توقع غير المتوقع – مجموعة شركات النهلة

النهلة

توقع غير المتوقع

بواسطة سلطان التركي، المدير التنفيذي للعمليات، مجموعة شركات النهلة

شكل العمق الذي وصلت إليه الأزمة المالية العالمية مفاجأة للعديدين.  و  دفعت الأمور غير متوقعة، التي  جعلت الواقع مريرا،العديد من المستثمرين إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم.  هل هي مجرد فقاعات؟ ما هي التصنيفات التي يمكن الاعتماد عليها؟ ماذا يحدث للدولار؟ هل ينبغي أن نعود إلى الذهب؟ يقدم سلطان التركي، المدير التنفيذي للعمليات في مجموعات شركات النهلة في المملكة العربية السعودية بعض الآراء حول الحالة الراهنة.

‘أنقذو النظام المالي!’، ‘واحدة من أسوأ ثلاث سنوات في تاريخ البورصة الأمريكية”. هذه هي بعض عناوين الجرائد والمجلات الدولية، و بعض الأوراق البحثية  خلال الأسابيع القليلة الماضية وخاصة بعد تشرين الأول / أكتوبر من عام 2008 ، والذي شهد أسوأ أسبوع للأسهم الأمريكية في 75 عاما.

وربما يكون سبب اختيار صاحب أفضل الكتب مبيعا “بلاك سوان” (البجعة السوداء)، نسيم نيكولاس طالب، هذا الاسم لدفع الناس للتفكير في ما هو غير متوقع. يذكر نسيم طالب أنه: “قبل اكتشاف الأوروبيين لقارة استراليا، لم يكن لدينا ثمة سبب للاعتقاد بأن البجع قد يكون بأي لون خلاف الأبيض. لكن مع اكتشاف استراليا، رأينا البجع الأسود، وتغيرت معتقداتهم “.

إن التفكير الآن يدور حول الأحداث، سواء كانت إيجابية أو سلبية، النادرة و التي لا يمكن تصورها ذات التداعيات الواسعة على المفاهيم القائمة. إن مثل هذه الأحداث النادرة ليست سلبية بالضرورة مثل الأزمة المالية الراهنة؛ على العكس من ذلك، فإنها يمكن أن تكون أحداثا إيجابية، مثل اكتشاف  الإنترنت، وتطوير علاج لمرض السرطان، و مصادفة المرء لنصفه الثاني  . ووضح نسيم نيكولاس أيضا: “أنه في المجالات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، فإن البجع الأسود يمثل كل شيء. حيث أنك لن تحصل على شيء إذا تجاهلت البجع الأسود “. و من الأمثلة التي قد تصادفنا شبكة الإنترنت، بجعة سوداء تكنولوجية؛ حيث ظهر اختراع الشبكة العالمية من لا مكان و لا يعرف الناس أنها وضعت في بدايتها لاستخدامها في الأغراض العسكرية فقط. وبطبيعة الحال، كان هذا قبل تطورها وانتشارها على مستوى العالم لتصبح واحدة من أكثر الابتكارات التكنولوجية التي لا غنى عنه في السنوات الأخيرة.

النهلة

تذكرت مؤخرا أنه في تشرين الأول / أكتوبر 2007، وضع البنك الملكي الاسكتلندي اللمسات الأخيرة على عرض للحصول على اي بي ان امرو مقابل 98.5 بليون دولار، و لو انتظر البنك الملكي الاسكتلندي  لمدة عام واحد آخر، لكان بإمكانه تملك سيتي بنك و غولدمان ساكس ومورغان ستانلي،  و كان لدى هذه الشركات ما يكفي من السيولة لشراء فورد وجنرال موتورز كإضافات صغيرة! و تمثل هذه السيناريوهات التي لم يتصورها أحد قبل سنة واحدة البجعة السوداء لوقتنا الحاضر. بالعودة إلى الكتاب، دعا المؤلف إلى حظر استخدام الإحصاءات ويحذر من أن الأساليب الكمية تشكل خطرا على المجتمعات وخلص إلى أن هذه الأساليب الكمية، ما لم تكن متقنة إلى درجة تقترب من الكمال، يمكن أن تكشف عن نفسها لتصبح خطيرة و ذات تأثير مزدوج. و على الرغم من انه استخدم مارك جهورية فايمر الألمانية الذي انخفض من 4-5 مارك للدولار إلى  4 تريليون مارك للدولار في أوائل العشرينات، وجاءت انهيارات السوق في الآونة بأمثلة جديدة على فشل الإحصاء على التنبؤ بما هو قادم. و ذهب المؤلف إلى أبعد من هذا، حيث دعا إلى إلغاء نظرية المحافظ المالية باعتبارها وسيلة مرنة لحماية أموالك.  هل تبدو نظرية متطرفة للغاية؟ حسنا، إن الانهيار الأخير في أسواق مثل دبي قد تساعد في إثبات أن هذه النظرية صحيحة عند النظر إلى  المحافظ متنوعة الاستثمارات  تضم فئات مختلفة و متعددة من الأصول المالية! و يظهر نفس الأمر إذا نظرنا إلى الأسهم الأمريكية، حيث أن حوالي عشرين شركة فقط من بين ستاندرد آند بورز 500 ما زالت تحقق نموا في الإيرادات.

بالعودة إلى الأزمة المالية العالمية، نجد أن الدين العام على الولايات المتحدة وصل في آخر التقديرات إلى 12 تريليون دولار،  وأن التكلفة السنوية لخدمة فوائد هذه الدين تبلغ حوالي 700 مليار دولار في السنة.  ومن الملاحظ أن هذه التكلفة السنوية هي فقط لسداد فوائد الدين وليس لسداد سنت واحد منه! و نرى من هذا أن الأسواق لا تعمل بطريقة عقلانية. كيف ذلك؟ حسنا، حسب الأسس الاقتصادية فإنه كان ينبغي  أن نشهد انخفاضا في قيمة الدولار وليس العكس! في رأيي و وبصوت واضح و عالي، فإنه لا يمكن تحمل هذا الوضع كما أن تخفيض قيمة الدولار –  الأمر الذي قد يراه العديدون اليوم بجعة سوداء – هو مجرد حل لتسديد هذا الدين الضخم غير المسبوق على مر التاريخ للجبال من الديون. إذا ما حدث ذلك، فإن احتياطيات منطقة الخليج  المرتبطة بالدولار ستنخفض بشكل كبير و مؤلم و لن تكون بعيدة عن التفكير في  استبدال الدولار باعتباره عملة الاحتياطيات في العالم. هل  لاحظت  سعر الذهب في الأسابيع القليلة الماضية؟ و هل يعود الذهب إلى سابق عهده؟ حسنا ، من المثير للاهتمام بشكل كبير أن نلاحظ  أن البلدان التي تستفيد أكثر ما يمكن من رفع سعر الذهب لن تكون الصين أو اليابان أو الهند أو دول الخليج (والتي تحتفظ بأكبر قدر من الاحتياطيات الورقية الأمريكية من حيث القيمة المطلقة) ولكن  الدولة التي تستفيد في الواقع هي الولايات المتحدة التي لا تزال تحتفظ بأكبر كمية من الذهب في مجموع احتياطها وفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي وصندوق النقد الدولي. هل تمثل هذه الحقائق مفاجأة؟ لنتأمل هذه الحقيقة : إن دول مثل ألمانيا وفرنسا وايطاليا تتابع عن كثب احتياطات الذهب المطلقة للولايات المتحدة و كذلك احتياطي الذهب كنسبة من إجمالي الاحتياطيات الأمريكية!  لا زلت أحاول أن أفهم كيف سيؤثر هذا على الدولار في غضون السبع سنوات القادمة، و لكني أعتقد أن هذا هو الملاذ الوحيد له.

أيها الأصدقاء، إذا نظرنا إلى الأحداث غير المحتملة، البجعات السوداء لوقتنا الحاضر، بمزيد من الجدية قد تمنكن حينها من الحد من الجوانب السلبية التي نواجهها  كلما تكشفت جوانب هذه الأزمة. قد يكون الارتفاع الأخير في الذهب قد غاب عن أذهاننا، لكن ألا يعتبر سعر 2000 دولار للأوقية (الاونصة) بجعة سوداء؟

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 2, 2009

Tags from the story