مفهوم الرأسمال البشري وتطوّره عبر الزمن

الرأسمال

في الماضي، كان يتم اعتبار مدراء الموارد البشرية واستراتيجيات الرأسمال البشري جزءاً من الجانب الإداري لأي مؤسسة. أما اليوم، فقد تغير المفهوم كثيراً وأصبح الكثيرون يدعمون التوجّه الذي يضع إدارة الرأسمال البشري كواحدة من أهم الاعتبارات في استراتيجيات الشركات. شيرلي زين، نائبة الرئيس العالمي للموارد البشرية في مجموعة ستاندرد بنك ومديرة الموارد البشرية لفرع ستاندرد بنك في جنوب أفريقيا تشرح مفهوم إدارة الرأسمال البشري سابقاً وماهيته  حالياً وما المفترض أن يكون عليه مستقبلاً.

يعتمد مستقبل أي مؤسسة على إدارة الموظفين” (كولين كولسن توماس: مستقبل المؤسسات، 1998)

إن تحديد استراتيجية للرأسمال البشري تكون فعالة من الناحية التخطيطية هي عملية معقدة. فهذا الموضوع  مستمر في التطور وهو موضوع  دراسة وبحث  ومناقشة من قبل الأكاديميين والمعلقين في جميع أنحاء العالم. كما أن تعريفه والعلاقات التي تجمعه بالجوانب الأخرى من التخطيط للأعمال والاستراتيجية هي ليست حقائق ثابتة، حيث تتنوع الآراء وتختلف فيما بين المؤلفين والباحثين بل وحتى بين المتخصصين في الموارد البشرية أنفسهم. يمكن اعتبار الإدارة الاستراتيجية للرأسمال البشري كاتجاه عام للإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية بما يتوافق مع أهداف المؤسسة حول كيفية ضمان النجاح الحالي للشركة والاتجاه المستقبلي الذي تريد المضي فيه قدماً. يُعنى هذا المفهوم بمشكلات الموظفين على المدى الطويل بالإضافة إلى الاعتبارات الشاملة المتعلقة بالهيكل والجودة والثقافة والقيم والالتزام والأداء ومدى مطابقة الموارد مع الاحتياج المستقبلي داخل سياق أعمال اقتصادي و مجتمعي سريع التطور (منقول عن معهد CIPD).

تدرك المؤسسات بصفة عامة أن إدارة الرأسمال البشري تعبر عن قبول وإشراك وظيفة الموارد البشرية -التي تشمل تعيين وانتقاء وتدريب ومكافأة الموظفين- كشريك استراتيجي في وضع وتنفيذ الاستراتيجيات الشاملة للشركة، وهو الأمر الذي يجعل إدارة الرأسمال البشري ركيزة محورية لنجاح الشركة. لم تدرك الكثير من المؤسسات بعد مدى أهمية موظفيها بالنسبة لنجاحها، وهذا ما أدى إلى إهمال استراتيجيات الرأسمال البشري. وعادةً ما يتطلب الأمر حدوث أزمة بحجم الركود الاقتصادي العالمي حتى تدرك الشركات أنها تخوض حرباً من أجل المواهب وحتى تعيد ترتيب أولوية استراتيجياتها للرأسمال البشري.

تعدّ فعالية وظيفة الموارد البشرية بمثابة مكون أساسي لاستراتيجية الرأسمال البشري في المؤسسات. فقد تطورت وظيفة الموارد البشرية كثيراً على مدار العقود القليلة السابقة، حيث جرت العادة على أن تكون دوراً إدارياً وإجرائياً، حيث كانت الموارد البشرية تتضمن الاحتفاظ بسجلات الموظفين والتأكد من حصولهم على رواتبهم في الموعد المحدد والقيام بتعيين وإنهاء خدمات  الموظفين. ونادراً -وإن حدث أصلاً- ما كان يتم تضمين هذه في عملية التخطيط للشركة وكان يُنظر إليها كوظيفة مكتبية ليس لها أدنى أهمية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

تدرك معظم المؤسسات الآن أنها إذا أرادت ضمان الاستمرارية والنجاح في المراحل الاقتصادية المضطربة التي تمر بها، فلا بد من القيام بتحول جذري في كيفية إدارة الرأسمال البشري. وعلى أية حال، فالموظفين هم من يحققوا الأرباح.

على النقيض من وصفها السابق الذي كان أكثر انحيازاً للجانب الإداري، نجد أن وظيفة الموارد البشرية مطالبة الآن بتضمين الأنشطة والسياسات التالية:

  • المشاركة في التخطيط: المشاركة في وضع استراتيجية الشركة وتضمين استراتيجية الرأسمال البشري كأحد عوامل النجاح الرئيسية.
  • التصميم: يمكن لطريقة تصميم سلسلة القيمة للموارد البشرية ضمان أفضلية تنافسية في البحث عن المواهب والاحتفاظ بها وتنميتها.
  • التخطيط للموارد البشرية: التأكد من أن تقديرات القوى العاملة وزيادة أعداد الموظفين ومزيج المهارات يمكّن المؤسسة من الأداء وتحقيق أهدافها في الوقت الحاضر وفي المستقبل.
  • اجتذاب المواهب والحفاظ عليها: الحفاظ على المواهب الرئيسية من خلال عرض قيمة مناسب للموظفين، وقد طبقت العديد من الشركات استراتيجيات مختلفة لتصبح “مكاناً رائعاً للعمل فيه”.
  • التخطيط: التعيين والنشر الفعّال للمواهب في الشركة بالإضافة إلى التخطيط للخلافة بالنسبة للأدوار الرئيسية.
  • التدريب والتنمية: تعتبر تنمية المهارات والاستثمار في الموظفين للحفاظ على أفضلية تنافسية ضرورة لا غنى عنها لنجاح الشركة.
  • المسارات الوظيفية: يجب أن يكون التطور والارتقاء الوظيفي منهجياً ومحدداً على نحو جيد لنشر المواهب بفعالية والحفاظ عليها وتلبية التطلعات الفردية التي تتماشى مع احتياجات الشركة.
  • تقدير الأداء: منح المكافأة والتقدير للأداء المتميز وفرض العقوبات على الأداء الضعيف هي من العوامل الرئيسية للنجاح.
  • ثقافة الأداء المتميز: هناك حاجة إلى تنمية ثقافة مستدامة تتعلق بالأداء المتميز والذي يجب تمكينه من خلال فعالية المشاركة الإنسانية بالإضافة إلى وجود الإجراءات والأنظمة.
  • القيم والرؤية: يمكن للمؤسسات التي تعمل وفق مجموعة من القيم والرؤية الإستمرارية والحفاظ على كينونتها عبر فترات طويلة من الاضطرابات والتهديدات (ريتشارد باريت). الاحترام والنزاهة والأمانة والشفافية لها مفعول السحر في تحفيز الموظفين.
  • إشراك الموظفين: تلعب القيادة دوراً مهماً في تحفيز الموظفين وتشجيعهم والعمل على إشراك الموظفين وتوافقهم مع رؤية وقيم المؤسسة.
  • علاقات الموظفين: هناك حاجة إلى تكوين علاقات صحية بين الإدارة والموظفين لضمان تركيز الموظفين على القيام بأدوارهم. علاوة على هذا، يعتبر من الضروري المشاركة بفعالية مع النقابات التجارية في الأمور التي تعنيهم وتجنب الإضطرابات والإجراءات الصناعية.
  • سلامة الموظفين: القيام بالمبادرات التي تهتم بصحة الموظفين بحيث يمكنهم التفوق على المنافسين بأدائهم.
  • التحول: إن القدرة على قبول التنوع والممارسات الشاملة هي من الأمور المهمة في تناغم القوى العاملة متعددة الجنسيات، كما سوف تتباين كثيراً النواحي الديموغرافية بين الموظفين أصحاب نفس الجنسية والعمر والخبرة والنوع واللغة والديانات وما نحو ذلك.
  • التمكين: السماح للموظفين باتخاذ قرارات من خلال التفويض وأن يتحملوا مسؤولية أفعالهم.
  • الالتزام: يخضع الجزء الأكبر من إدارة الرأسمال البشري للتشريعات والقوانين المحلية والعالمية. فمن المهام الرئيسية للموارد البشرية التأكد من الالتزام بالقوانين ولوائح التوظيف وعدم تعريض الموظف للمخاطر.
  • التركيز: فقط عند وجود أنظمة الموارد البشرية المناسبة سوف تتمكن الإدارة العليا من التركيز على الجوانب الاستراتيجية للشركة والتمكّن من إقامة مؤسسات أكثر استجابة وفعالية.
  • الابتكار: نحن بحاجة إلى تنمية روح الابتكار والإبداع وتمكين موظفينا من تحدي الأفكار السائدة.
  • الثقافة: لا بد من قيام التصميم والهيكل المؤسسي بتضمين ودعم ثقافة الأداء والتنفيذ بما يخدم أهداف المؤسسة.
  • الحد من البيروقراطية: يجب وضع وتنفيذ السياسات والإجراءات والعمليات التي تدعم ثقافة الأداء المتميز وتزيل الممارسات البيروقراطية غير الضرورية.
  • نقل المعرفة: من الأهمية بمكان تسهيل مشاركة معرفة بين القوى العاملة وفي عمليات الاتصال، وخاصة بواسطة القادة.
  • الأمور اللوجستية: توفير بيئة عمل تساعد جميع الموظفين على الأداء والعمل بما في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة.
  • العلاقات: رعاية العلاقات الإيجابية فيما بين المستويات والوظائف المختلفة (العلاقات داخل الأقسام وفيما بين الأقسام بعضها البعض).

إذا كنت مسؤولاً عن الرأسمال البشري في مؤسستك، فمهمتك المستمرة هي البحث عن وسائل لتحسين العائد الاستثماري للأصول البشرية في المؤسسة. ومع ذلك، يجب الحذر عند استخدام تشبيه الموظفين بالأصول وذلك لضمان عدم النظر إلى الموظفين على أنهم سلع؛ فالموظفون ليسوا مجرد أرقام، إنما هم بشر في المقام الأول. يجب تطبيق العديد من البرامج والنظم للتركيز على المعرفة والمهارات وتحفيز كل من الأداء الفردي و الجماعي.

إن مشاركة الموظفين، أو بمعنى آخر السعي لكسب القلوب والألباب والأيدي هي ضرورة لنجاح الشركة. وكما ذكرت “جمعية إدارة الموارد البشرية” فإن الموظفون يقضون أكثر من 70% من أوقات السنة في العمل. إذا صح هذا الزعم، فإن المؤسسات وقادتها أمام تحدي إقامة حياة أكثر توازناً تتماشى مع الاحتياجات المستدامة على المدى البعيد للموظفين وللمجتمع الذي يعيشون فيه وللشبكات التي هي ضرورة لحياة مجتمعية سليمة بالإضافة إلى الاعتناء بالمشكلات المهمة للاستدامة والنجاح المؤسسي.

أخيراً، قد شهد العالم تحولات هائلة على مدار السنوات الخمسة الماضية مع بداية الركود الاقتصادي العالمي والعولمة بصفة عامة. وهذا يتطلب منا إعادة صياغة أسلوب تعاملنا مع الرأسمال البشري بصورة جذرية. إذا أردنا النجاح، يجب أن تركّز  الصيغة الجديدة لمفهوم الموارد البشرية على:

  • تطوير ممارسات تآزرية وشمولية وتكاملية للرأسمال البشري وتوفير الحلول المجدية اقتصادياً.
  • قياس الأداء مقارنة بالنماذج المثالية والمنافسين للتعرّف على مستوى أدائنا والمواضع التي نحتاج إلى تحسينها.
  • قياس كل ما نقوم به في إدارة الرأسمال البشري لأن “ما يتم قياسه، يتم القيام به”.
  • يجب وضع الأنظمة الضرورية للتمكن من تعقب البيانات وتسجيلها بفعالية وإعداد التقارير والمراقبة بالإضافة إلى ضمان الجودة.
  • الحرص على التوافق المتواصل مع اتجاه الشركة وخططها الاستراتيجية.

للتصدي ومواجهة لتحديات الجديدة والسابقة في إدارة الرأسمال البشري، يجب على متخصصي الموارد البشرية ومدراء الأقسام الارتقاء بمستوى أهدافهم وتغيير سلوكياتهم. يجب أن يتم تطوير إمكانياتهم وقدراتهم بصفة مستمرة. فإن عدم إدراك أهمية وضرورة إدارة واستراتيجيات الرأسمال البشري سيكون إخفاقاً في استيعاب أن إقامة مؤسسة ناجحة وفعالة يتطلب منك الاستعانة بموظفين على درجة كبيرة من الفعالية والكفاءة. “العامل الأساسي في تحديد نجاح أي مؤسسة هو قدرتها على استخدام المواهب البشرية” (بيتر تشيز وآخرون: المؤسسات الموجهة بالمواهب، 2008)

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 14, 2012

Tags from the story