شركة عائلية تتجه للخارج: قصة الزامل للحديد

الزامل

تعد الاستثمارات فيما بين الدول العربية نادرة ونموها بطيء نسبيًا مقارنة بنمو إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المنطقة. لكن، بالنظر إلى الأمر عن قرب، نرى أن هناك استثمارات بين الدول العربية وأنها قد قدمت العديد من قصص النجاح. عبد الله بن محمد الزامل، الرئيس التنفيذي لشركة الزامل للاستثمارات الصناعية بالمملكة العربية السعودية، يحدثنا عن قصة إنشاء شركة الزامل للحديد بالسعودية لمصنع في مصر وفي خلال عقد من الزمن تحول إلى أحد أكثر مصانعها قدرة على المنافسة.
عندما أتحكم في سيارتي كلية، أعرف أنني لا أسرع بالقدر الكافي” ماريو أندريتي، سائق بسباقات ناسكار.

الزاملقصة الزامل للحديد

نظرة عامة على الاستثمار بالخارج

الاستثمار خارج الحدود تبدو فكرة مغرية للشركات التي وصلت إلى حجم معين في أسواقها المحلية. غالبًا ما تكون الفكرة أن يتم تحويل نشاط تقوم به الشركة بالفعل في دولتها إلى نشاط دولي لها بالخارج، أو تلوح فرصة جديدة تمامًا في سوق أجنبي ومن ثم يتم البدء في الاستثمار. قرار توسعة العمل إلى خارج حدود الدولة لا يتطلب فقط معرفة واسعة بالأسواق الجديدة؛ بل يتطلب أولا وفي المقام الأول دراسة دقيقة لمكانة الشركة في السوق المحلي بالإضافة إلى وضعها العام. هناك العديد من العوامل المهيمنة التي ستؤثر على أي قرار تتخذه شركة بشأن العمل في دول أخرى

قد تختلف أهمية هذه العوامل الحاسمة من شركة لأخرى وقد تعتمد كذلك على القرب الجغرافي من السوق الجديد. لكن، وعلى الرغم من مدى استعداد الشركة للقيام باستثمارات خارجية، فالتطبيق الفعلي وفترة ما بعد الشروع في الاستثمار يمكن أن تشتمل على العديد من المفاجآت والتي تتطلب مرونة وتعديل للاستراتيجية.

…نبذة عنا

يعمل في شركتنا الزامل للاستثمار الصناعي “الزامل للصناعات” بالسعودية أكثر من 10000 شخص في 55 دولة. ومن الشركات الرئيسية بالمجموعة شركة الزامل لصناعات الحديد والتي أُنشئت عام 1977. حاليًا، الزامل للحديد شركة رائدة عالميًا في مجال تصنيع المباني الحديدية الجاهزة والمورد الأول في الشرق الأوسط للمنتجات الحديدية الإنشائية ومعدات المعالجة وأبراج نقل الطاقة والاتصالات وشبكات الحديد المتصلة والمنصات الحديدية للأسقف والأرضيات.

تنتج شركة الزامل للحديد أكثر من 500000 طن من الحديد المصنع سنويًا للمباني الحديدية متعددة الطوابق وذات الطابق الواحد وكذلك هياكل تستخدم في تطبيقات مختلفة في المجال الصناعي والتجاري والزراعي والعسكري والطيران والترفيه وفي تدعيم البنية التحتية والمشروعات التنموية. تُباع منتجاتنا في أكثر من 90 دولة من خلال شبكة دولية من مكاتب المبيعات والتمثيل والمقاولون المعتمدون و الوكلاء والموزعون.

المصانع الرئيسية لشركة الزامل للحديد تتواجد في الدمام بالمملكة العربية السعودية. كما تتواجد منشآت أخرى في مصر وفيتنام والهند ورأس الخيمة ( الإمارات العربية المتحدة). يعمل أكثر من 600 مهندس في الأقسام الهندسية في المملكة العربية السعودية ومصر وفيتنام والهند.

هذه هي الحقائق، كما يمكن رؤيتها في الوقت الحاضر. ومع ذلك لم يكن الأمر كذلك من أكثر من عقد مضى بقليل عندما كنا نتواجد بشكل كبير في المملكة العربية السعودية وبدأنا فقط في ضخ استثمارات أجنبية مباشرة في مصر وفيتنام.

…خلفية عامة

كانت مصر ومازالت مدخل استراتيجي بالنسبة لنا ولم نكن أول من يبحث عن مثل هذا التوسع؛ فهناك شركات أخرى مثل الخرافي من الكويت كانوا قد نجحوا بالفعل في العمل في الوقت الذي كنا ما نزال ندرس فيه السوق المصري. لكننا قمنا بذلك ونحن نهدف إلى تمهيد الطريق لمستثمرين آخرين أجانب.

مع نهاية التسعينيات، كانت مصر تعمل على توحيد قوانينها وتشريعاتها الخاصة بالاستثمارات الأجنبية. كان الطريق المستقبلي الذي تسير فيه البلد شديد الوضوح والالتزام. ومع ذلك، فقد كنا نعلم أننا لو انتظرنا حتى يتم تطبيق القوانين فإننا سنفقد فرصة أن نكون رواد الصناعة في السوق والاستفادة من تميزنا التنافسي.

في المعتاد، ستقضي شركة تبدأ في العمل في دولة أخرى وقتًا في دراسة العوامل المذكورة آنفًا وتقييم المخاطر والمزايا. لكن، عندما قررنا العمل في فيتنام ومصر، كان التوقيت في أغلب الأحيان هو أهم العوامل. لم تكن فيتنام قد التحقت بمجموعة الآسيان (اتحاد دول جنوب شرق آسيا) والسوق العربية المفتوحة لم تكن قد بدأت. كنا نعلم بشأن هذه التطورات مسبقًا وقررنا أن نبدأ في العمل انتظارًا لحدوثها. خططنا العمليات التشغيلية في مصر بطريقة ستجعلنا نلبي احتياجات السوق المحلي والأسواق المجاورة عندما يحين الوقت الملائم. رأينا الفرصة وكنا على استعداد لمواجهة ما تنطوي عليه من مخاطرة. في عام 1999 بدأنا العمليات التشغيلية في مدينة السادس من أكتوبر التابعة لمحافظة القاهرة. بدء العمل في دولة عربية وبوصفنا مستثمرين عرب، لم يعني أن تنفيذ العمل كان سهلا بأية حال. إلا أن الأمر اشتمل بالفعل على مزايا معينة.

zZSE-Plant-2

…ميزتنا التنافسية

كان الوقت في صالحنا، لكننا ما كنا لنقدم على هذه المخاطرة دون أن ندرك وبعمق مزايانا التنافسية القوية:
أولا، يوجد بالمملكة العربية السعودية أعداد كبيرة من المغتربين المصريين، لذا فقد كانت علامتنا التجارية معروفة بالفعل للكثيرين، وهذا ما شعرنا به بقوة عندما دخلنا السوق المصري.
ثانيًا، أدركنا ميزة أن نكون أول من يقدم مفهوم المباني الجاهزة في مصر. كان ذلك رائعًا، حيث أننا لم نوجد منافسة مباشرة مع المصانع المحلية لكننا قدمنا ابتكار جديد وخبرة مهنية.
وهناك ميزة أخرى تكمن بالتأكيد في التوسع في دولة تشترك معنا في نفس اللغة وفي الثقافة إلى حد كبير.

…لماذا أقدمنا على ذلك

الاستثمار في دولة عربية أخرى لم يكن بدافع القيام بعمل خيري من جانبنا. بل على العكس، كانت لدينا العديد من الأسباب القوية للتوسع في الدول العربية:
1- امتلكت مصر ولا تزال ثروة من القوى العاملة المؤهلة والمهندسين الذين لديهم الرغبة والطموح ليقودوا وليطوروا من أنفسهم. كانت الاستفادة من هذا التكتل الغني برأس المال البشري هو جوهر استثمارنا وهو ما دعم قرارنا للقيام به في المقام الأول.

2- كان يمثل أيضا إمكانية توفير فرص عمل بشكل أساسي للمصريين وللجنسيات العربية الأخرى، وبالتالي نعزز أحد الأهداف الأساسية للسوق العربي الحر ألا وهو توفير وظائف فرص عمل.

3- كان موقع مصر الجغرافي عاملا حاسمًا آخر في قرارنا. فموقعها له أهمية استراتيجية كبرى حيث أنه يربط بين أفريقيا وأوروبا وبالتالي يمثل محورًا تجاريًا مهمًا.

4- كان قرار إنشاء مصنع في مصر جزءًا من استراتيجية المجموعة ككل للتوسع الجغرافي. كان أحد أول استثماراتنا خارج السعودية وكان بمثابة بالونة اختبار لكل المشروعات الاستثمارية الخارجية في المستقبل.

zZS-Dammam-HQ---Aerial-1

…الصعوبات

واجهنا العديد من العقبات طوال السنوات التي تلت بداية المشروع عام 1999. اضطررنا لزيادة رأس المال مرتين لنغطي خسائرنا، والتي كانت نتيجة لصعوبات بيروقراطية وتشريعية في ذلك الوقت. كنا على دراية بالمخاطر المترتبة على البدء في مشروع في وقت ما تزال فيه التشريعات والإصلاحات طور التعديل وحيث معدل الاستثمارات الأجنبية المباشرة ما زال ينمو ببطء في مصر مقارنة بباقي العالم العربي. لكن، مزايا الاستعداد بوجود بنية تحتية وقوى عاملة عندما يصبح المناخ الاستثماري مشجعًا، تعوض البداية البطيئة.

بعد مرور عقد من الزمان أصبح مصنع الشركة في مصر هو صاحب القدرة التنافسية الأكبر ومن بين أفضل المساهمين في المجموعة.

…توجه ناجح

الاستثمار خارج البلاد ينطوي دائمًا على مخاطرة. واقع ابتعاد المركز الرئيسي لأي شركة وبين فروعها التشغيلية في أسواق أخرى تجعل من الاستثمار الخارجي قرارًا يتطلب أشخاص مناسبين وبالإضافة إلى ذلك خبرة كبيرة بالسوق. تعريض العلامة التجارية للشركة إلى احتمالية الفشل في سوق أجنبي ليس بقرار يمكن التعامل معه باستخفاف، خاصة بالنسبة للعائلات التي تدير شركات تتمتع بشهرة إقليمية. وعلى الرغم من ذلك فعند مرحلة ما يتم تسليط الضوء على الصورة الشاملة وأخذها بعين الاعتبار، يصبح التوسع الجغرافي في النهاية جزءًا من استراتيجية أي شركة إذا كانت عملياتها التشغيلية وأنشطتها تغطي احتياجات وطلبات عالمية.

ينطوي إيجاد تدفقات للاستثمارات الأجنبية المباشرة بين الدول العديد من المزايا. ولا ينطبق هذا على المشاركين من الأفراد، بل يشمل كذلك الدول ككل؛ فما توجده من قنوات اقتصادية واعتماد اقتصادي متبادل يكون لها تأثير على استقرار العلاقات بين الدول.

يتعلق الأمر بإيجاد توازن بين ما تربحه وما تعطيه في المقابل. توفير فرص عمل للسكان المحليين في الدولة التي تستثمر فيها يجب أن يكون هدفًا استراتيجيًا حتى يمكن اعتبار الاستثمار خارج حدود الدولة عملية ناحجة ومستدامة. لقد علمتنا الخبرة أن الرؤية للمدى البعيد هي التي تسمح بالاستفادة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين الدول العربية. ربما لا نجني ثمار استثمارنا بنفس السرعة التي كان يمكن تحقيقها في حالة الاستثمار في مكان آخر، لكن عن طريق إظهار التزام ليس تجاه استثمارنا فحسب بل تجاه المجتمع المصري كذلك، أصبح استثمارنا الآن مستقرًا ومستدامًا.

في الوقت الحاضر، تصدر الزامل للصناعات إلى أكثر من 90 سوق حيث تأتي أكثر من 30% من عائداتها من خارج المملكة العربية السعودية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 7, 2010

Tags from the story