الشركات العائلية ودورها في المجتمعات الجماعية

دور الشركات العائلية في المجتمعات الجماعية

الآثار والتبِعات

تؤثر بنية المجتمع على أداء الشركات العائلية بشكلٍ كبير. وهذا وما دفع العديد من المطبوعات الصادرة مؤخراً للتأكيد على أهمية الاختلافات الناجمة عن المحتوى الثقافي والتقليدي في ابتكار نظرياتٍ عالمية حول الشركات العائلية. ينصب محور اهتمامنا هنا على الدور الذي يلعبه مبدأ الجماعية وأثره على ثقافة العائلة ونهجها في تأسيس الأعمال عبر أجيال متوالية من العائلة. إذ لا يمكن إغفال الأثر الهام الذي تلعبه المجتمعات الجماعية وكذلك ثقافة أفراد العائلة المُكتسبة في مجال الشركات العائلية ونشاطها المعتمد في تأسيس المشاريع. يُفسر مصطلح “المجتمع الموحد” كيف يمكن للأفراد إتباع مجموعة من الأنماط الاجتماعية المشتركة في سلوكهم اليومي. وينطبق هذا المبدأ على الشركات العائلية التي تُعتبر نموذجاً مصغراً عنه حيث تُكمّل العائلة ومجال الأعمال أحدهما الآخر. يصف حمزة الفزيقي، مسؤول الأبحاث والدراسات في المركز المغربي للإبداع والمقاولة الاجتماعية، الأثر الذي يُخلّفه المجتمع الموحد على نموذج الشركة العائلية ويفسر لنا كيف تتحد كلاً من الثقافة المؤسساتية والثقافة العائلية في بوتقة واحدة تعزز مبدأ التسلسل الهرمي للسلطة. 

نبذةٌ عن المجتمعات الجماعية

تشكل الثقافة محوراً مفصلياً ينظم التفاعل القائم ما بين الأفراد والمجموعات. وهنا يمكننا تعريف مصطلح “المجتمع الجماعي” على أنه المجتمع الذي يشكل أفراده جزءاً من مجموعة ما تتحكم بأفرادها عبر فرض قواعد وأنماط اجتماعية معينة. وهكذا تُعتبر العائلات الممتدة نواة المجتمعات الجماعية. إذ تمنح ثقافة العائلة كل فرد من أفرادها معرفة جماعيّة تُمكنهم من تبني أسس صحيحة في جوانب محددة من المعرفة والتجارب الثقافية. فقد تحتفي العائلة على سبيل المثال بأيام عطل محددة في كل عام وتتبع مجموعة من التقاليد متوارثة عبر أجيال عدة ليصبح بذلك كل فرد من أفراد هذه العائلة متأصل في مجتمعه عبر إتباع القيم الموروثة بشكل أصيل.

وتتضح معالم مبدأ الجماعية من خلال التأكيد على الاحتياجات الداخلية لكل مجموعها بذاتها؛ وعلى السلوك الجماعي؛ وعلى المبادئ المشتركة؛ وعلى تعاون المجموعة. وتتجلى أبرز الأمثلة التي يمكن تقديمها عن المجتمعات الجماعية في ثقافات شمال إفريقيا والشرق الأوسط وأقاصي آسيا. حيث تُعتبر هذه الثقافات ثقافات غير متجانسة من حيث الأجيال والتركيب الوطني أو العرقي، وهذا بالطبع ما تنفرد به كل ثقافة عن سواها.

الشركات العائلية ودورها في المجتمعات الجماعية 

دور الشركات العائلية في المجتمعات الجماعية

غالباً ما تسعى العائلة إلى تأسيس شركة عائلية بهدف تعزيز القيم الاجتماعية والنفسية للعائلة ورفدها من خلال عكس التقاليد الثقافية والاستقرار في مجال الأعمال. ويُحدث تعاقب الأجيال أثراً مباشراً في الحفاظ على أعمال الشركة العائلية وتأسيسها، حيث يعكس التعاقب الناجح للأجيال قدرة أفراد العائلة في الحفاظ المستمر على ملكية وإدارة الشركة العائلية.

وإذ ما رغبنا باكتشاف دور مبدأ الجماعية في المؤسسات العائلية، فإننا نحتاج إلى البحث في مسألة التواصل المتعدد لما له من أثرٍ بارز على التزامات العائلة التي تحدد بدورها ثقافة العمل من خلال القيم العائلية. ويمكن أن يقتصر تعريف الشركات العائلية على أنه الرغبة في نقل ملكية الشركة إلى الجيل التالي عبر تبني سلسلة من الإجراءات من قبل المالكين. ولفهم طريقة تحقيق هذه الرغبة، ركزت الأبحاث على دور العائلة الممتدة ودورها في تحديد مفهوم المؤسسات العائلية3. وهنا يمكن لنظرية “تعاقب الأجيال في تأسيس الأعمال” أن تفسر ذلك بالشكل الأمثل. حيث ترى هذه النظرية أن بلوغ العائلة الممتدة للمكانة التي تطمح إليها تتحدد بشكل كبير من خلال الملكية وطريقة نقلها من جيل إلى آخر. فعند تأسيس الأعمال عبر أجيال متعاقبة، تتقاطع دورة حياة العائلة ودورة العمل في محاور مختلفة. ويمكن تتبع نقاط التقاطع هذه في ثلاث مراحل:

  • مرحلة تأسيس الأعمال حيث ينشىء المؤسس العمل وينهض بالعائلة في الوقت ذاته
  • مرحلة التشغيل حيث ينقل المؤسس قيم الشركة العائلية إلى الجيل التالي ليضمن التعاقب الناجح
  • مرحلة الاختبار حيث يقيم المؤسس مدى نجاح أعضاء العائلة في نقل قيم العائلة إلى الموظفين

ويمكن لهذه المراحل أن تترك آثارها على العائلات الممتدة بطرق مختلفة، إذ توفر جميعها المحيط الملائم لعملية التعاقب وكذلك تعزز اكتساب مبدأ الفهم الجماعي فيما بين أعضاء العائلة.

الشركات العائلية ودورها في المجتمعات الجماعية

من ثقافةٍ عائلية إلى ثقافةٍ مؤسساتية

غالباً ما تُؤسَس الثقافة التنظيمية للمؤسسات لأسباب عديدة نذكر منها التواصل الفعال والثقة المتأصلة. ويمكن أن تطغى الثقافة العائلية في المجتمعات الجماعية على كلٍ من الثقافة الشخصية المُكتسبة عشوائياً والثقافة التنظيمية التي تم تأسيسها بانتظام. في الواقع، تعتمد الثقافة التنظيمية بأكملها على الثقافة العائلية التي يمكن أن تصبح بديلاً عنها أيضاً. وتصبح بذلك الثقافة العائلية الموجه التنظيمي الوحيد لكل من يشارك في أعمال الشركة باعتباره أمراً مقبولاً بالإجماع. وهكذا تتساوى الثقافة العائلية مع الثقافة التنظيمية للمؤسسات من حيث دورها القيادي في مشاركة القيم بين أجيال العائلة. بل يمكن أن تتضافر جهود الثقافة العائلية والتنظيمية للمؤسسات في معظم المجتمعات الجماعية إذ تتشارك كلاً منهما في طبيعتهما الخاصة؛ لكن يجب ألا يقلل ذلك، حتى في الثقافة التي تسيطر عليها المجموعة، من أهمية الثقافة الخاصة بكل عضو في العائلة، الأمر الذي يتطلب من المؤسسة العائلية مزيداً من الوقت لفهم طبيعة الفرد. وعندما تقوم الثقافة العائلية بتنظيم المؤسسة العائلية الخاصة بها فلا بد حينها من مراعاة دور مالكي الأسهم من خارج العائلة؛ والشركاء؛ والموردين؛ وغيرهم. 

آثار تعاقب أجيال الشركات العائلية في المجتمعات الجماعية

أظهرت الدراسات أن المدراء ومالكي المؤسسات العائلية في المجتمعات الجماعية على دراية تامة بأنماط السلوك المختلفة الخاصة بهم وبمدى دراية الموظفين وأفراد العائلة إلى المدى الذي تلعبه الثقافة العائلية في السيطرة على حياتهم ومستقبلهم المهني .

تخضع الشركة العائلية في المجتمع الجماعي إلى أنواع مختلفة من أنماط التحكم الإداري الداخلي والذي ينتج من حياة العائلة ذاتها؛ كالعلاقة بين الوالدين والطفل على سبيل المثال. ومن شأن تطبيق هذا الأمر على الشركة العائلية أن يُظهر تنوعاً في تسلسل السلطة المتبادلة بين المدراء والمرؤوسين من ثقافة لأخرى. ففي الدول التي تتميز فيها السلطة بتسلسل هرمي مثل الدول الشرق أوسطية، تتبنى المؤسسات العائلية سلطة متمركزة حول المؤسس أو المالك الرئيسي، وبالتالي يُفترض من الموظفين من أفراد العائلة وغيرهم أن يقبلوا توزيع السلطة بل وأن ينفذوا ما يصدر عن المراتب الأعلى منهم. وتُعزى عقلية السلطة الهرمية هذه إلى سيطرة المؤسس على السلطة في المجتمعات الجماعية حتى عندما تُدار الشركة العائلية من قبل الأجيال المتعاقبة. وقد يُفسر ذلك، بحسب ما جاء في دراسات عدة، بتوجه المجتمعات الجماعية لاحترام السلطة الهرمية المنحدرة والتي يمكن أن تعرّف بأنها “المجال الذي يتوقع ويقبل من خلاله أعضاء المنشآت والمؤسسات الأقل مرتبة ضمن دولة ما التوزيع غير العادل للسلطة”. وحينها تتمركز اللامساواة القائمة بين المؤسس وباقي الأفراد الموظفين في الشركة العائلية على مبدأ السلطة الهرمية التقليدية التي تنشأ عن بنية العائلة والمجتمع ككل. وعندما تزداد هذه المسافة، يتولد لدى المرؤوسين الشعور بالخوف يجعلهم غير قادرين على معارضة المراتب العليا؛ المتمثلة في شخصية المؤسس.

الشركات العائلية ودورها في المجتمعات الجماعية

الخاتمة

تركز هذه المقالة على الدور الذي يلعبه مبدأ الجماعية في التأثير على الثقافة العائلية وطريقة أدائها للمؤسسات. وهنالك الكثير من الدوافع وراء تأسيس الشركة العائلية والتي قد تتلخص في الرغبة بالحفاظ على تقاليد العائلة والنزعة نحو تحقيق ثروة من خلال الشركة العائلية. ويتمحور عملنا هذا حول إيضاح المجال الذي تبلغه الشركة العائلية في المجتمعات الجماعية من خلال توارث الجيل تلو الآخر، حيث يوضح مصطلح “المجتمع الجماعي” سلوك الأفراد باتباع مجموعة محددة من الأنماط الاجتماعية. وينطبق هذا النموذج أيضاً على الشركات العائلية حيث تُكمّل دورة الحياة العائلية ودورة العمل إحداهما الأخرى. وفقاً لما تم إيضاحه مسبقاً، يمكن أن تؤدي الثقافة العائلية إلى ظهور ثقافة تنظيمية جديدة للمؤسسات يعززها المحتوى الثقافي بشكل خاص. ونرى أنه يمكن للثقافات الجماعية، العائلية والتنظيمية، أن تؤدي دوراً فاعلاً حينما تتوصل إلى فهم أفضل للثقافة الداخلية لأفرادها. على أية حال، تتجلى عواقب هذه المسألة في مشكلة لطالما واجهت الشركة العائلية فيما مضى: فعلى الرغم من تحويل الشركة العائلية بنجاح إلى ورثتها، لا يزال مؤسسو الأعمال محتفظين بالسلطة الخاصة بهم. ويجب أن تتبنى المجتمعات الجماعية، التي تبدو فيها الثقافة العائلية والثقافة التنظيمية كياناً واحداً، مفهوماً لا يقلل من أهمية الثقافة الفردية بل يسعى أيضاً إلى تسوية السلطة الهرمية ليسمح بمرور الوقت لكل جيل من العائلة بترك بصماته الخاصة في ميراث الشركة العائلية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 18, 2013

Tags from the story