الكلل غايتها الإبداع والاستمرارية

الشركات العائلية في إيطاليا: جهودٌ لا تعرف الكلل غايتها الإبداع والاستمراريةمقابلة مع موريزيو سيلا رئيس مجموعة مصارف سيلا في إيطاليا

يترأس موريزيو سيلا “مجموعة المصارف الإيطالية سيلا”، الشركة العائلية التي قُدّر لها أن تبصر النور منذ 126 عاماً، وهي  أيضاً جزءٌ لا يتجزأ من إرثٍ عائليٍ عمره 13 جيلاً من رواد الأعمال، إذ بدأت عائلة سيلا ممارسة أعمالها التجارية في القرن السادس عشر، وبرز أفرادها  في مجال صناعة النسيج. وبعد ثلاثة قرونٍ، وظفت عائلة موريزيو سيلا هذه الخبرة واحتلت مكانةً مرموقةً بين صنّاع النسيج الأوائل ممن استخدموا الآلات الصناعية على مستوى العالم. وفي أعقاب التحول الصناعي الذي شهدته إيطاليا بداية القرن التاسع عشر، أدخل بيترو سيلا عام 1817، آلات النسيج البلجيكية إلى المصانع في شمال إيطاليا.

وفي غضون سنواتٍ قليلةٍ، أدخل جيوفاني باتيستا، وهو شقيق بيتر، ذات الابتكارات في مصنعٍ آخر. وأسفرت هذه المبادرات عن رسم ملامح الشركة العائلية لعقودٍ قادمةٍ، وأدت إلى إدخال النول الآلي في السبعينيات من القرن التاسع عشر على امتداد نهر تشيرفو إلى إحدى المنشآت الموجودة في مدينة بيلا والتي عُرفت باسم”مطحنة موريزيو سيلا الصوفية”، وتعتبر هذه المنشأة اليوم المقر الرئيسي للمؤسسة ومركزاً لمعالجة البيانات لمجموعة سيلا كاملةً.

وبفضل السعي الدائم للتطوير، ساهمت عائلة سيلا في ميلاد الشركة الإيطالية “ادروليتريكا موريزيو سيلا” و “الفيلاتورا دي تولجنو (لانا جاتو)” وأسست أيضاً “مصنع خمور سيلا وموسكا” في سردينيا. وفي عام 1886، واعتماداً على الدعم المالي المقدم من عائلة سيلا التي كان يراودها حلم الاستثمار في شركاتٍ جديدةٍ، إضافة إلى قطاع النسيج المتميز، اتخذ جودينزو سيلا وستة من  أشقائه وأبناء عمومته، قراراً بتأسيس “بنك جودينزو سيلا و سي”، وكان القاسم المشترك بين هذه المشاريع، دون أدنى  شك، شغف العائلة بعملها، والتزامها الراسخ بالمسؤولية تجاه المجتمع المحلي من خلال التدريب المميز للأجيال المتعاقبة.

توسعت المؤسسة إلى 335 فرعاً بوجود مديرها العام موريزيو سيلا على رأس الهرم في بنك سيلا، مما عزز سمعتها وجعلها مؤسسةً إيطاليةً ماليةً رائدة تتكون من 22 شركةٍ تعمل على المستوى العالمي وتقدم مجموعة متنوعة من الخدمات المصرفية والمالية المتميزة.

في عام 1997،  تأسست الرابطة الإيطالية للشركات العائلية بإشراف موريزيو سيلا الذي كان ولا يزال مقتنعاً بدعم الدور الفريد الذي تقوم به العائلات الرائدة في مجال الأعمال.

يتولى موريزيو رئاسة الرابطة منذ عام 2007. وخلال هذه المقابلة التي حظيت بها مجلة ثروات معه، يطلعنا موريزيو سيلا على أهم تجاربه و خبراته بالشركات العائلية في إيطاليا.

الشركات العائلية في إيطاليا: جهودٌ لا تعرف الكلل غايتها الإبداع والاستمرارية

ما أكثر ما يلفت النظر في الشركات العائلية؟

 تتجلى أهم هذه الجوانب في الموهبة الطبيعية التي توجه العائلات الرائدة للعمل من أجل ازدهار الشركة، والحصول على أفضل مردود، فالسمعة الجيدة تعزز ثقة العملاء وتُسهل عملية التوسع، وهي بلا شك نقطة انطلاقٍ نحو مزيد من التقدم، ولعلها تفوق من حيث القوة، الرغبة في تحقيق الأرباح.

وإضافةً إلى ذلك، تُذهلني القدرة على بث روح ريادة الأعمال عبر الأجيال المتعاقبة؛ ويعتمد ذلك على إيمان أفراد العائلة بذات القيم، وإدراكهم أن الثقة بالشركة تأتي في المقام الأول. وأعتقد أيضاً بأن ريادة الشركات العائلية هي حالة إبداعية خالصة، فليس هناك وصفةٌ جاهزةٌ للنجاح، وبوسعنا جميعاً أن نتعلم من تجارب الشركات العائلية الأخرى، إلا أنه وعند تطبيق ما تعلمناه، يتعيّن علينا توظيفه بما يتناسب مع الحالة نظراً لأن الشركات العائلية ليست متشابهة.

ما هي الخصائص الرئيسية للشركات العائلية في إيطاليا؟

تشكّل الشركات العائلية في إيطاليا، كما هو الحال في معظم الدول الأوروبية، ما يصل إلى 85 بالمائة من إجمالي عدد الشركات، وتستوعب حوالي 70 بالمائة من العمالة الوطنية. وبخلاف الدول الأخرى، تحظى إيطاليا بنسبةٍ أكبر من حيث أفراد العائلات المشاركين بصورة مباشرة في إدارة الشركة، ويبدو هذا الوضع جلياً في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومن الخصائص الأخرى التي تقتصر على إيطاليا أيضاً، أن الرؤساء التنفيذين أو رؤساء مجلس الإدارة يعمّرون في مناصبهم لفتراتٍ طويلةٍ، فإيطاليا تتمتع بثاني أعلى معدلٍ لطول العمر على مستوى العالم.

تتكبد الشركات العائلية ذات الحجم المتوسط والكبير ديوناً أقل مقارنةً بالأنواع الأخرى من الشركات في إيطاليا، لذا فهي أقل اعتماداً على  رأس المال الأجنبي. وخلال السنوات الخمس الماضية، انخفضت العلاقة بين المديونية ورأس المال المساهم بشكل ملحوظ من 7.1 في عام 2007 إلى 5.6 في عام 2011 (مُحتسبةً على أساس النسبة بين إجمالي الأصول ورأس المال). فالمرصد، الذي أنشأته الرابطة الإيطالية للشركات العائلية، ويوني كريدت، وجامعة بتشوني، يصدر قائمةً بكافة الشركات العائلية التي تتجاوز مبيعاتها 50 مليون يورو، وتُظهر بياناته أن هذه القيمة هي الأقل منذ عام 2001، وأنها على وشك الانخفاض إلى مستويات أقل من تلك المرتبطة بالشركات العادية غير العائلية. ويرجع ذلك إلى أن رأس المال في حالة الشركات العائلية، ينمو بصورة متجانسة أكثر من نمو المبيعات. وأعتقد أن ذلك يُعد دليلاً واضحاً على الدقة والحكمة اللتين تتسم بهما الشركات العائلية، وعلى اهتمامها الفائق بتعزيز قوة رأس المال. وفي واقع الأمر، فإن هذه الشركات تفضل دائماً تحويل جزءٍ من واردات المبيعات لرفد النمو المستقبلي.

الشركات العائلية في إيطاليا: جهودٌ لا تعرف الكلل غايتها الإبداع والاستمرارية

ما هو الدور الذي تلعبه الشركات العائلية في الاقتصاد الإيطالي؟

يكتسب دور الشركات العائلية في الاقتصاد الإيطالي أهميةً خاصةً. وتشير البيانات التي أعلن عنها المرصد، إلى أن الشركات العائلية تمكنت من تجاوز الأزمات بصورةٍ أفضل نظراً لأنها، وفي أغلب الحالات، لم تتردد في استخدام مواردها الخاصة في دعم العمل وتوسيع نطاق رؤيتها لما وراء الأزمة الحادة. ففي خريف 2009، تمكنت الشركات العائلية من التعافي قبل مثيلاتها، وخلال العامين 2010 و 2011، شهدت هذه الشركات نمواً أكثر من أي نوعٍ آخر من الشركات، وتميزت في ذات الفترة، بتحقيق أعلى نسبة أرباحٍ تشغيليةٍ مقارنةً بالشركات الأخرى، باستثناءٍ وحيدٍ يتمثل في الشركات الخاضعة للرقابة العامة. كما ازداد عدد الأشخاص العاملين في الشركات العائلية بشكل ملحوظٍ خلال الفترة من 2006 إلى 2010، وارتفع  مدى تأثيرها على إجمالي عدد الموظفين في الشركات ذات رأس المال المساهم.

ما هي الصناعات التي تتفوق فيها الشركات العائلية  في إيطاليا؟

 تعد إيطاليا ثاني دولة في أوروبا بعد ألمانيا من حيث حجم قطاع التصنيع. وتتميز الشركات العائلية في إيطاليا بالعديد من القطاعات مثل الهندسة الميكانيكية، ومواد البناء، والطعام، إضافة إلى الأزياء والتصميم.

الشركات العائلية في إيطاليا: جهودٌ لا تعرف الكلل غايتها الإبداع والاستمرارية

ما هي التحديات الاقتصادية الكبرى التي تواجه الشركات العائلية في إيطاليا؟

 حتى سنواتٍ خلت، اهتمت الشركات العائلية في إيطاليا بشكلٍ خاصٍ بالعلاقة بين العائلة والشركة، والتي لا ينبغي إهمالها إطلاقاً. وفي يومنا هذا، تحتاج هذه الشركات لأن تُركز أيضاً على الجانب الإداري. وعلى الرغم من أن الإحصاءات تفيد بأن الشركات التي تديرها العائلات تتسم بأداء أفضل من تلك التي يوجهها مديرون من خارج العائلة، فإنه من الواضح جداً أن الشركات العائلية بحاجةٍ أيضاً إلى المهارات التي قد يتحلى بها مديرون آخرون ليسوا من بين أفراد العائلة. لذا، فمن الأهمية بمكان أن نفهم العوامل التي تقود إلى الفشل، لكي نستأصلها نهائياً.

ويكمن التحدي الثاني في ضرورة فهم الشركات العائلية لمؤشرات حدوث كوارث محتملة والتعامل معها فوراً دون التوهم بأن الأمور سوف تصحح نفسها بنفسها، لأن الانتظار لن يتسبب سوى في إهدار الوقت الثمين. ويتعين على هذه الشركات أيضاً التحلي بالشجاعة والتصرف على وجه السرعة حتى لو أدى ذلك إلى اتخاذ قراراتٍ صعبةٍ.

ما هي خطط النمو المستدام للشركات العائلية في إيطاليا؟

هناك هدفان رئيسان للتنمية المستقبلية: زيادة حجم الشركة والتوسع نحو الأسواق العالمية. وتعتبر الشركات العائلية في إيطاليا أصغر من مثيلاتها في الدول الأوروبية الأخرى، مما يضعها في موقع غير مواتٍ من حيث القدرة على الاستثمار في أبحاث الابتكار. وقد لجأت الشركات الصغيرة في السنوات الأخيرة إلى تشكيل مجموعة من الشركات للمساعدة في الوصول إلى الحجم الحيوي المطلوب وتمكينها من مواجهة تحديات السوق. وللحصول على حجمٍ أكبر، فيما لو كان ضرورياً، فإنه يتعيّن على هذه الشركات إفساح المجال أمام المساهمين الجدد من غير أفراد العائلة، مثل الصناديق الاستثمارية أو شركات المساهمة الخاصة.

هناك ارتباطٌ وثيقٌ بين الوصول إلى مستوى العالمية وحجم الشركة. ولتتمكن الشركات من فتح فروعٍ جديدةٍ، وإنشاء تحالفاتٍ، وتصدير منتجاتها إلى دول أخرى في العالم، ينبغي أن يكون لها حجم معين، وهيكل إدارةٍ خارجيٍ مشترك مع العائلة، مما يؤدي إلى تكوين فريق متكامل وناجحٍ، وتنظيم كفوء، وهناك العديد من الشركات العائلية في ايطاليا تمر حالياً بهذه المرحلة من التطوير.

ما هي التطلعات المستقبلية للشركات العائلية في إيطاليا؟

إذا تمكنت هذه الشركات من التحول إلى “شركات ذات أفق”، تُركز على الكفاءة والتوازن واحترام خبرات ومسؤوليات العائلة نحو الشركة، سيكون بمقدورها الكشف عن الإمكانات الحقيقية الكامنة بين رؤيتها طويلة الأمد وجذورها المحلية، مما يؤهلها للقيام بدورٍ هامٍ في عودة الانتعاش الاقتصادي إلى وطننا.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 18, 2013

Tags from the story