فهم طبيعة الشركات العائلية وكيفية الإبداع فيها

فهم طبيعة الشركات العائلية

يشيد الكثيرون بعنصر الإبداع ولكن فقط القلّة القليلة قادرة على تحقيقه، ولكي نعي كيف بإمكان أعضاء الشركات العائلية أن يصبحوا مبدعون ناجحون، فمن الجوهري أن ندرك ماهية الشركة العائلية بحد ذاتها. من الطبيعي أن تحمل الشركات العائلية في الشرق الأوسط العديد من المزايا التنافسية بسبب المزيج الفريد لمواردها، والثّقة الضمنية الموجودة بين أفرادها المعنيين، بالإضافة إلى رؤيتهم الاستراتيجية طويلة الأمد. أظهرت هذه العائلات ومما لا شك فيه قدرتها على معرفة كيفية الحصول على المال، ولكن يكمن السؤال الحقيقي فيما إذا كانت هذه الشركات قد أوجدت قيمة حقيقية. محمد طاهيري، مهندس يحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة يو سي إل ايه وكليّة آي اي لإدارة الأعمال، ورائد أعمال ومبدع من عائلة طاهيري في المغرب (العاملة في الإستيراد، والصناعة وتوزيع الصنادل البلاستيكية، والعقارات)، يشرح لنا سبب كون  الشركات العائلية مكاناً خصباً وفريداً لظهور الإبداع، كمايشرح كيفية حدوث التغيير  وتحقيق المزايا التنافسية فيها.

كلمة “إبداع” في الإنجليزية مشتقة في الأصل من الكلمة اللاتينية “innovare”، والتي تعني “التجديد أو التغيير”، سنورد في هذه المقالة كيف تقوم الشركات العائلية بفهم وخلق الإبداع، ولماذا هو مهم لإيجاد القيمة ودعم الهدف الجاد.

ميزة الشركات العائلية

عندما يتوجّه أعضاء الشركات العائلية بأنفسهم نحو الإبداع ويقومون بتبنّيه، فإنهم قد لا يعون حقيقة أنهم بالفعل حازوا على ميزة تنافسية هامة فاقت الشركات الأخرى، حيث تواجه الشركات الغير عائلية الكبيرة عقبتين عندما يتعلق الأمر بموضوع الإبداع: الأولى، أن ماضيها يؤثّر بقوة على واقعها الحالي والذي بدوره يؤثر بشدّة على آلية صنع القرار في المستقبل. يمكن شرح ما يختبروه على أنه  نوع من الإتّكال على الماضي الذي بإمكانه أن يمنعهم من انتهاج مسارات جديدة لأنهم يعدّونها مخاطرة. أما الميزة الثانية فهي: بسبب الإتكال الكبيرعلى الماضي، فشلت الشركات الكبيرة بتبني “الإبداع الهدّام” على أنه معارض “للإبداع الداعم” الذي يطوّر المنتجات والخدمات الحالية، حيث يتطلب الإبداع الهدّام اقتراحاً جديداً بالكامل فيما يخصّ القيمة (كطرح منتج جديد أو خدمة لفئة جديدة من الزبائن)، والذي قد لا يكون دائماً مستهدفاً في قسم الزبائن الرئيسي في الشركة، وبالتالي سيكون من الخطورة بمكان تطبيقه في بيئة يحكمها رؤى قصيرة النظر، بالإضافة إلى الضغط المتواصل من حملة الأسهم والسوق المالي.

تسعى الشركات الكبيرة -في محاولة منها لإيجاد حلول لهذه المسائل- إلى البحث عن الإبداع في خارج الشركات، فعلى سبيل المثال، يُنظر إلى شركة “Google” على أنها شركة إبداع رفيعة المستوى، ومع ذلك، فإن أكثر إبداعاتها وإبتكاراتها المذهلة أتت من خارجها، فالشركة تقوم بشراء بعض الشركات الصغيرة المبدعة والتي تحتوي على منتجات وخدمات مبتكرة.

يمكن أن يُقال أن كلتا العقبتين تظهران بواقع أقلّ في الشركات العائلية،  فلا يتحتم على مالكي الشركات العائلية  غالباً الإجابة على مساهمين خارجيين، وبالتالي يسهل عليهم امتلاك رؤى بعيدة المدى. بالإضافة إلى أنه و من خلال عملية دمج الأجيال التي تدير الشركة العائلية فإن مبدأ الإتكال على الماضي قد يتقلّص وبالتالي يمكن أن يصبح من السّهل تطبيق مبدأ الإبداع.

دوافع الإبداع في الشركات العائلية

نستطيع بشكل عام القول بأن نموّ أي شركة يعتمد على وجود وتلازم العوامل الثلاثة التالية:

  • الإبداع
  • التنفيذ السريع
  • الثقة بين الأطراف المعنية

لا يمكن إيجاد عنصر قيمة حقيقياً في الشركة مالم تكن هذه العوامل الثلاثة حاضرة ومتلازمة، فالشركات العائلية عموماً لا تواجه نقاط خلاف كثيرة تتعلق بالثقة بين الأطراف المعنية حيث أنهم معروفون بروابطهم القوية ليس  بين أفراد العائلة فحسب، وإنما أيضا مع مورّديهم وفي مجتمعاتهم. رغم أن العائلات غالباً ما تجد أن إدراك باقي هذه العوامل أمراً صعباً إلى حد ما، فإن هذا يعيدنا تكراراً إلى طريقة التفكير وثقافة الشركة التي سوف تقودها نحو الإبداع.

من أجل تقييم نجاح الشركات العائلية على المستوى المالي، يجب علينا التساؤل فيما إذا كانت العائلة تجني المال فقط أو أنها توجد قيمة أيضاً، وفيما إذا كانت تجني هذه الأموال في أعمال تتناسب مع نسبة المخاطرة المتعلّقة بها. إن الطريقة الوحيدة والتي من خلالها يمكن للشركات العائلية تحقيق عوائد فوق المعدل هي بالتأكّد من تلازم المكونات الثلاثة من إبداع وتنفيذ السريع وثقة. وإذا فشلت الإدارة في تحقيق عوائد تفوق المتوسطة، فسوف يكون حاملي الأسهم أفضل حالاً إذا ما استثمروا في السوق السوق المالي عوضاً عن الإستثمار في الشركة.

التغيير المطلوب

يقال بأن الشركات العائلية في الشرق الأوسط ملتزمة بشكل كبير بطرقها ومتمسكة بعاداتهام وتقاليدها، و قد ساعد هذا معظمها كثيراً من خلال الحذر في التعامل مع المخاطرة، وبالتالي الحفاظ على إدارة ميراث العائلة عبر أجيال متعاقبة. ومع ذلك، فإنه من أجل الإنتقال بالشركة إلى المستوى التالي، ومن أجل القدرة على إدخال وتطبيق مبدأ الإبداع كإستراتيجية، فإن على الشركات العائلية أن تتغير فيما يتعلق بالأمور التالية:

ثقافة الغاية السامية: لسنوات وسنوات تعلمنا أنه يجب علينا وأنه بإمكاننا تحفيز الموظفين، ولكن  ندرك واقعياً أنّنا لا نملك القدرة على تحفيز الآخرين ولكننا  نستطيع إلهامهم. يمكن أن ياتي هذا الإلهام فقط بمشاركة جميع الأفراد المسؤولية نحو تحقيق الغاية السامية عبر جميع مستويات المؤسسة. إن امتلاك رؤية ليس كافياً للتأكيد على أن الشركة العائلية تستطيع أن تعزّز الإبداع، فهي بحاجة لوجود غاية سامية. ولإضفاء المصداقية على هذه الغاية فإن الشركة تتطلب وجود القيادة المناسبة. أقصد بمفهوم الغاية السامية أي تغيير يمكن أن يكون له أثر ايجابي وتأثير عظيم على مجتمعنا، وأن يكون مدعاة فخر لجميع الأطراف المعنية في المساهمة فيه.

طريقة قياس النجاح: إذا كانت الشركة تقيس نجاحها بكمية المال التي قامت بجنيه، فإنها من الممكن أن تقلّل من المخاطرة والتي تكون أحيانا ضرورية للتشجيع على التغيير ولا يمكن للإبداع أن يزدهر بدونها.  إذا كان النجاح، من ناحية أخرى، يحدّد بالقيمة التي توجدها الشركة، فإن العقلية هنا مختلفة تماماً. وفقاً لـ “ستيف جوبس”، الشريك المؤسس ورئيس شركة “Apple”، فإن من أهم العلاقات التي تمرّ في حياتنا هي تلك المرتبطة بالمال، طالما أننا نحتفظ بالمال في المكان المناسب، وطالما أننا نراه كأداة أو سلعة لإنجاز شيء ما، فإننا سنكون قادرين على دفع  عجلة الإبداع وإيجاد قيمة حقيقية.

العلاقة بين المخاطرة والفشل: لسوء الحظ، لا تعتبر الثقافة الشرقية وخصوصاً في الشركات العائلية أن الأخذ بالمخاطرة هو فرصة للتعلم. من المؤكد أن القيام بالمخاطرة الغير ضرورية  أمراً غير مشجع أبداً حيث يتوجّب علينا القيام بواجبنا والتحضير دائماً باجتهاد كافٍ، ومع ذلك، عندما نقدم على المخاطر فإننا نميل لأن نسأل السؤال التالي “ماذا لو فشلت”؟ في حين أنه بدلاً من ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية يجب أن يكون “ما هي كلفة الفشل”؟، إذا كانت تكلفة الفشل منخفضة نسبياً وتأثيرها قصير المدى، فإن على الشركات أن تقدم على المخاطرة على أن يكون أهم شيء تقييم أن عملية الخروج من الفشل يجب أن تكون أسرع من المنافسين الآخرين، فالشركات العائلية يجب أن تبدأ بالتفكير كالمستثمرين الرأسماليين: إذا نجح وأثمر مشروعين من أصل عشرة ما كان مأمولاً منهما من ربح، فإن هذه  نتيجة ممتازة يصبح معها فشل المشاريع الثمانية الأخرى نسبياً.

الحذر في التعامل مع العقود الاجتماعية: صحيح أن هناك بعض العقود الاجتماعية التي تعتبر حقيقة واقعية في أي مجتمع، إلا أنه وفي الثقافة الشرقية ربما لا تزال هذه العقود متزمّتة إلى حد ما أكثر منها في الثقافة الغربية. توقف الكثير من الشركات -على سبيل المثال – إبداعها قليلاً لأنها تشعر أنها لا تملك المصادر والإمكانات للبدء بالعملية المطلوبة. دائماً ما كان يكرّر أستاذي الجامعي “جورج جيس” أنّ “ريادة الأعمال ما هي إلا السعي وراء الفرص التي تفوق الإمكانات التي يملكها الشخص في الوقت الحالي”.  أما  “جورج برناند شو” فقال في هذا السياق ” إن الرجل العاقل يكيف نفسه مع العالم، والذي لا يمتلك العقل يصرّ على المحاولة لتكييف العالم معه، لذلك فإن كل عملية تقدّم تعتمد على الرجل الذي لا عقل له”. يجب على الشركات العائلية أن تحاول الإبتعاد عن تلك العقلية التي تقوم على وجوب إيجاد جميع المصادر قبل المباشرة بتنفيذ المشروع.

ليس الأمر بالإستثمار في البحث والتطوير: يقع العديدون في الخطأ عند قياس الإبداع من خلال ما تستثمره الشركة في عملية البحث والتطوير، فالأمر دائماً يتعلق بالموظفين الذين يعملون في الشركة والطريقة التي تتم إدارتهم بها. اعتادت شركة “IBM” أن تصرف على عملية البحث والتطوير أكثر من شركة “Apple”، ومع ذلك لم تصل بهم هذه العملية إلى حد المنافسة الذي يحتاجونه ليتفوقوا على منافسيهم. لا يجب أن تقتصر عملية الإبداع على منتج أو خدمة جديدة، حيث يمكن أن يظهر الإبداع من أي وظيفة في الشركة مثل التسويق أو التوزيع أو الإنتاج أو المالية.

طريقة تقييم الأداء: في الشركات العائلية في الشرق الأوسط، يتم طرد الموظفون من أعمالهم فقط لأنهم فشلوا بتأدية عملهم، فلا تتمّ تنحية أحدهم لأنه أضاع فرصة أو فشل في إنتاج فكرة عمل جديدة. فإذا كان التفكير المبدع والمتقدم ليس جزءا من تقييم الموظف، فإن خطر الرضا الذاتي وخنق الأفكار الجديدة سوف ينشأ بشكل حتمي. يجب أن تطبق عملية تقييم للأداء جديدة في الشركات العائلية مما سيزيد من قيمة الإبداع.

إذا استطاعت الشركة العائلية تطبيق هذه التغييرات، فإن الطريق نحو إبداع مستدام وإيجاد قيمة يصبح واضحاً، يجب على الشركات إدراك أن التغيير هو العامل الوحيد الثابت في العالم الذي يستطيعون جني المكاسب منه.

كيفية تحفيز الإبداع

عندما تقوم الشركة العائلية بتغيير طريقة تفكيرها لإحداث التغيير، يبقى هناك القليل من الأمور التي تستطيع القيام بها لتحفيز الإبداع والتنفيذ السريع:

التنوع في الموظفين والصناعات: إن توظيف أفراد ذوي خلفيات صناعية مختلفة يمكن أن يحفز الإبداع بشكل كبير. بالفعل، فنحن غالباً ما نرى أن أكبر إبداع في الصناعة “أ” مأخوذ من عمالة ذات خلفية في الصناعة “ب”، وهذا يقودنا لإدراك أن المستقبل بين أيدينا حقاً ولكنه ليس موزّعاً بشكل منتظم. يعني هذا أحياناً أنه إذا أردنا أن نبدع في قطاع السيارات ربما علينا أن ننظر إلى تطوّر الصناعة الدوائية لنستلهم بعض الأفكار منها، حيث كشف بالتجربة أن النتائج يمكن أن تكون مفاجئة.

الشراكة مع الشركات الدولية: من الطرق الأخرى لتحفيز الإبداع في الشركات العائلية الشرق أوسطية، إقامة شراكات مع الشركات الدولية. يجب هنا أن نفرّق بين الشراكة المبنية على الإمتياز وإتفاقيات الوكالة وتلك التي تساهم في نقل وتبادل المعرفة. سوف يتمّ تحفيز الإبداع أثناء الشراكة فقط إذا كان هناك غاية سامية مشتركة بين الطرفين.

الإستثمار في الإبداع: يجب أن تستثمر الشركات العائلية خصوصاً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الإستثمار في الشركات الصغيرة المبدعة. هناك الكثير من الشركات في أوروبا والولايات المتحدة، كما في الشرق الأوسط ذاته، التي يعوزها التمويل وهي تمثل فرصاً عظيمة للإستثمار.

نشر الإبداع: لكي تجعل الإبداع معروفاً، تحتاج الشركة لموظفين ذوي مهارات في العلاقات العامة والتواصل والذين يشاركونهم ذات الهدف، وهذا أمر دقيق للغاية لأن التواصل المطلوب يهدف إلى نشر الإبداع داخل الشركة كما  هو خارجها، لذلك فنحن بحاجة إلى أن نجد موظفين يستطيعون التواصل داخلياً كما هو الحال خارجياً مع الأطراف المعنية.

تخصيص وقت للإبداع: يجب أن نوجد المساحة والوقت للإبداع كي يتحقق. يتوجّب على موظفي شركة “Google”، على سبيل المثال، أن يخصّصوا 20% من وقتهم للأنشطة الإبداعية والتي لا علاقة لها بعملهم اليومي، وهذا الأمر ليس اختيارياً، حيث يجب عليهم أن يخصّصوا ذلك الوقت لإبداع أفكار جديدة. تزيد عملية إشراك الموظفين ودمجهم بهذه الطريقة من فرص الإبداع المستدام.

مراجعة الإجراءات: يجب على الشركة العائلية أن تتأكد من أن إجراءاتها تدفع للإبداع، حيث يجب أن تكون هذه العمليات مرنة وعصرية، وإلا فإنها سوف تمنع من تحقيق الأفكار والفرص الجديدة.

السؤال عن كل شيء: لا يوجد مكان للرضى والإكتفاء في إدارة شركة عائلية أو أي شركة أخرى من وجهة النظر هذه، حيث يجب على العائلة الاستمرار بالسؤال عن ماذا يفعلون وبماذا يؤمنون، وهي من أكثر الأمور الجوهرية في الشركات. هناك غياب كبير لعقلية المساءلة في الشركات العائلية رغم كونها أداة عظيمة لتعزيز الإبداع.

الخاتمة

عند امتلاك شركة ما لطرقة التفكير الإبداعية، فإن هذا لا يضمن أن الابداع سوف يتمّ. فالعديد من المفكرين المبدعين لم يقوموا بتحقيق أي شيء.  فمن أجل إنجاح شركة ما لا نستطيع أن نبقى متبنيين موقف إبداعي، بل يجب أن نصبح منفذين لهذا لإبداع. بعبارة أخرى، يجب تحقيق العامل الثالث ودفع قيمة الإنتاج نحو التنفيذ السريع. ففي النهاية الإبداع والقيمة تأتيان من أداء أعمال عادية بشكل غير اعتيادي.

يستطيع الجيل الشاب  في الشركات العائلية العربية المساهمة بشكل أكبر في استحضار الإبداع والتنفيذ السريع؛ حيث يشكّل هؤلاء في الواقع المفتاح نحو الأفكار والمناهج الجديدة. إن أفراد العائلة من الشباب لا يحملون أعباء الإتكال على الماضي ومن السهل عليهم التساؤل عن الصيغ الحالية في الشركة، فهم لا يخشون تحدّي القيم الجوهرية، الأمر الذي  قد يكون إلى حد ما مفيد. بالتأكيد، يجب أن يكون هؤلاء من حملة الشهادات العليا والأفضل أن يحصلوا على تعليمهم في الغرب، وأن يمتلكوا خبرة خارجية في الأعمال من أجل أن يقنعوا الجيل الأقدم بأفكارهم الجديدة، كما يجب أن يتعلّم أفراد العائلة من الشباب كيفية إدارة مقاومة التغيير.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 12, 2011

Tags from the story