إقامة حضور تجاري في أمريكا اللاتينية

اللاتينية

تتمتع قارة أمريكا اللاتينية بتنوع كبير على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي. ينطوي دخول سوق جديد ضخم مثل هذا على العديد من الفرص وفي الوقت ذاته العديد من التحديات. يقدم إدوارد نيكلسون، الشريك و المدير في ميركاتور بارتنرشب ليمتد والاستشاري في مجموعة ميتلاند، بعض الأفكار والرؤى للشركات التي تسعى إلى تأسيس حضور لها في أمريكا اللاتينية للمرة الأولى ويتناول مرحلتين مميزتين في هذه العملية: التخطيط والتنفيذ.

 تتوفّر ثروة من المعلومات المتاحة وذلك من حسن حظ المستثمرين حالياً التي يمكنهم الاستفادة من هذه المعلومات  قبل أن تطأ أقدامهم القارة الأمريكية. ويكمن التحدّي في كيفية تصفية هذه المعلومات للإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية: ما نوع النشاط التجاري ومكان إقامته والكيفية التي سيقام بها؟ تعتبر الإجابة على كل سؤال من هذه الأسئلة ضرورة إذا كان الهدف هو إقامة كيان تجاري تنافسي ومستدام.

التخطيط: أهمية  الإعداد والتحضير

إن تمضية الوقت في تخطيط طريقة التعامل مع أمريكا اللاتينية من الخطوات المُوصى بها بالنظر إلى تنوّع المنطقة والإيقاع السريع لتغيّر ظروفها الاقتصادية والسياسية، حيث  تحظى المنطقة بقدرات نمو هائلة، وتعتبر إقامة أسس قوية في البداية عنصراً أساسياً سوف يعود بالنفع لاحقاً.

ويوفّر وجود رؤية واضحة عن سبب الدخول إلى السوق بؤرة يمكن للبحث التركيز عليها. وسوف تختلف هذه الرؤية حسب ظروف كل مستثمر والتي قد تتراوح ما بين مجرد توسّع جغرافي (نفس الشركة ولكن سوق جديد) إلى تنوّع شامل (شركة جديدة في سوق جديد) لكن ربما تأخذ في الحسبان اعتبارات أخرى مثل الحصول على الإنتاج قليل التكلفة، أو تنويع المخاطر السياسية، أو الحصول على موارد نادرة (التعدين/الزراعة). يفترض أن الإجابات على السؤال “ما نوع النشاط التجاري” سوف تتضح بمجرد الانتهاء من تقييم أهداف وأسباب الدخول إلى السوق.

من الأخطاء التي كثيراً ما تقع فيها الشركات الأجنبية التي تدخل أمريكا اللاتينية -وبصفة خاصة البرازيل- هو احتياج الشركة إلى الإتساق مع مستوى السوق. فهناك العديد من الأمثلة على الشركات التي دخلت السوق وكانت دون المستوى ولم تحرز أي نجاحاً يُذكر (وذلك لعدم وجود ما يربطها بالقطاع الذي تنافس فيه) ثم اضطرت إلى الانسحاب لأن مجالس إداراتها لم تعد تحتمل.

فيما يلي بعض الأمثلة لتدفقات الاستثمار التي تم رصدها مؤخراً والتي توضّح النظم المتعددة لأساليب الصفقات:

  • حصة أقلية في شركة مدرجة بالبورصة: استثمر “جهاز قطر للاستثمار” مبلغاً ضخماً (2,7 بليون دولار) في مصرف بانكو سانتاندر Banco Santander)) بالبرازيل، والذي تمتلك عائلة بوتين الأسبانية حصة كبيرة فيه.
  • حصة مهيمنة في شركة خاصة: على الجانب الآخر، حصلت مجموعة جي فور اس البريطانية (G4S) على 51% من أسهم المجموعة البرازيلية بلانتخ انخنيريا Plantech Engenheria)) المتخصّصة في تطبيق النظم الأمنية، مع إمكانية زيادة حصّتها بمرور الوقت.
  • حصة مهيمنة في شركة مكوّنة من مجموعة ألمانية ومساهمين آخرين: حصلت المجموعة الهندية انديا يونايتد فوسفورس المحدودة ( (India United Phosphorus Ltd مؤخراً على 51% من أسهم شركة دي في ايه أخرو دو برازيل شركة للمنتجات الكيميائية الزراعية ((DVA Agro do Brasil مقابل 150 مليون دولار.
  • الاستحواذ على 100% من شركة خاصة: استحواذ شركة جي اس كيه ((GSK على شركة فونيكس لابورايتوريس Laboratorios Phoenix))، وهي شركة أرجنتينية للمنتجات الدوائية مقابل 252 مليون دولار.

قد يتم تحديد نقطة الدخول (الدولة و/أو المدينة) حسب طبيعة النشاط الذي ستقوم به الشركة وخاصة إذا كان هذا النشاط  يتعلق بموارد طبيعية أو يحتاج إلى ميناء أو ندرة الأهداف التجارية المحتملة. وإذا لم يكن الوضع كذلك، فقد يتم اختيار الموقع بمساعدة عاملين للتصفية:

تجاري – يهتم بعوامل مثل قرب العملاء والأسواق، ووسائل النقل والشحن، وتوافر العمالة الماهرة، ومستوى تطور أسواق رأس المال. بينما يتم استخدام اللغة الانجليزية على نطاق واسع في الأعمال والتجارة في أمريكا اللاتينية، إلا أنها لا تزال ليست اللغة الأوحد في العالم، وبالتالي قد يكون الإلمام بالأسبانية أو البرتغالية (في البرازيل) ميزة كبيرة. وقد يكون من الضرورة بمكان توفير تعليم مناسب للموظفين الوافدين.

قانوني ومالي – يتضمن هذا العامل إمكانية التنبؤ بالنظام القانوني، والمعدلات الضريبية والإعفاءات، والحوافز المقدمة من الدولة، وإمكانية تبديل العملة، والاستقرار، وكذلك المعايير التي تحكم توزيع أرباح الأسهم وإعادة تحويل رأس المال إلى الوطن. ستكون الاعتبارات التنظيمية كذلك مهمة في حالة دخول مجال منظم – والذي يضم عادة قطاع الخدمات العامة مثل الطاقة والمياه أو المجالات  الاستراتيجية مثل النقل الجوي والصحف والإذاعة والتلفزيون ومؤخراً الزراعة (في بعض الدول) وكذلك الرعاية الصحية أو الخدمات المصرفية. أدّى الطلب الأجنبي على الأراضي الزراعية إلى إجراء مراجعة لمعايير الملكية في البرازيل والأرجنتين.

بينما يتم تحديد الموقع غالباً على أرض الواقع بواسطة واحد أو اثنين من الاعتبارات الأساسية المتعلقة بالشركة، إلا أن الجوانب الموضحة أعلاه ما زالت مهمة ويجب أخذها في الاعتبار.

التنفيذ: التركيز على الأهداف وما إذا كان سيتم تحقيقها

تعتبر استثمارات “الحقل الأخضر” الضخمة قليلة نسبياً وعادة ما تخضع لمعايير خاصة. ولذلك سيكون التركيز على عمليات الاستحواذ والتحالفات المتعلقة بشركات موجودة بالفعل أو شركات صغيرة ناشئة.

من الضروري الاستعانة بمستشارين على درجة عالية من الكفاءة والاحترافية من أجل المسائل القانونية (التأسيس والعقود والعناية الواجبة) والضريبية والاستعانة بوسيط متخصص (مصرف أو سمسار أو مستشار) من أجل عمليات استحواذ أو تحالف من شأنها  إضافة قيمة حقيقية، قد يكون لدى أهل الخبرة ممن تتم الاستعانة بهم في هذا المجال معلومات أفضل وإمكانية الوصول إلى أهداف محتملة، خاصة إذا كنت تسعى إلى معرفة اهتمامات العملاء المستهدفين. كما يمكن الاستفادة منهم كعامل تصفية في مراحل مهمة من المفاوضات.

في أمريكا اللاتينية، تمثّل العلاقات الشخصية أهمية وقيمة كبيرة وبالتالي يصبح التعرّف على شريكك و/أو هدفك من أفضل الاستثمارات. تفضّل الشركات العائلية التعاون مع شركات عائلية أخرى وتفضّل التعامل المباشر على مستوى الرؤساء.

أظهرت التجربة أن من المفيد دائماً وجود شخص واحد على الأقل ينتمي إلى البلد المراد بدء مشروع على أرضه من ذوي العلاقات الجيدة ليتعاون مع الشركة بصفة مستمرة. قد يساعد هذا في تجنب وحل المشكلات المحتملة مع الموظفين الحكوميين، التي وبالتأكيد لن يخلو الأمر من ظهور بعضها.

تشبه عملية التنفيذ في جوهرها نظيرتها في أي من الأسواق المتقدمة لكن يجدر الإشارة والتعليق على بعض جوانبها:

  • تحديد الهدف: بالرغم من عدم وضوح هذا الجانب مثلما هو الوضع في حالة المنافس، فلا بد من استخدام استشاري للتحقق من الأهداف المحتملة.
  • السعر: قد يتطلب التوصل لاتفاقية حول السعر بعض الصبر، ويكون التفاؤل حول الأسعار من الأمور المألوفة. فكّر في استخدام صيغة للأداء المستقبلي لتعويض أي نقص في المواد.
  • التقصّي اللازم: استخدم أفضل المحامين والمحاسبين والمتخصصين المتاحين ثم أسس قاعدة معلومات شاملة حول أي عائلة قد تصبح شريكاً في المستقبل، ولن يكون هذا الأمر صعباً إذا كانت هذه العائلة من العائلات الشهيرة.
  • الحوكمة: تأكد من أن نظام الحوكمة -الذي يتم وضعه بعد عملية الاستحواذ أوخلال تحالف ناحج-المقومات الكافية و المرونة المطلوبة للعمل على النحو المفترض منه. إذا كنت ستحصل على حصة أقلية، فتأكد من وجود اشتراطات خروج أو انهاء للعقود قابلة للتنفيذ وتضمن قيمة عادلة.

في النهاية، كن مستعداً للخروج وصرف النظر إذا أصبح السعر غير مربحاً أو إذا كانت هناك أسئلة حقيقية لا تتم الإجابة عنها.

التحالفات والمشروعات المشتركة: أسلوب ممتاز لدخول الأسواق

تدخل العديد من الشركات سوق أمريكا اللاتينية من خلال تحالف أو مشروع مشترك والذي قد يعود بمزايا متعددة على الطرفين. ومع ذلك، يجب ملاحظة أن معظم التحالفات تنتهي باستحواذ طرف على الآخر خلال سبع سنوات. ومن الضروري أيضاً استيعاب القيمة النسبية التي يضيفها كل طرف في هذه الشراكة واحتمالية تغير هذا بمرور الوقت. قد تتعقد المشروعات المشتركة والتحالفات الاستراتيجية وتتطلب الكثير من العناية فيما يخص طريقة هيكلتها وتوثيقها. وقد يكون من المفيد دراسة جميع هذه الجوانب من حيث أسبابها التجارية – أي إسهامات الطرفين والحاجة إلى شروط لحماية الملكية الفكرية والاشتراطات القانونية والمالية والتشغيلية – مثل الحوكمة واتفاقيات الخروج ومشاركة القيمة.

تعتبر منطقة أمريكا اللاتينية مكاناً رائعاً لتحقيق الربح فقط  لمن لديه استراتيجية تم وضعها بعناية ولمن يمتلك القدرة على تفهّم ومواجهة تحدّياتها.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 13, 2012

Tags from the story