التركيز يفوق التنوّع – Booz

ضرورة تحديد الشركات العائلية لإمكانياتها الأساسية

تنتشر في دول مجلس التعاون الخليجي العديد من الشركات العائلية متنوعة الأنشطة والتي عادة ما تشتمل على وحدات في أكثر من عشرة مجالات غير مرتبطة تحت بنية قابضة واحدة. بالرغم من أن استراتيجية النمو هذه كانت قابلة للتطبيق فيما مضى، قد تواجه الشركات العائلية في الخليج الآن مهمة التعامل مع الانفصال والاندماج. يتناول أحمد يوسف الشريك في شركة”بوز أند كومباني” للاستشارات الإدارية” النقاط المتعلقة بالتقييم الذاتي للعائلات التي ترغب في معرفة كيفية الاستمرار ويقدّم توصيات حول كيفية التعامل مع التنوع واستعادة التركيز.

أحمد يوسف، شريك، بوز أند كومباني” للاستشارات الإدارية

تاريخياً، قامت العائلات الثرية في دول مجلس التعاون الخليجي بتطوير مجالات أنشطة متنوعة لأسباب متعددة منها توافر رأس المال والتمتع بالمواهب الإدارية مما أتاح إمكانية التنوع، بالاضافة الى الطبيعة المنغلقة للأسواق المحلية -التي حدت من المنافسة وحالت دون إمكانية النمو للشركات الموجودة- التي جعلت من الضروري الدخول في مجالات جديدة تكون عادةً غير مرتبطة بالنشاط الأصلي لشركة العائلة من أجل مواصلة النمو وزيادة الثروات. تنويع الأنشطة بغرض التنوع في حد ذاته كان استراتيجية أعمال صائبة .و أوضحت دراسة  أجرتها “بوز آند كومباني” في 2009 على 25 شركة عائلية في دول مجلس التعاون الخليجي مدى انتشار هذه الاستراتيجية، فأظهرت النتائج أن نصف العائلات تقريباً كانت تعمل في خمس قطاعات أو أكثر، ومثلها تقريباً (40%) كانت متواجدة في ثلاث أو أربع قطاعات، بينما 12% فقط كان لها نشاط في قطاعين أو أقل.

بوز booz

لكن سرعان ما تتغير بيئة الأعمال المُشجعة لإستراتيجية التنوع في الدول الخليجية، وهو ما يفرض على العائلات إعادة النظر في كيفية إدارة شركاتهم لإضفاء مزيد من التركيز على توسيع وتنويع نطاق الأعمال. فالمنافسة أكثر حدة مع المنافسين المحليين والعالميين الذين لديهم الآن إمكانية الوصول إلى رؤوس الأموال والمواهب والأسواق المحلية. في الوقت ذاته، أصبح العملاء من الشركات والأفراد أكثر تطلباً و تطوراً من أي وقت مضى مما يحتّم حصول الشركات العائلية على خبرات كبيرة واستجابة سريعة لخدمة عملائها والاحتفاظ بهم. وفي النهاية، يتوقّع  الخبراء الماليون شفافية أكبر ومزيد من التحليل للشركات العائلية القابضة قبل توسيع نطاق رأس المال أو الائتمان، وهو الإجراء الذي يعتبر تحول صعب لتلك العائلات التي اعتادت  حجب دفاترها وإبقاءها مسألة شديدة الخصوصية.

ببساطة، لا يمكن الإبقاء علي الأسلوب القديم في إدارة مجموعة أنشطة متنوعة في دول مجلس التعاون الخليجي، فالعائلات بحاجة إلى تطوير وسائل إدارة أعمالها. ولكي تختار الطريق الصحيح وتمضي قدماً، عليها التعامل مع ثلاث مشكلات رئيسية:

استيعاب الأمور المالية.  قامت العائلات على مدار سنوات طويلة بالربط بين شركات عديدة للغاية بحيث يصعب معه التفريق بين الشركات المزدهرة من تلك التي تصارع للبقاء. لكن يعتبر الكشف عن الأمور المالية لكل وحدة أعمال و الفصل بينها على درجة كبيرة من الأهمية. فعند توافر رؤوس الأموال ووقت الإدارة، يمكن فرض التنظيم على أي شركة طالما أن عائداتها تفوق تكلفة رأس المال، أو حتى إذا كانت الإدارة واثقة أنها سوف تزيد عليها. ومع ذلك، عند زيادة تكاليف رأس المال وتراجع قدرة الإدارة جراء توزعها على الأنشطة المتنوعة، يجب على المؤسسات العائلية التركيز على الاستخدام الأفضل الممكن لكل من رأس المال والوقت. و يعني هذا عادةً التخلي عن بعض أنشطتها التقليدية أو تخصيص موارد مالية أقل لها، وهذا إجراء قد يكون صعباً إذا كان المؤسس -على سبيل المثال- مرتبط عاطفياً بالشركة الأصلية التي لا تحقق النتائج المرجوة. وبالرغم من هذا، سيتحتم على كل شركة إجراء تقييم استراتيجي ومالي صريح لكل وحدة أعمال بداخلها حتى يتم ترسيخ أعمال الشركة العائلية على أرضية ثابتة.

تحديد الإمكانيات: بمجرد تكوين العائلات لصورة واضحة عن الأمور المالية للشركة ستتمكن من تحديد و تمييز نقاط تفوقها. وفي سبيل تحقيق النجاح المرجوّ، يجب على العائلة تحديد ما تتفوق في القيام به ثم التركيز على الاستفادة من هذه الإمكانيات المميزة. إجمالاً، تكون الإمكانيات عبارة عن ترابط قوي يجمع الموظفين والمعرفة والأجهزة والأدوات والعمليات التي تشكّل الأنظمة التي تعمل لتقديم قيمة مميزة للعملاء. على سبيل المثال، قد تدرك إحدى العائلات تفوقها في تقديم خدمات البيع بالتجزئة، أو إدارة الشركات التي تتطلب رأس مال عامل منخفض. بمجرد تحديد هذه الإمكانيات، سيصبح لدى العائلة مخطط لكيفية تنمية الشركة، أي الأعمال التي يجب تركيز مواردها عليها وأيها تتخلى عنها. بمرور الوقت، توجد هذه العملية ما يسمى بـ”الترابط”، وهو ربط الإمكانيات والمنتجات والخدمات والإجراءات لتحقيق قيمة في جميع الأسواق.

تحديد طبيعة العائلة. أخيراً، يجب على العائلة القيام بعملية بحث عن الذات لمعرفة تطلعاتها وفلسفتها. كيف تتطور العائلة مع نشأة الجيلين الثالث والرابع؟ ما هو تصور شباب العائلة لكيفية مشاركتهم في الشركة؟ هل توجد شركة العائلة ترابطاً بين أفرادها أم هي مصدر للخلافات والنزاعات؟ تشعر بعض العائلات بالقلق تجاه ارتباط هويتها ككل بالشركة ارتباطًا وثيقًا مما قد يعرّض وحدة العائلة للخطر في حالة حدوث أي تغيير، لكن الأمر ليس هكذا بالضرورة. حتى إذا تم تقسيم الشركات القابضة التابعة لمجموعة العائلة إلى أجزاء مستقلة موزّعة بين أفرادها، يبقى بإمكان كل فرع الاحتفاظ بأسهم ومقاعد في مجالس إدارات الشركات الأخرى للحفاظ على الروابط وعلى الشعور بوحدة الغاية والمصلحة المشتركة.

وماذا بعد؟

بعد التعامل مع هذه المسائل العامة، يفترض حصول العائلة على البيانات المطلوبة، كما يفترض تكوينها لرؤية عامة حول نقاط تميزها وتطلعاتها من أجل اختيار مسارها الاستراتيجي الذي ستمضي فيه؛ هناك ثلاثة خيارات رئيسية.

تصنيف القدرات والتركيز على الإمكانيات. إذا كان هناك شركات تمكّنها قدراتها من النجاح  – بمعنى إمكانية مشاركتها في أي أسواق تنافسية وتمتعها بفرصة كبيرة- استناداً على الإمكانيات التي رصدتها العائلة، فالاختيار الأمثل للسوق يتمثل في التركيز على هذه الشركات وتعزيز هذه الإمكانيات والقدرات والتخلي عن الفروع الأخرى. لكن غالبًا ما تكون إجراءات التخلي عن أحد الفروع صعبة في الشركات العائلية، فقد يكون هناك رابط عاطفي يجمع بين بعض أفراد العائلة وشركات معينة، وقد يكون ذلك الرابط عملياً لدى البعض الآخر إذا كانوا يعملون في هذه الشركات. هنا تتضح بصفة خاصة أهمية التحليل الدقيق الذي يدعم استراتيجية أساسها الإمكانيات حيث يقدّم هذا التحليل إجراءات الاستبعاد كإستراتيجية تعود بالنفع على العائلة ككل وليس الغرض منها مهاجمة فرع معين.

استحداث الاستقلالية. هناك خيار آخر يتمثل في فصل الشركة العائلية إلى وحدات أصغر أكثر استقلالية تتم إدارتها بواسطة أفرع مختلفة من العائلة. توفق هذه الاستراتيجية بين خبرات أفراد من العائلة ووحدات الأعمال وتتيح لهم إمكانية السعي لتحقيق عائدات أعلى بدون التقيّد بوحدات أخرى لها أولويات مختلفة. ومع ذلك، تطرح هذه الطريقة تساؤلات  صعبة منها: كيفية تقسيم وتقييم وحدات الأعمال، وكيفية تعزيز الملكية بين الأفرع المختلفة من العائلة، وكيفية ايجاد طريقة لتحمل المسؤولية. إذا اختارت العائلة إنشاء هذه الوحدات المستقلة يصبح بوسعها الحفاظ على الترابط بواسطة تقسيم حصة الأقلية بين أفراد العائلة الذين لم يعد لهم دور مباشر في الشركة، أو مطالبة ملاك حصص الأقلية بالتواجد في مجالس إدارات الشركات الأخرى. تعدّ جميع هذه الاستراتيجيات منطقية وسليمة طالما أن كل فرع من العائلة يتحمل مسؤولية أداء الوحدة التابعة له.

الإبقاء على المجموعة. في النهاية، قد تقرر العائلة بالنظر إلى إمكانياتها وتطلعاتها ضرورة تجميع الأعمال سوياً. فعلى سبيل المثال إذا كانت الشركات العائلية تتميز بالقدرة على إدارة الشركات ذات العمالة المنخفضة، فمن المنطقي أن تقوم الشركة العائلية بتجميع هذه الوحدات الصغيرة التي تبدو غير مترابطة في الظاهر. ومع ذلك، من الضروري  ملاحظة أن نموذج المجموعة نفسه قائم على استراتيجية أساسها الإمكانيات وهو ما قد يخفى على الشخص العادي. في عصر يشهد تزايد تحديد وتضييق التخصصات، ستحتاج هذه العائلات إلى تقديم أفضل الممارسات التي تساعدها على استيعاب حافظة أعمالها على نحو أفضل من خلال تعاملات مالية أكثر شفافية، وإدارتها بكفاءة أكبر وفقًا للإمكانيات والترابط، بالإضافة الى إقرار حوكمة العائلة لضمان كفاءة وفعالية التفويض والفصل بين الأنشطة سواء كانت متعلقة أو غير متعلقة بالشركة والاستعداد للخلافة.

أخيرًا، لا توجد إجابة خاطئة فيما يتعلّق بالطريقة التي يجب على العائلات اتباعها لتصميم استراتيجياتها، لكن تعتمد نسبة النجاح على التقييم الذاتي الدقيق والرغبة في التطور. وفي النهاية، قد تقرر العائلة استمرار العمل وفقاً لهيكل مجموعتها الحالي طالما توجد مجموعة واضحة من الإمكانيات التي تدعم هذه الاستراتيجية. لكن النقطة المهمة التي يجب استيعابها أن التنوع من أجل التنوع في حد ذاته لم يعد استراتيجية أعمال مقبولة في دول مجلس التعاون الخليجي. إن التركيز والخبرات هي أدوات الشركات العائلية للنجاح في بيئة الأعمال الجديدة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 10, 2011

Tags from the story