العواطف وأثرها على الشركات العائلية

العواطف وأثرها على الشركات العائلية

العواطف وأثرها على الشركات العائلية

حسن الاستفادة من الإيجابيات والتغلب على السلبيات

تتمتع العلاقات المبنية على العواطف، سواء الإيجابية منها أم السلبية، بقوة مؤثرة على كافة جوانب حياتنا، وهي عاملُ رئيسي يدخل في تكوين طبيعة سلوكياتنا وقراراتنا. فبعض السلوكيات التي تقوم على العواطف يمكن أن يشوبها بعض الخلل، لا سيما إذا استندت إلى عواطف قوامها افتراضات زائفة حول شخصٍ ما. فقد يفترض موظف ما، على سبيل المثال، أن أحد زملائه يشعر بالغيرة من نجاحه ويسعى إلى إعاقة تقدمه وإفشاله، وفي هذه الحال لن يكون ذلك الموظف فرداً متعاوناً وقد يلجأ إلى إفساد عمل زملائه. وحقيقة الأمر أن ذلك الموظف سوف يحظى بنجاحٍ أكبر لو أنه افترض منذ البداية أن زميله يتمتع بذكاء عاطفي يسخره في تسهيل العمل وتحقيق النجاح لكلا الطرفين. وفي كلتا الحالتين، وطالما أن العواطف تبقى دفينة لا يُفصَح عنها، ولم يتم التثبت من صحة الافتراضات ستبقى النتائج دون المستوى المطلوب.

مقالة بقلم البروفيسور وليام سكوت-جاكسون، وروبرت موغيلنيكي، ولورين تشارلز، ورشيدة حديش، استناداً إلى أحدث بحث تبنته أكسفورد للاستشارات الاستراتيجية (OSC) حول “القيادة والحوكمة في الشركات العائلية الخليجية”.

العواطف وأثرها على الشركات العائلية

تأثير العواطف على الشركات العائلية

إن العواطف السائدة بين أفراد الشركات العائلية هي ذاتها التي تجمع بين أفراد العائلة المالكة (كأن يتملك الأب مشاعر وعواطف متضاربة تجاه أولاده كالحب والاعتزاز في مقابل التقليل من قدراتهم)، وتلك التي تجمع بين الموظفين في الشركات غير العائلية (كالمشاكل الداخلية لتولي المناصب والغيرة وغيرها). ويمكننا أن نفترض أن الأقارب كالآباء والأبناء يعملون على توطيد العلاقات فيما بينهم وإظهار المزيد من العواطف والمشاعر كونهم يبدون اهتماماً عميقاً تجاه مشاعرهم وحول الكيفية التي ينظر كل منهما للآخر. ويمكن لهذه الروابط العاطفية أن تعود بالنفع والفائدة على الشركات العائلية لأنها قد تؤدي إلى ترسيخ الولاء والتفاهم المتبادل والثقة، ولكنها قد تؤدي أيضاً إلى سوء الفهم ويكون لها آثار سلبية.

ويرجح أن تميل العائلات، بعكس الشرائح الاجتماعية الأخرى، إلى إظهار القليل من المشاعر وتجنب الفرضيات السلبية تجاه أفرادها، وهذا يظهر بشكلٍ جليّ وواضح لا سيما في المجتمعات ذات النزعة الجماعية والتي تسعى للحفاظ على علاقات جيدة بين أفرادها لتجنب النزاعات وقمع أي مشاعر سلبية تجاه الآخرين، وفي حين أن هذا الأمر مفيد في نواحٍ كثيرة، لكنه لا يعني بالضرورة صعوبة معالجة الأسباب الكامنة وراء المشاعر السلبية لأنها تبقى دفينة لا يتم التعبير عنها وبالتالي عدم التعرف عليها. كذلك تشكل وحدة العائلة والولاء لها عنصراً أساسياً في أداء وعمل المجتمعات ذات النزعة الجماعية، وقد انتقل هذا القدر الكبير من الولاء تجاه أفراد العائلة الواحدة في المجتمعات ذات النزعة الجماعية إلى الشركات العائلية، وإن اختلفت هذه الطرق. فعلى سبيل المثال، قد يكون هناك عدد أقل من الخلافات العائلية لوجود احترام لآراء أفراد العائلة الكبار أو لوجود ثقة في نوايا الأعضاء الأصغر سناً. وقد تكون قضية إشراك الأبناء في الشركات العائلية في هذه المجتمعات أقل إشكالية، ذلك لأن شعور الولاء تجاه أفراد العائلة الواحدة يعني وجود رغبة حقيقية باستمرار العمل من كلا الجانبين، الآباء أو الأبناء على حدٍ سواء.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا نشعر بالقلق تجاه العواطف السائدة في عالم الأعمال القاسي والمنطقي؟ فقد جرت العادة، حتى وقتٍ قريب، بتبني نظم الإدارة والنظرية الاقتصادية واعتماد أفضل التجارب والحلول (ولا سيما في كلٍ من الولايات المتحدة والغرب) ضمن وجهة نظر حول المال والأعمال تتسم بالعقلانية البحتة بعيداً عن أي عواطف أو مشاعر. لكن هذا التصور يتغير بسرعة مع ظهور فهمٍ جديد للدور الرئيسي، الإيجابي أو السلبي، الذي يمكن أن تلعبه العواطف في كل جانب من جوانب الحياة، الشخصية والاجتماعية وحتى التجارية. وقد تمكنّا من خلال إجراء بحوث مختلفة من تحديد بعض العواطف الايجابية والسلبية التي تظهر عادةً في الشركات العائلية، لا سيما في مراحل النمو الرئيسية، وتكون في معظم الأحيان استجابةً لجهات رئيسية أخرى. ويخلص هذا البحث إلى أن العواطف تلعب دوراً بارزاً في الشركات العائلية القائمة بشكلٍ خاص.

شبكة العواطف  

يمكن تصنيف هذه العواطف الشائعة وفقاً للموضوع أو بالأحرى للشخص الذي يمتلك هذه العواطف، والشيء أو الشخص الذي يمثل محور هذه العواطف. وقد قمنا من خلال شبكة العواطف المبينة أدناه في الشكل 1 بتحديد اللاعبين الرئيسيين على النحو التالي:

  • الرئيس/الآباء: الجيل الأكبر سناً الذي يرتبط اسمه بشكلٍ كبير بالشركة العائلية وكأحد مؤسسيها، يتفهم الأهداف التقليدية وأساليب القيادة والهوية الخاصة بالشركة ويسعى للحفاظ عليها، ويعتريه شعور قوي تجاه هوية العائلة وضرورة تماسكها.
  • الأجيال/الأبناء: جيل الشباب الذي يتأثر بشكلٍ كبير بالتحولات العالمية في مجال التكنولوجيا الاجتماعية والطموحات المهنية الجديدة وإتباع نهج يتسم بالاستطلاع والتقصي حول مختلف الأعراف والمعايير وبيئة العمل المتطورة.
  • المدراء من خارج العائلة: أعضاء فريق الإدارة الذين لا ينتمون إلى العائلة، وهم عادةً لا يشكلون جزءاً من الدائرة الداخلية غير الرسمية لأفراد العائلة.
  • العمل: في معظم الحالات يصبح العمل محوراً لمختلف المشاعر، وبالنتيجة لا يمكن استبعاده خارج هذا الإطار. وبطبيعة الحال، لا يمكن للعمل إلا أن يكون الغاية وليس الموضوع في هذه الحالة.

يوضح الشكل 1 أدناه شبكة العلاقات المبنية على العاطفة داخل الشركات العائلية وتشمل بعضاً من أكثر العواطف شيوعاً والتي يتم التعبير عنها والتي لاحظناها خلال بحثنا.

Z-familyemotions

وكما ذكرنا آنفاً فإن الاتجاه العام السائد في معظم الشركات العائلية التي قمنا مؤخراً بإجراء بحوث عنها هو عدم التعبير عن المشاعر السلبية أو مناقشتها، وهو أمرٌ قد يؤدي إلى تأجيل مناقشة نزاع مفتوح، ولكنه أيضاً قد يحول دون العمل على حل القضايا الأساسية. لذلك نوصي بحسن الاستفادة من الإيجابيات والتغلب على السلبيات. ومن أجل التغلب على السلبيات وإيجاد حلولٍ لها، من الأهمية بمكان أن نتفهم طبيعة هذه السلبيات، ولكنه من غير المجدي أن يقوم كافة أفراد العائلة بمناقشة هذه القضايا علناً وبشكلٍ مفتوح مع بعضهم البعض. والحل الأفضل في حال كهذه هو إجراء مسح أو مقابلة على نحوٍ مستقل بهدف التوصل إلى حلول لكافة المسائل والمعضلات. وقد أظهرت المقابلات البحثية التي أجريناها مستوى عالٍ من الصدق والانفتاح في مناقشة مختلف القضايا مع طرف ثالثٍ مستقل وموثوق به.

أمثلة عن المشاعر السلبية والإيجابية

عندما يتم تحديد المشاعر السائدة داخل الشركات العائلية، يبرز السؤال حول كيفية معالجة المشاعر ذات الأثر السلبي وإيجاد حلولٍ لها، وما هي الطرق التي يمكن من خلالها الاستفادة من المشاعر ذات الأثر الايجابي وتوظيفها لصالح استمرار وتطوير العمل.

إيجاد حلول لبعض الحالات التي تسودها مشاعر سلبية

العاطفة: شعور الرئيس/الوالد بالقلق إزاء الأفكار الجديدة للأبناء وغياب أخلاقيات العمل وضعف الخبرة لديهم.

الحلول:

  1. تعليم الأبناء وتدريبهم عملياً على طرق تقديم دراسة الجدوى والمقدمة في العمل والحياة ومختلف الالتزامات، وكذلك تطوير مهاراتهم في إدارة التغيير واتخاذ القرارات الإستراتيجية.
  2. إجراء اختبار كإحداث تغييرات طفيفة والطلب من الرئيس/الوالد والأبناء تحليل نتائج الاختبار ومشاعرهم تجاهه والنتائج وما إلى ذلك.
  3. تحديد دور معين للأبناء في مجال الابتكار والمشاريع الخاصة والمنتجات الجديدة.

العاطفة: شعور أحد الأبناء بالقلق إزاء إمكانية استيلاء مدير من خارج العائلة على منصبه.

الحلول:

  1. التأكد من تحديد أدوار المدير الذي لا ينتمي للعائلة وليس من الأبناء، والعمل على إقامة مشروع مشترك بهدف توطيد العلاقة بينهما.
  2. تشديد رئيس الشركة على أهمية ودور الأبناء و/أو تفسير الحاجة لوجود المدراء من خارج العائلة وأهميتهم في نجاح الأبناء والعمل.
  3. ضمان استمرار تقييم كافة المدراء من خارج العائلة للتأكد من امتلاكهم لمستوى عالٍ من الذكاء العاطفي ومختلف القدرات والمهارات الأخرى.

الاستفادة من حالات تسودها مشاعر إيجابية

العاطفة: اعتزاز الأبناء بالعائلة وإنجازاتها.

كيفية الاستفادة منها:

  1. تكليف الأبناء بمهمة إجراء الاتصالات أو العلاقات العامة مع الأطراف الخارجية.
  2. السماح للأبناء بلعب دورٍ أكبر في مجال التسويق.

 

العاطفة: يأمل المدير من خارج العائلة بأن يحصل على دعم الأبناء للتغييرات الحاصلة. 

كيفية الاستفادة منها:

  1. بناء علاقة توجيهية إرشادية بين المدير والأبناء.
  2. مشاركة المدير لخبراته ومعارفه مع الأبناء وتقديم الدعم لهم في مجال إدارة أفضل الممارسات، وعلى الأبناء تقديم الدعم والإرشاد للمدير حول المسائل العائلية والثقافة المحلية، وبمعنى آخر يتم تشكيل فريق صغير يضم المدير والأبناء.

العاطفة: اعتزاز الرئيس/الأب بقدرات وإمكانات الأبناء الجديدة

  1. استحداث مهام للتعامل مع وسائل الإعلام الجديدة والاستغلال الأمثل للتكنولوجيا أو في مجال القدرات والإمكانات الجديدة للأبناء.
  2. منح الأبناء سلطات جديدة في إدارة ميزانيات العمل.

في الختام

يوضح البحث الذي قمنا بإجرائه أنه يمكن للشركات العائلية أن تمتلك مزايا تنافسية هائلة، تكمن في بناء علاقات وثيقة وجسور من الثقة والتفاهم المتبادل بين أفراد العائلة الواحدة، وإقحام العواطف والمشاعر داخل الشركات العائلية يمكن أن يكون بمثابة ميزة إستراتيجية، ولا سيما داخل المجتمعات ذات النزعة الجماعية نظراً للأهمية الثقافية للهياكل العائلية. وفي حين أنه من المسلم به أن يؤدي إقحام العواطف والمشاعر إلى نتائج سلبية عكسية، إلا أنه يمكن التقليل من حدّة هذه النتائج السلبية باعتماد طرق وعمليات منهجية منظمة. ولمواكبة النمو المتزايد في مؤسسة ما، ينبغي على تلك المؤسسة توسيع عملية الإدارة والحوكمة وتوظيف المدراء من خارج أعضاء العائلة بهدف تلبية متطلبات ومعايير النمو والتطور. مع مراعاة عدم الإضرار بمواطن القوة الفريدة للشركات العائلية أو تجاهلها، ويكون ذلك عبر تفهم شبكة العلاقات والعواطف الهامة وإدارتها على نحو فعّال يصب في صالح الشركة ويطور أعمالها.

 

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 25, 2015

Tags from the story