العلاقة بين ريادة الأعمال والشركات العائلية – هل هي علاقة اقصاء أم شمول؟

العلاقة

العلاقة بين ريادة الأعمال والشركات العائلية

أصبحت كلمة Entrepreneur (رائد الأعمال ) التي ظهرت في فرنسا بالقرن التاسع عشر مصطلحًا محيرًا في عالم ما بعد الأزمة الاقتصادية. تحول الكثيرون إلى نهج أسلوب ذي طابع استثماري أكبر بعد أن تكونت لديهم رؤية للطرق الجديدة لأداء الأعمال والتي نشأت جراء التعرض لهزة زلزلزت كيانهم. والشركات العائلية ليست استثناءً ودائمًا ما تسعى نحو التجديد والرؤى العصرية. في هذه المقالة سوف نستعرض الصلة والعلاقات بين ريادة الأعمال و ريادة الأعمال  المؤسسية في بيئة الشركات العائلية.

“أنا رائد أعمال” عبارة يرددها على مسامعنا خبير تكنولوجيا المعلومات الذي أسس شركته في جراج صغير، وكذلك التاجر الذي يستورد بضائع من أماكن لا يمكن لأحد آخر الوصول إليها، وكذلك الأخ والأخت القائمين بإدارة سلسلة صغيرة من المطاعم. لكن ماذا عن قائد شركة عائلية من الجيل الرابع؟ هل يُعد رائد أعمال كذلك؟ مبدئيًا، وفي الظروف العادية، سيكون من المرجح أن نخيب ظن هذا الفرد المنتمي لشركة عائلية حيث أن كلمة “رائد أعمال ” مرتبطة في الأساس بالتجديد الذي توجهه رؤية وديناميكيات التأسيس واتخاذ المخاطر، والتي هي أبعد ما تكون عن سمات الشركات العائلية. ومع ذلك، فالتمييز بينهما قد لا يكون بهذه السهولة، فكل من رواد الأعمال والشركات العائلية يُنظر إليهما ككيانات مهمة في مرحلة التعافي العالمية لما بعد الأزمة، وبالتالي فالعلاقة بينهما جديرة بالدراسة والملاحظة. لم ينشغل بوصف مدى تعقيد العلاقة بين رائد الأعمال والعائلة وأجيالها القادمة سوى قلة من باحثي الأعمال. نحن بحاجة إلى استكشاف مجموعة متنوعة من الجوانب من أجل البدء في استيعاب هذه الروابط المهمة وإعداد حوار يعود بمنافع متبادلة.

ريادة الأعمال هي

لاستيعاب جذور كلمة entrepreneur (رائد الأعمال) سنحتاج إلى السفر عبر الزمن والمكان للانتقال إلى فرنسا في القرن التاسع عشر. الكلمة الفرنسية entreprendre تعني تمييز رائد الأعمال عن رجل الأعمال بواسطة ربطه مباشرة بإنجاز المشروعات من خلال الجهود الفردية والتنظيم. وهذا ما يوضح السمة الديناميكية والذاتية التي تنطوي عليها الكلمة.

وفي الوقت الحالي، ينظر المجتمع إلى رواد الأعمال كأفراد أو مجموعة أفراد يستثمرون لتطوير شركاتهم من خلال جمع واستخدام الموارد مثل الابتكار والتمويل والمهارات. حدد خبراء الأعمال مدى استعداد رائد الأعمال لاتخاذ المخاطر في سبيل إنجاز رؤيته للشركة والسعى نحو الفرص كواحدة من أكثر السمات وضوحًا. في العادة، يكون رواد الأعمال شخصيات مبدعة وتنافسية وديناميكية تتمتع برؤية للنجاح.

ريادة الأعمال المؤسسية

وعلى هذا، هل بتأسيس رائد الأعمال لشركته بنجاح وتطوير الهياكل والنظم المؤسسية سيعني هذا نهاية ريادة الأعمال؟ هل توجد مرحلة ريادة أعمال تفسح المجال لشيء جديد؟ بدون شك ديناميكية بدء النشاط لكل شركة في مرحلة ما تمر بهياكل أكثر تنظيمًا والتزامًا بالقواعد. ومع ذلك، لا يوجد شخص قد ينكر حقيقة أن كل الشركات بحاجة إلى أن تظل متجددة لضمان بقاءها ونموها. على قدر ما قد تكون الشركة كبيرة، فسوف تظل دائمًا مضطرة إلى التطور لتلبية الاحتياجات المتزايدة أو الجديدة لعملائها، أو لتكون أكثر فعالية وكفاءة، أو لاستكشاف فرص أعمال جديدة.

منذ حقبة السبعينيات في القرن الماضي، حدد الباحثون السلوك المؤسسي الذي كان يواجه هذه الجوانب على إنه “ريادة الأعمال المؤسسية”. يمكن تعريف ريادة الأعمال المؤسسية على إنه الجهد الذي تبذله المؤسسات للحصول على أعمال جديدة من خلال هياكلها وأنظمتها الموجودة. قد يؤدي هذا إلى تطوير مشروعات جديدة، وتجديد منتجات أو خدمات أو عمليات موجودة، ومراجعة الاستراتيجيات والمكانة التنافسية.

تمثل ريادة الأعمال المؤسسية  تحديًا لكل المؤسسات، حيث قد تتغير الأدوار التقليدية بالشركة وربما لا تعمل آليات التحكم بالشركة على النحو المطلوب بالنسبة للمجالات التي تتعرض للتغيير. علاوة على ذلك، تنطوي ريادة الأعمال دائمًا على خطر الإخفاق، وهو ما ستحتاج الإدارة العليا إلى موازنته مع المكاسب المتوقعة من وراء هذه الاستثمارات. وهناك تحدي آخر يتمثل في الصعوبة التي يواجهها المدراء في خلق فرص أعمال جديدة بينما يظلوا في الوقت ذاته مسئولين عن الالتزام بالأنظمة والقواعد اليومية لأداء الأعمال.

بغض النظر عن كثرة التحديات التي قد تواجهها الشركة، فإن ريادة الأعمال المؤسسية هي جزء من كل نظام مؤسسي حتى وإن كان لا يتم الاعتراف بهذا في بعض الأحيان.

وجد الباحثون نمطين رئيسيين من ريادة الأعمال المؤسسية: أحدهما من خلال ريادة الأعمال  الاستراتيجية والتي تعني تجديد الاستراتيجيات الموجودة بالشركة من خلال ابتكارات الموظفين، والآخر من خلال المشاركة في مشروعات مؤسسية والذي قد يكون بشراء شركة في مستهل نشاطها أو المشاركة في مشروعات مع جهات أخرى.

ريادة الأعمال  والشركات العائلية

فأين هو إذاً الارتباط الفعلي بين الشركة العائلية و ريادة الأعمال ؟ في الشركات التي لا تديرها عائلات تكون العلاقة مع ريادة الأعمال  مباشرة ومرتكزة على ريادة الأعمال المؤسسية. تعتبر ريادة الأعمال المؤسسية هي  أول وأبسط وسيلة للشركات غير العائلية للتفاعل مع عالم ريادة الأعمال .

إلا أن العلاقة بين ريادة الأعمال  والشركات العائلية أكثر تعقيدًا نظرًا لخصوصية النظام الذي تتبعه الشركات التي تمتلكها وتديرها عائلات.

الرابط الأول شديد الوضوح: فجميع الشركات العائلية تقوم على رؤية فرد يتمكن من استغلال فرصة أعمال، والذي يقضي سنوات وسنوات في إقامة الشركة. وفي كثير من الأحيان ما تظهر شركة عائلية بصورة طبيعية بدون تخطيط فعلي لبدايتها: انطلاقًا من الحاجة المجردة وبسبب ندرة الموارد، يستفيد رائد الأعمال من أي مورد يتوافر لديه، وأحد هذه الموارد هي العائلة. إضافة إلى ذلك، فقد يجد رائد الأعمال هذا سهولة في توصيل رؤيته وتوضيحها بداخل العائلة من خلال التنشئة والقيم المشتركة.

الرابط الثاني بين الشركة العائلية ورائد الأعمال، وكما يتضح أعلاه، هو ريادة الأعمال المؤسسية في الشركة الموجودة. مثلما هو الحال في المؤسسات غير العائلية، يمكن للشركات العائلية التعاون مع فريق الإدارة الموجود للتجديد من داخل الشركة. وهذا يعني ضرورة أن يكون جميع ملاك الشركة سواء كانوا من الجيل الأول أو الثاني أو الخامس عشر رواد أعمال ومبتكرين لأفكار جديدة للحفاظ على الشركة في المقدمة، بينما في الوقت ذاته يظلون  ملتزمين بنظم وقواعد الشركة.

الرابط الثالث عنصر تتميز به الشركات العائلية: في الشركات العائلية، هناك قاعدة فريدة من المهارات المتصلة بالشركة عبر الروابط العائلية، وهو ما قد يكون فرصة لكل من الفرد وريادة الأعمال المؤسسية. يعتاد الأطفال الذين تتم تنشئتهم بشركات عائلية على مشاهدة السلوك المرتبط بريادة الأعمال  منذ نعومة أظفارهم وكثيرًا ما يتكون لديهم شعور قوي بالأعمال والشركة. فمشاهدة الآباء والعمات والأعمام والأخوة والأخوات مشاركين في أنشطة الشركة يعلم الجيل القادم الكثير من أسرار المهنة وقد يحفز اهتمامهم لابتكار أفكار أعمال جديدة اعتمادًا على أنفسهم. لا يقتصر تأثير الشركة على الأفراد المشاركين بصفة مباشرة في أداء الأعمال اليومية، ولكنه يمتد كذلك ليشمل حياة كل الأطراف المعنية بالعائلة. تفتقر الشركات غير العائلية لهذه الفرصة، حيث قد يكون لدى أي فرد بالعائلة مهارة خاصة في توجيه التجديد وريادة الأعمال . وقد يختاروا الآن استخدام هذه المهارة لإقامة شركات خاصة بهم. يجب على الشركة العائلية الاستفادة من هذه الطاقة الإبداعية بدلاً من مراقبتها عن بُعد. كلنا ندرك أن الوسط المحيط برائد الأعمال  في غاية الديناميكية وقد يعمل كحافز لأي شخص يتفاعل معه. وبالتالي فالشركات العائلية التي تسعى للتجديد ستتاح لها فرصة التفاعل مع روح ريادة الأعمال والاستفادة من رؤى حديثة بدون الاستثمار خارج العائلة.

وماذا بعد

توضح لنا هذه اللمحة السريعة عن العلاقة بين الشركات العائلية وريادة الأعمال وجود رابط ديناميكي بين الاثنين وتترك لنا الكثير لاستكشافه ودراسته. وأهم ما يجب معرفته هو أن ريادة الأعمال موجودة في جوهر كل شركة عائلية وأن روح ريادة الأعمال يجب تمريرها من جيل إلى آخر. وهذه الروح مدعومة بالاستدامة والاستقرار الذي توفره العائلة هو ما سيواصل توجيه الشركات العائلية لتظل رائدة في مجالات عملها.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 8, 2010

Tags from the story