أهمية الحوكمة المالية للشركات العائلية

الحوكمة

إن وجود نظام شامل للحوكمة المالية هو بمثابة أداة ضرورية للشركات العائلية لإدارة ثرواتها بفعالية. ويمكن النظر إليها كأحد عناصر الربط بين الحوكمة العائلية وحوكمة الشركات حيث تتضمن إجراءات لكل من ثروات الشركات والثروات الخاصة. فبالأخذ في عين الإعتبار البنية متعددة الطبقات التي يتطلبها نظام مثل هذا، فلا يكون  من المستغرب مدى صعوبة إقامة حوكمة مالية فعالة في شركة عائلية. يوضّح كل من غريغور إمفيلد، مدير علاقات أعلى في مكتب بيكتيه آند سي للعائلة،  وآلارد لوغارد، المسؤول الإقليمي ونائب الرئيس في بيكتيه لإدارة الثروات، كيف يمكن للحوكمة المالية مساعدة العائلة على إدارة ثروتها وما هي الاعتبارات الخاصة بالشركات العائلية في الشرق الأوسط.

عادةً ما تمثّل مستويات الثراء الضخمة في الشركات العائلية صعوبة في إدارتها على نحو يرضي كافة أفراد العائلة بالتساوي. ولهذا يتحتم على العائلات الثرية معادلة الأهداف المالية وإقامة نظام مناسب.

تمثل الشؤون المالية والشؤون التجارية اثنتين من أهم مكوّنات الثروة في العائلات. وبينما يبدأ تكوين الثروة في معظم الحالات من الأصول التجارية، فإن الحفاظ على الثروة يتحقق بصفة عامة من خلال إدارة الأصول المالية. ومع ذلك يعمل كلا النوعين من الأصول بطريقة مختلفة، ولكل منهما سماته الخاصة التي تميزه. ونتيجة لهذا، يجب أن يكون لكل منهما نظام حوكمة مختلف.

من الضروري أن يتضمن نظام حوكمة العائلة نظام لحوكمة مجالس العائلة و/أو مجالس الإدارة، سوف يعمل هذا على معالجة كل من الحوكمة المالية وحوكمة الشركات. بينما يتم التعامل مع حوكمة الشركات غالباً كأولوية، تظل الحوكمة المالية مهملة من قبل الكثيرين. وفي هذا الشأن، كثيراً ما يسمع المستشارون تعليق قادة الشركات بأنهم مشغولون بدرجة كبيرة تمنعهم من متابعة جميع استثماراتهم وقراراتهم المالية. وكثيراً ما يصدر هذا التعليق من روّاد أعمال ما زالوا مشاركين بكثافة في إدارة العمليات والإجراءات اليومية لشركاتهم. ويوضح هذا أن الشركات العائلية الناجحة تجد نفسها أمام مهمة إدارة الثروة لكن مع ضيق الوقت وأحياناً القليل من الاهتمام والعناية المخصصة لهذا الجانب.

يقتضي تطوير نظام حوكمة مالية ناجح بأن يكون هناك نظام حوكمة عائلية موجود بالفعل ويعمل بفعالية. من الأهمية بمكان وضع استراتيجية للعائلة مفصّلة تحدد القيم والأهداف المرتبطة بخطة شركة العائلة، حيث تتوفر فيها المعلومات اللازمة والتي يجب توافرها قبل وضع سياسة استثمارية والتي يجب أن تحوّل أهداف العائلة إلى أهداف مالية. تعتمد أهداف العائلة على موقف العائلة ومكانها في دورة الثروة، بمعنى ما إذا كانت في طور تكوين الثروة أم الحفاظ عليها. إحدى المزايا الرئيسية للعائلات الثرية هي إمكانية وضع أهدافها المالية عبر عدة أجيال. وبهذه الطريقة يمكن التعامل مع الاضطرابات المالية وفترات عدم الاستقرار المتزايد في السوق وتحمّلها على نحو أفضل. ومن شأن هذه السمة المميزة أن تحدّد خيارات فئات الأصول. يوضح الشكل رقم 1 كيف ترتبط الحوكمة العائلية وحوكمة الشركات والحوكمة المالية ببعضها البعض من أجل القيام بوظائف الحفاظ على الثروة وإدارتها وتنميتها.

تتيح بنية الحوكمة المالية وضع إرشادات ومبادئ توجيهية رسمية سوف توجّه لجنة الاستثمار. يتم تشكيل لجنة الاستثمار للإشراف على الحوكمة المالية للعائلة وهي إحدى الأدوات المهمة لنظام الحوكمة المالية. وتوفر علاوة على ذلك الفرصة لاستيعاب ثقافة العائلة وديناميكياتها مع إتاحة الوقت كذلك للتفاعل فيما بين أفراد العائلة. والأهم من ذلك إنه يجب عليها توحيد العائلة فيما يتعلق بالتوقعات المالية وبالتالي يجب أن ينتج عنها الحل الأنسب الذي يتم وضعه خصيصاً للعائلة لتعمل به لفترة طويلة.

يكون لدى العائلات بصورة عامة أكثر من مدير للأصول أو مصرفي خاص، ويختلف دور لجنة الاستثمار ما بين اتباع طريقة الشركة إلى اتباع طريقة المصرف الخاص. تعتمد طريقة الشركة على مبدأ التفويض والذي يتطلب بناء على ذلك وجود لجنة استثمار قوية، بينما تقدم طريقة المصرف الخاص المزيد من المرونة والتخصيص مع المزيد من المسؤولية المهيمنة للعائلة.

بعد وضع سياسة استثمار والاتفاق عليها، يمكن عندها الشروع في التنفيذ، بداية من طلب الحصول على طلبات العروض وصولاً إلى تطوير أدوات لإعداد التقارير. بمجرد بدء الاستثمارات تحت إشراف نظام حوكمة مالية تم وضعه بعناية، يصبح النشاط الأساسي للجان الاستثمار متابعة المدراء المختلفين فيما يتعلق بالمخاطر والإشارادات الاستثمارية والإشراف وتقييمات السوق. يفترض من نظام الحوكمة المالية الدقيق التمكن من إدارة المحافظ المالية للعائلة بفعالية وشفافية.

ومع تطور دورة الثروة، تتزايد أهمية الثروة المالية والاعتماد عليها. إن وضع نظام حوكمة مالية ملائم يعتبر ضرورة للنجاح في تحقيق الأهداف المالية وضمان سلاسة ويسر الانتقال إلى الجيل التالي من العائلة. فيقوم هذا النظام بتجهيز شباب العائلة للقيام بأدوارهم المستقبلية وتحمل المسؤوليات المتزايدة في عالم إدارة الأصول المالية. يوفر هذا النظام بالإضافة إلى ما سبق الفرصة لإقامة علاقة قوامها الثقة على المدى الطويل مع المستشارين الخارجيين.

اعتبارات خاصة بالحوكمة المالية للشركات العائلية في الشرق الأوسط

يجب على الشركات العائلية إدراك أهمية الحوكمة المالية ووظائفها الأساسية. ومع ذلك، يجب في الوقت ذاته وضع السياق المؤسسي والظروف الاجتماعية والاقتصادية في الاعتبار بالنسبة للشركات العائلية التي تقوم بتحديد أهدافها المالية. وبالتالي، فعند التحدث عن إقامة مثل هذه النظم في العائلات الشرق أأوسطية، يجوز إلقاء نظرة عن قرب على التداعيات والاعتبارات المتعلقة بالوسط الخاص بها.

ترتبط الثروة الشركة والثروة الخاصة مع بعضهما البعض ارتباطًا وثيقاً في الشركات العائلية. وكثيراً ما نجد أن العائلات الناجحة هي تلك التي تمكنت من فصل أصول الشركة عن الأصول الخاصة. وسوف يدلّ مدى تمكّن شركة عائلية من القيام بعملية الفصل هذه على مستوى الاحترافية في داخل الشركة. بدأت الشركات العائلية الكبرى في الشرق الأوسط منذ عدة سنوات في التحول إلى شركات أكثر تطوراً فيما يتعلق بتنظيم أصول شركاتها  بالإضافة إلى أصولها الخاصة وإدارتها للمخاطر وتنويع أنشطتها. ومع ذلك، هناك اعتبارات لا يمكن تجاهلها عندما تضع العائلات نظم الحوكمة المالية الخاصة بها، هذه الاعتبارات يفرضها السياق المؤسسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعمل به الشركات العائلية من ناحية، وتفرضها السمات الخاصة بالعائلة من الناحية الأخرى:

  • الكيانات العائلية: يزداد تعقيد التركيبة العائلية في الشرق الأوسط بسبب أعداد أفراد العائلة والفئات العمرية المختلفة الموجودة بالعائلة الواحدة. وغالباً ما يصل عدد أفراد العائلة إلى حاجز المائة أو يزيد مع وصولها للجيل الثالث (اتحاد أبناء العمومة). ومن السهل تخيل عدد الآراء والتوجهات المختلفة التي يجب مراعاتها في الأهداف المالية في ظل تركيبة مثل هذه. إن الاستعداد لاستقبال عدد كبير من أفراد الجيل القادم أمر مهم يجب مراعاته عند وضع نظام الحوكمة المالية.
  • أطر العمل القانونية: يجب أن تكون نظم الحوكمة المالية في دول الشرق الأوسط متوافقة ومراعية لأحكام الشريعة المعمول بها. ففي حالات الميراث، قد يفرض النظام القانوني للدولة طريقة لتوزيع الثروة في داخل العائلة تختلف عن الطريقة العادلة من وجهة نظر أفراد العائلة. يجب على نظام الحوكمة المالية بالتعاون مع الحوكمة العائلية أن يحدد من البداية كيفية توزيع الثروة في حالة وفاة أحد أفراد العائلة.
  • المزج بين الأصول: يُعرف عن العائلات في الشرق الأوسط تنويعها لاستثماراتها الخاصة والمتعلقة بالشركة على الصعيد الإقليمي والعالمي على حد سواء. مثل هذه القرارات المالية يصحبها تحديات إضافية معينة: يجب على الكثير من العائلات مراعاة القواعد والتشريعات المتعلقة بشراء -على سبيل المثال- الأصول الثابتة بالخارج (مثل العقارات في الدول المختلفة). يكمن التحدي هنا في التشريعات القانونية والمالية المختلفة. غالباً ما يتم التعامل مع هذا على نحو جيد في حالة استثمار الشركة، ومع ذلك، يجب على العائلات عدم تجاهل ضرورة إظهار نفس العناية والاهتمام عندما يتعلق الأمر بثرواتها الخاصة.
  • المسؤوليات: لا يمكن تجاهل الديون عند التحدث عن ثروة الشركة. فقد تتحول الاستثمارات الخاصة إلى إلتزام عندما تشتري العائلات أصولاً ثابتة تصحبها التزامات مالية (مثل الرهون). لا يجب على العائلات التفكير في كيفية تنويع أصولها وتنظيمها فحسب وإنما يجب عليها كذلك مراعاة إلى أي مدى تمثل هذه الأصول عائقاً بالنسبة لها.
  • الأزمات السياسية والاقتصادية: بالطبع، يجب مراعاة العوامل التي تخرج عن نطاق سيطرة العائلة مثل عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية عند وضع نظام الحوكمة المالية. على سبيل المثال، الأزمة الأخيرة في قطاع المصارف تسببت في أزمة ثقة كبيرة، واشتدت معاناة الشركات التي لم تكن مستعدة لمثل هذا التحول المفاجئ في المؤسسات المحيطة بها.
  • البيئة المؤسسية: اعتماداً على مرحلة نشأتها في مواطنها الأصلية وما شهدته من نمو مؤخراً، فقد تواجه العائلات الشرق أوسطية مشكلة محدودية الدعم المؤسسي للحصول على التمويل. عندما تسوء ظروف الشركات ويصبح التمويل المصرفي مشكلة حقيقية، يجب على العائلات أن تكون مستعدة للاعتماد على صناديقها المالية الخاصة لتمويل أنشطتها وشركاتها. ومرة أخرى تتضح قوة الرابط بين الثروة الخاصة وثروة الشركات للشركات العائلية وبالتالي أهمية تنظيم كل منهما من خلال نظام حوكمة مالية واضح.
  • إدارة المخاطر: لا يختلف غالباً موقف العائلة من المخاطر في حالة إدارة الثروة الخاصة وثروة الشركة. على مدار السنوات القليلة الماضية كان هناك الكثير من الإحباطات فيما يتعلق بالعائدات الاستثمارية غي كل من جانب الشركة والجانب الخاص على حد سواء. إن وجود موقف محافظ مقروناً بالتخطيط الحذر لكل من الثروة الخاصة وثروة الشركة يمكن أن يعود بالنفع على رخاء الشركة والأهم من ذلك استقرار العائلة.

تفكر العديد من الشركات العائلية في الشرق الأوسط في هذه المشكلات وتدرس بعناية الفرص وتبعاتها. كما أن هناك إدراك لأبعاد الموقف وشعور بضرورة المسارعة بمواجهة الأمر. اتخذت بعض الشركات إجراءات تخطيط معقدة ومن خلال وضع نظم حوكمة مالية سوف يمكنها التعامل مع التحديات التي تنتج عن الوسط الذي تعمل به أو من داخل أنظمتها وهياكلها. كما تضع هذه الشركات سياسات ومجالس للاستثمار. وهناك شركات عائلية أخرى تنمو لتصبح كبيرة بدرجة تجعلها تؤسس مكاتب عائلة منفصلة لإدارة ثرواتها وتوزيعها. وهناك أيضاً شركات تقرر العمل مع عدد محدد من المصارف ومستشاريهم. إن اختيار المستشارين المناسبين مسألة يجب على العائلة استثمار الكثير من الوقت لدراستها نظراً لأهمية أدوارهم في نجاح الأهداف المالية. وللأسف، ما زال هناك الكثير من الشركات العائلية التي لم تتعامل مع مسألة الحوكمة المالية على الإطلاق.

في ظل الاضطراب المالي الحالي، تفضّل الكثير من العائلات الحصول على مساعدة لاستكشاف فرص مالية جديدة. قد تكون الأصول المالية على درجة كبيرة من التعقيد لكن أحياناً ما تبدو أكثر تعقيداً مما هي عليه حقيقة. إلا أن هناك قاعدة ذهبية تنص على تبسيط الأمور قدر الإمكان والرجوع باستمرار إلى الأساسيات. إن مزايا الحوكمة المالية متعددة وكثيرة ولكن أهم ما يميّزها  أنها توفّر راحة البال للشركات العائلية في المقام الأول. والأهم من ذلك، نتيجة التوازن بين اعتبارات الشركات والاعتبارات الخاصة سوف تبدو منطقية دائماً لكل أفراد العائلة. يجب النظر إلى الحوكمة المالية كأحد المكونات المهمة لاستدامة الشركة العائلية واستمرارها عبر الأجيال القادمة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 14, 2012

Tags from the story