عائلةٌ تخلّد اسمها في سجل الرواد

Nick Bloor, IVM Founder, Australia
لقاء مع نِك بلور، مؤسس شركة تكنيجرو ومجموعة “آي في إم”، في أسترالي

منذ قرابة ثلاثة عقود مضت، اتخذ نِك بلور، الشاب ذو 19 ربيعاً قراره بالتخلي عن دراسته في كلية الحقوق ليبدأ مطاردة حلمه المتمثل في ابتكار شيء مختلف. ولأن نِك شاب يعشق كل ما يتعلق بالطبيعة، ازداد شغفاً بتطوير مستدام للزراعة  فأسس شركته الخاصة تحت باسم تكنيجرو. وتمثلت رؤية رجل الأعمال هذا في تغيير أساليب الزراعة في أستراليا وسرعان ما انضم إلى شركته أخوه ووالده.
وبدأت شركته العائلية بالنمو عاماً بعد عام، وبعد مرور سنوات قليلة فقط بدأ نِك باستثمار وقته وماله في تطوير المزيد من الحلول المستدامة والتقنيات المستخدمة في حقل الزراعة. وبعد حصوله على عدد من براءات الاختراع الدولية وإحداث نقلة نوعية في ميدان الزراعة في أستراليا، اتخذت عائلة بلور عام 2013 قراراً ببيع شركة تكنيجرو لتبدأ مرحلة جديدة من ابتكار الأساليب المتطورة عبر مجموعة “آي في إم”. وتبذل إدارة الشركة العائلية اليوم أقصى جهدها لتقديم الحلول المتكاملة في مجال الزراعة “آي في إم”. التقت مجلة ثروات بالسيد نِك بلور، مؤسس شركة تكنيجرو ومجموعة “آي في إم” الذي حدثنا بدوره عن مراحل التطور ودور العائلة الداعم والمؤثر ومزايا الابتكار.

ما الذي دفعك إلى تأسيس شركتك منذ 27 عاماً؟

إنها رغبتي الشديدة في ابتكار شيء مختلف. عندما بلغت التاسعة عشر من العمر، بدأت بدراسة القانون والعمل في مكتب للمحاماة. لكنني لم أشعر أنني أضيف أي جديد. وهذا ما حفز لدي هاجس البحث عن المشكلة وإيجاد حل لها. عمل والدي في بيرث وعندما عاد للعمل في كوينزلاند أخبرني عن التطورات التي شهدها هناك في مجال الزراعة وهذا ما جعلني أشعر بحماس شديد. لطالما عشقت كل ما يتعلق بالطبيعة، حينها بدأت التفكير جدياً بإيجاد طرق لتأسيس الخدمات المتكاملة في حقل الزراعة.
بدأت بتنفيذ طموحي وتخليت عن وظيفتي في المجال القانوني، وأخبرني مدير العمل آنذاك بأنني أرتكب خطأ كبيراً. لكن بعد مرور سنوات، أرسل لي خطاباً يهنئني فيه على النجاح الكبير الذي حققته. لا شك أن المرء يكتسب حافزاً عندما يحاول إثبات أخطاء الآخرين. ولا أخفي عليك بأن الجهل دفعني إلى الانطلاق نحو الابتكار، فلو كنت أعرف هذا القدر الكبير من المعلومات آنذاك لما امتلكت الشجاعة للانطلاق في مشواري هذا.

متى تحولت شركتك الخاصة إلى شركة عائلية؟

انطلقت بممارسة أعمالي بمفردي في بادئ الأمر. فتلقيت دروساً مسائية في فنون الزراعة، وادخرت المال لأسدد ثمن أول شاحنة لي. بعدها التقيتُ بزوجتي تريسي التي ثبت أنها سيدة أعمال ناجحة بكل ما للكلمة من معنى فقد كانت تدعمني وتقرضني المال كي أتمكن من شراء الوقود للشاحنة. أما أعمال شركة تكنيجرو فانطلقت أواخر الثمانينيات من القرن الماضي من خلال تقديم خدمات بسيطة في مجال الزراعة إلى مجتمع كوينزلاند.

انضم أخي الأكبر كيم إلى الشركة وكذلك فعل والدي تريفور. يكبرني كيم بثماني سنوات ولديه شخصية مختلفة تماماً، فهو شخص مهني وميداني وربما يعود ذلك إلى خلفية عمله العسكري. خلق تواجدنا معاً توازناً خلال المراحل التأسيسية للشركة، وما لبثت أن انضمت زوجته تانيا للعمل في الشركة وأدخلت الكثير من المهنية في مجال الإدارة. ومما لا شك فيه أن الشركة ما كنت لتصل إلى هذا القدر من النجاح لولا التعاون والجهود المشتركة التي بذلناها. وهكذا لعب جميع أفراد العائلة دوراً حيوياً في نجاح الشركة منذ انطلاقتها الأولى.
طالما قللت زوجتي من دورها الكبير في نجاح شركتنا لكنني أرى بأن كل شخص أدى دوره المناسب في الشركة العائلية. فلقد نجحت زوجة والدي على سبيل المثال في إدارة أعمال التخزين وقدمت الكثير من الدعم للعائلة خلال فترة تنمية الأعمال.

Australia, IVM
أخبرنا كيف انطلقت روح التجديد والإبداع في شركتك؟

أعتقد أنها جاءت نتيجة عدد من الأسباب. فقد ساهم أفراد العائلة وغيرهم في إضفاء مزايا جوهرية على الشركة والتي لعبت دورها في تحقيق النجاح. ويتجسد أحد القيم الجوهرية في شركتنا في مبدأ “معاً نحقق أكثر”. فكلما أشركنا المزيد من الأفراد في أعمالنا، حققنا المزيد من الإبداع. لطالما تميزت أجواء العمل في شركتنا بروح التعاون، ويمكنني هنا أن أتحدث عن النقلات النوعية التي حققتها الشركة ولم تكن من إبداعي. أعتقد بأن دوري ينحصر في إدارة ورعاية ثقافة الإبداع وتشجيع الآخرين على ابتكار كل ما هو جديد. وأظن بأن النجاح يقوم في النهاية على حشد الطاقات وتسخيرها في المجالات المناسبة.

هل وجدت عائلتك في شركة تكنيجرو ملهماً لدخول عالم الإبداع؟

تحلى أفراد عائلتي بالكثير من الصبر حتى في أكثر الأوقات العصيبة التي واجهت العائلة، لقد واجهت في تلك المرحلة ضغوطاً عاطفية من جانب العائلة في حين حظيت بالدعم من موظف من خارج نطاق العائلة. إذ لم  يقتصر الإبداع على أفراد عائلتي فقط بل بذل مدير قسم الأبحاث والتطوير على سبيل المثال كافة جهوده لتأسيس هذه المجموعة، وقدم لي اقتراحاً باستعداده لتمويل هذا المشروع بنفسه. وكان ذلك أمراً رائعاً للغاية. إلا أننا واجهنا أيضاً تحديات مالية أخرى في ذلك الوقت. لم أستطع في ذلك الوقت إعلام عائلتي بالأزمة كيلا أفرض عليهم المزيد من الضغوط. ورغم ذلك استمرت الشركة في العمل، واستثمرنا رأسمال الشركة لنؤسس في النهاية مجموعة “آي في إم”، تلك هي الثقافة التي سخرت العائلة نفسها لنشرها ورعايتها.

ماهو التوقيت المناسب لإتباع الأساليب المبتكرة عندما يتعلق الأمر بالشركة العائلية؟

كنت أعتمد على أخي في ذلك، إنه شخص متواضع جداً ولقد ساعدني أيضاً في الحفاظ على تواضعي الدائم. فعندما أنجح في إقناع أخي لا بد وأن أنجح في إقناع باقي أفراد العائلة. أما والدي فيتمتع بخبرة متميزة أيضاً ولديه حدس لا يضاهى وكان له دور كبير في الحفاظ على توازن العلاقة بيني وبين أخي.

متى أضحى الإبداع جزءاً لا يتجزأ من مكونات الشركة العائلية؟

لقد تعرض مسار النمو في الشركة لكثير من العراقيل، وبدأنا بطرح فكرة التطوير بعد تأسيس الشركة بحوالي عشرة سنوات. كنا نواجه منافسة شرسة من كافة أرجاء بيرث، وسعى المنافسون إلى تقديم عروض مغرية ونجحوا في الحصول على عقد ضخم للغاية. لقد ركز المنافسون على الزراعة من الناحية التجارية تحديداً واحتل هذا المجال نصف نشاط الشركة. وهذا ما دفع عائلتنا إلى عقد اجتماع للنظر في الخيارات المتاحة أمامنا. وتمثلت الخيارات في نقاط تقضي بالتخلي عن أعمالنا الرئيسية أو التركيز على الجوانب التي لا تدخل ضمن نطاق المنافسة أو حتى إيقاف كافة النشاطات الأخرى والتركيز على الجانب الذي نحقق فيه أفضل النتائج. وفي النهاية لجأنا إلى الخيار الأخير مع التركيز على الابتكار للخروج من دائرة المنافسة. وبدأنا عملياً بالتخلي عن العقود المبرمة ومنحنا بعض الأعمال إلى الموظفين لينطلقوا في أعمالهم الخاصة. وأدركنا بأننا لن نتمكن من هزم المنافسة إن لم نقم بخطوات جريئة وبذلك بدأنا تأسيس أول اختراع لنا على أرض الواقع. وجاءت فكرة بخاخ
“Drift Proof ” لاستخدام المنتجات السائلة مثل مبيدات الأعشاب والمبيدات الحشرية والأسمدة ومحسنات التربة، ونجح ضمان براءة الاختراع في منع انتشار السوائل الضارة إلى الأسواق. وبذلك ساهمنا في تخفيض نسبة الاستخدامات الكيماوية بنسبة تصل إلى 70%.
كما نجحنا في تطوير النموذج الأولي في ورشة السيارات الخاصة بالشركة بالتعاون الذي قام بين صديق متمرس في العمل في مجال الآليات، إضافة إلى الخبرة الواسعة التي اكتسبها مدير الأبحاث والتطوير من عمله في شركة سيمنس. وهكذا طورنا النموذج الأولي خلال أسابيع قليلة ونجحنا خلال أشهر قليلة فقط من استعادة عملائنا وهزيمة منافسينا. لقد نجحنا في إثبات قدرتنا على الحد من الآثار البيئية الضارة وزيادة الإنتاجية من خلال خدماتنا واختراعاتنا. لقد صمم هذا المنتج بطريقة رائعة للغاية ونال إعجاب العملاء وحاز على رضاهم.
لا أنسى مطلقاً الدعم الكبير الذي قدمته لي العائلة وكيف وقف أفرادها إلى جانبي خلال المراحل الحرجة التي شهدها مشوارنا الطويل في الاستثمار. وشهدت خلال هذه المراحل كيف تطور دوري إلى محفز الابتكار بالتعاون مع مدير الأبحاث والتطوير الذي يعمل حالياً في شركتنا الجديدة. لقد ابتكرت شركتنا العديد من المنتجات التي لم تنتشر في الأسواق منذ اللحظة الأولى إذ تطلب الأمر بعض الوقت حتى يبدأ الناس باقتنائها. وبعدها اكتسح منتجنا هذا السوق وحصدنا بذلك المزيد من الثقة، ومنذ ذلك الحين بدأت العائلة تميل أكثر نحو الإبداع. لقد كانت تلك هي البداية التي أدركنا فيها كيف يمكننا إحداث نقلة نوعية وتطبيق مبدأ الابتكار والتقنيات الحديثة بالكامل.

لقد تخرجت مؤخراً من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. لمَ شعرت بحاجة للعودة إلى الدراسة؟

كان دائماً يراودني شعور بأنني شخص غريب وبأنني نوعاً ما معزول بسبب توجهاتي. ومن ثم أدركت بأن هناك الكثير من الأشخاص من حولي ممن لديهم مجموعة من الأفكار التي تماثل وجهة نظري تماماً. لقد اتضح لي آنذاك بأنه يجب عليّ المجازفة أيضاً خارج نطاق استراليا. لقد حققنا في العام 2006 إنجازاً جديداً لنا، وفي هذه اللحظة شعرت بأنني أعيق الشركة. وبدأت بالقراءة عن القيادة والمنظمات الريادية المشتركة المخصصة لرجال الأعمال. وبحلول عام 2007، قمت بجولة شاملة وهذا ما شجعني على البدء ببرنامج الدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. ومن خلال شركة تكنيجرو بدأنا التعاون مع الشركاء المتميزين في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، كما بدأنا بإجراء أبحاث تشاركية. بدت تلك المرحلة قاسية على العائلة فقد تميزت بالدراسات النظرية والتوجه نحو العمل طويل الأمد وشهدت بذلك مرحلة تحول جذري عما كانت عليه منذ بداية أعمال شركة تكنيجرو.
كنت أشعر دائماً بعدم الرضا عن أعمالي. وساهمت هذه الهواجس في تحفيزي على المضي قدماً نحو المرحلة التالية. ويمكنني أن أدعوها بالمرحلة الثورية أو الهدامة إن جاز التعبير. لم يكن من السهل على العائلة أن تتحلى بالصبر دائماً أثناء العمل معي وهذا شيء أقدره بكل تأكيد.

متى اتخذت قرارك ببيع شركة تكنيجرو ومتى أطلقت مجموعة “آي في إم” أولى أعمالها؟

لقد اتخذنا قرارنا ببيع الشركة عام 2012. وجاء قرارنا هذا بعد أن بدأنا بتطبيق فكرة تأسيس مجموعة “آي في إم” باعتبارها مركز مبتكر تابع لمجموعة تكنيجرو. وبذلك قمنا ببيع قسم العمليات في تكنيجرو وبرزت مجموعة “آي في إم” كمركز حيوي جديد للأعمال.
Nick-Bloor,-IVMG-Founder
هل انضم أخوك ووالدك إلى العمل في شركتك الجديدة؟

لا، لم يشعر والدي وأخي بأهمية امتلاك مجموعة “آي في إم” مقارنة مع شركة تكنيجرو. ولا يزال أخي يعمل في تكنيجرو تحت إدارة جديدة. فقد قررنا ذلك بعد إجراء مباحثات مطولة تبين خلالها بأننا نمتلك وجهات نظر مختلفة، ولا شك أننا جميعاً نمتلك وجهات نظر مختلفة ونعيش حياتنا بنمط مختلف.
تضم مجموعة “آي في إم” إلى جانبي اليوم تريسي وابني جوش وسام. ولا يزال أفراد العائلة الآخرين يشجعونا على المضي قدماً وتطوير المجتمع، ونسير اليوم على طريق الإبداع لإحداث نقلات ثورية في مجال العمل.

كيف سينعكس ذلك على أعمال شركتك بعد أن أضحى الإبداع محوراً رئيسياً في شركتك؟

أعتقد أن الإبداع يمنحنا كامل الحرية وقد نركز اليوم على تطبيقه على جوانب متعددة بعيداً عن إدارة الشركة. لقد حصلنا على براءات اختراع دولية لكافة التقنيات التي نقوم بتطويرها. ونسعى اليوم إلى التركيز أكثر على إيجاد الشركاء المناسبين. كما نرغب في التعاون مع الشركات العائلية الأخرى والتي تمتلك وجهة نظر مماثلة لنا.
تسير مجموعة “آي في إم” في الاتجاه الصحيح والطبيعي لتكمل مسار التطور الذي بدأته شركة تكنيجرو. تشارك زوجتي تريسي إلى جانب ابني في أعمال الشركة الجديدة. وهذا أمر يجعلني أشعر بالسعادة ويجعل العائلة تشعر بالطمأنينة. هدفنا هو التنمية في مجال الزراعة وسعينا من خلال تكنيجرو إلى إضفاء المزيد من الأفكار المبتكرة على هذا الهدف كي نتمكن في النهاية من تحويل هذه الشركة إلى مجموعة “آي في إم”.

ما النصائح التي تقدمها إلى الشركات العائلية الأخرى التي ترغب في الوصول إلى موقع ريادي؟

يجب عليهم الانتقال من مرحلة العمل إلى مرحلة التفكير. يجب عليهم التفكير لإيجاد حلول للمشاكل التي تعترض طريقهم وليس العمل لحل هذه المشاكل فقط. لقد ساهمت ابتكاراتنا على سبيل المثال بتخفيض نسبة الأعشاب النامية بشكل لا يصدق ونفذنا الفكرة على الطرق العامة أيضاً. وجاء ذلك الابتكار في مرحلة نعاني فيها من نقص في التمويل المخصص لصيانة المرافق العامة. ولا يسعني أن أقول سوى أن قيمة الحياة ترتفع دائماً الأمر الذي يتطلب منا إتباع أساليب إبداعية.
وعندما تحتاج إلى إتباع منهج الإبداع المتجدد، فعليك إيجاد المشكلة التي ترغب في إيجاد حلول لها وإطلاق العنان لمخيلتك بأنك قد تكون الوحيد القادر على إيجاد الحل لهذه المشكلة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 24, 2014

Tags from the story