دورة حياة الشركات العائلية

دورة حياة الشركات العائلية

قصة تكوين شركة عائلية قصة فريدة. سيعتمد تفردها على طريقة تفكير العائلة والظروف والاقتصاد بوجه عام وعوامل أخرى تقع في نطاق السيطرة البشرية أو خارجها. هناك، على الرغم من ذلك، أنماط نموذجية يمكن ملاحظتها في تطور الشركات العائلية. الطريقة التي تتطور بها تُظهر في العادة مراحل وتحديات واستراتيجيات معينة يتم تطبيقها. يعتمد نجاح أو فشل شركة عائلية على العديد من العوامل المختلفة. يناقش الدكتور هشام العجمي المدير التنفيذي لمنتدى ثروات للشركات العائلية ومؤسس مجلة ثروات، دورة حياة الشركات العائلية، والعوامل التي يمكن التحكم فيها وتلك التي لا يمكن التحكم فيها، وكيف يتضح في النهاية أن وحدة العائلة ذات أهمية كبرى وهي الأساس لنجاح الشركات العائلية.

لغز استمرارية الشركات العائلية

تشير الإحصائيات إلى أن أغلب الشركات العائلية لا تستمر إلى ما بعد الجيل الثالث. وهذا على الرغم من تعدد المزايا التنافسية التي قد تتوافر لدى الشركات العائلية، مثل سطوة اسم العائلة والثقة الكبيرة المحتملة بين أفراد الشركة العائلية والتوجه بعيد المدى بسبب الرغبة في إعالة أجيال العائلة القادمة ومزايا أخرى كثيرة. ما سبب ارتفاع معدل الفشل إلى هذه الدرجة؟ في الواقع، تُعد الخلافة أكثر العوامل شيوعًا فيما يتعلق بالأسباب المؤدية إلى توقف الشركات العائلية. انتقال الشركة من جيل إلى آخر يتطلب جهود تنظيمية كبيرة وأحيانًا جهود عاطفية كذلك من الشركة العائلية، وتواجه الكثير من الشركات العائلية عقبات تعجيزية في هذه المرحلة الانتقالية. إلا أن الخلافة ليست السبب الوحيد للفشل أو الصراعات؛ فالعديد من أبعاد طريقة إدارة الشركات العائلية تحدد احتمالية استمرارها.

من المثير للاهتمام، أنه بمجرد اجتياز الشركة العائلية لهذه المرحلة المخيفة والتي فشلت أغلب الشركات المشابهة لها في تجاوزها، يتضح امتلاكها لإمكانات عظيمة للاستمرار لفترة طويلة جدًا. تمتد قصص نجاح الشركات العائلية لعقود أو حتى لقرون حتى أصبحت جزءًا من التاريخ. مجموعة من الشركات العائلية التاريخية تشكل جزءًا من “الهينوكيانز” Henokians؛ وهو اتحاد خاص بالشركات العائلية والشركات التي تصل أعمارها إلى مائتي عام. هناك أيضا اتحاد في المملكة المتحدة للشركات الصغيرة والمتوسطة وهو “الترسنتناريناز” Tercentenarians والذي يتألف من عشر شركات تمتلكها عائلات، وجميع هذه الشركات العشر يزيد عمرها على 300 عام. إحدى الشركات المتنمية إلى هذا الاتحاد هي بنك C Hoar & CO للخدمات المصرفية والاستثمارية، والذي تأسس عام 1672 وربما يكون أقدم بنك تمتلكه عائلة في أوروبا. والعضو الفخري في هذا الاتحاد هي شركة Hugel Winery الفرنسية والتي تم تأسيسها عام 1639 ويديرها الآن الجيل الحادي عشر من العائلة.

في الواقع، تبدو استمرارية الشركات العائلية كما لو كانت لغزًا محيرًا إلى حد ما. ويبدو أن البعض يعرف حل هذا اللغز ويستمرون في إدارة شركاتهم بنجاح حتى بدون تغيير نشاطهم الأساسي في أغلب الأحيان. أراد “أري دي جوي” في مقاله بمجلة “هارفارد بيزنس ريفيو” حل هذا اللغز. النتيجة النهائية التي توصل لها هذا الباحث هي أن الشركات العائلية التي تستمر لعقود أو حتى لقرون هي الشركات التي تمتلك الشخصية الأكثر ثباتًا: “هم يعرفون حقيقة أنفسهم، ويدركون موقعهم من العالم ويقدرون الأفكار الجديدة والموظفين الجدد ويدخرون أموالهم بطريقة تسمح لهم بالهيمنة”. وإجمالا، فهذا ما ينسب نجاح الشركة العائلية إلى مدى توحد العائلة؛ وقوة التحالف الذي يجمع أفراد العائلة المساندين لعلامة الشركة التجارية. وعلى الرغم من ذلك، فهذا مجرد رأي نظري ولا يقدم الكثير للاعتماد عليه فيما يتعلق بالكيفية التي يجب أن تُدار بها الشركات لكي تضمن استمرارية نجاحها.

تم ذكر التحديات المصاحبة للخلافة لتبرير معدل الفشل المرتفع للشركات العائلية. ومع ذلك، فنحن نعرف شركات لم تسبب الخلافة لها أية صعوبات ومع ذلك لما يقدر لها الاستمرار إلى ما بعد الجيل الثالث. ولهذا فارتفاع معدل زوال الشركات العائلية لا يمكن تعليله بالصراعات العائلية فحسب، بل يمكن تأويله إلى الطريقة التي تدار بها وطريقة تكيفها مع عوامل الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي. وفي الواقع، ذكر “دي جوي” (في عام 1997) أن الشركات العائلية طويلة العمر تمتاز بقدرة جيدة جدًا على “إدارة التغيير”. ومع سرعة إيقاع تغير المناخ الاقتصادي، أصبح من المنطقي القول بأن سرعة التأقلم مع الظروف الجديدة ستحدد بشكل كبير فرص الشركات في البقاء. ومن أجل التأقلم قبل فوات الآوان، فإن تحديد احتياجات التغيير في الوقت المناسب يأتي في مرتبة أعلى من حيث الأهمية.

ولهذا هناك اهتمام خاص بمتابعة المراحل المختلفة التي عادة ما تمر بها الشركات العائلية ومتى تظهر الحاجة للتغيير وبالتالي تصبح إدارة التغيير من الأمور شديدة الأهمية.

دورة حياة الشركات العائلية

في العادة، تمر الشركة العائلية بمراحل معينة لتطور نشاطها التجاري. وتتابع هذه المراحل يمكن تسميته دورة الحياة الاحترافية للشركة العائلية (انظر “دورة حياة شركة عائلية”).

يبدأ تأسيس شركة عائلية جديدة بتطلعات مؤسسها. وبدأ من هذه النقطة تُعد الطريقة التي تتطور بها الشركة نتيجة مباشرة للجمع بين رؤية المؤسس وموقفه من خوض المخاطرات.
في هذه المرحلة من المهم رؤية مدى تأثر حلم المؤسس ورؤيته تلقائيًا بالقيم التقليدية لبيئته وبروح العصر. بينما يتحول حلمه تدريجيًا إلى واقع ملموس، يُلاحظ كيف يتزايد حرص المؤسس على حماية ثمرة مجهوداته وبالتالي سيمنع ذلك الشركة من القيام بأية مخاطرات مبالغ فيها. تبدو مرحلة “الابتكار والتحفظ” هذه نتيجة طبيعية لصاحب شركة شق طريقه بصعوبة خلال مرحلة البداية المرهقة ورغبته الآن في الحفاظ على الأرضية التي اكتسبها.

في مرحلة لاحقة، تفتح الشركة أبوابها تدريجيًا لانضمام الجيل الثاني الذي لديه رؤية خاصة به وأحيانًا رغبة جارفة لتقديم المزيد من الفكر الاستراتيجي ومؤسسة تعمل بإحترافية أكبر. عادة ما يحصل الجيل الجديد على ميزة التعليم الحديث والمعرفة التكنولوجية المعاصرة، والتي يوظفها لتوجيه مرحلة “الاحترافية ” هذه بالشركة العائلية. ضخ هذا المنهج الأكثر احترافية في أوصال الشركة قد يحدث تحت قيادة المؤسس وقد لا يحدث إلا بعد تولي الجيل الثاني لزمام الأمور. مرحلة الاحترافية حاسمة حيث أنها تضع الأساس لتوسع الشركة. أفضل سيناريو ممكن حدوثه هو أن تكون المحصلة الرئيسية لهذه المرحلة من دورة الاحترافية إدراك مالكو الشركة النشاطات الرئيسيية التي يعملون بها والبدء في البحث عن فرص جديدة.

المرحلة التالية هي مرحلة “التوسع وإعادة الهيكلة” وتتطلب الكثير من الجهد من الإدارة تجاه الابتكار والقيام بقدر ما من المخاطرة. هي مرحلة تقوم على إعادة صياغة وإعادة تنظيم الاستراتيجية. في العديد من الأحيان تعد نقطة بداية جديدة ترجع فيها شركة العائلة إلى رؤية المؤسس الأولية وتوائمها لمواجهة تحديات حالية أكثر خطورة. عادة ما ترتبط مرحلة التوسع بحاجة الشركة العائلية إلى إعادة الهيكلة. غالبًا ما تتزامن هذه المرحلة مع تزايد أعداد أفراد العائلة المنضمين للعمل بالشركة (بما فيهم الأصهار وأولاد العم) وتتطلب قواعد حوكمة أكثر منهجية. هذه المرحلة بلا شك هي أكثر المراحل الحاسمة في دورة حياة الشركات العائلية. إنها ترمز لنقطة تحول: قد يُكتب لأفراد العائلة وشركتهم الاستمرار أو قد يتشرذمون ويختفون من الساحة.
إذا استطاعت شركة العائلة أن تجتاز مرحلة “التوسع وإعادة الهيكلة”، فإنها تدخل في المرحلة التالية، والتي يمكن تسميتها مرحلة “الاندماج”. تستدعي هذه المرحلة إلى الذاكرة فترة تحفظ المؤسس في البدايات الأولى للشركة. يتسم الاندماج بالحاجة إلى التركيز على التمييز التجاري المنظم للمنتجات والخدمات، وهذا من خلال دمج قنوات التوزيع والمزيد من عمليات التوسع في أسواق محلية وعالمية. إنها أقرب ما تكون إلى إعادة بعث للشركة.

دورة حياة شركة عائلية

هل تنطبق هذه الدورة على جميع الشركات العائلية؟ هل يتطلب الأمر بالضرورة تعاقب أجيال عدة للمرور بهذه الدورة؟ ما الذي يحدث إذا انتقلت شركة عائلية من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التوسع مباشرة؟ ما نوع التأثير الذي تحدثه ثقافة وتقاليد العائلة (القيم الأساسية) على دورة حياة شركتها؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير من الأسئلة المتعلقة بدورة حياة الشركات العائلية وستختلف الإجابات من حالة إلى أخرى.
على وجه العموم، يمكن القول أن أفضل نموذج للأعمال في الشركات العائلية سيكون غير مجدي بدون وحدة العائلة لدعم المراحل المختلفة. لن يعتمد اجتياز المراحل المختلفة على طريقة احترافية لإدارة الشركة فحسب لكنه في النهاية سيعتمد دائمًا على الدمج بين الاحترافية وقوة تماسك العائلة وتلاصقها الذين يدعمانها. يتطلب الأمر كذلك احساس بالواقع؛ يجب على العائلة الانتباه إلى أبسط المؤشرات إلى وجود صراعات وخلافات عائلية في الشركة.

التطبيق بالنسبة للشركات العائلية العربية

أحد الجوانب الرئيسية المؤثرة على دورة حياة الشركات العائلية هو الأطر الثقافية والتقاليد المحيطة. بالنسبة للشركات العائلية العربية، يجب أن يراعي نموذج دورة الحياة العديد من العوامل الداخلية والخارجية الإضافية.
أولا، يختلف تركيب الشركات العائلية في العالم العربي. تعيش العائلات في بيئة أكثر اجتماعية وغالبا ما يكونوا أكثر عددًا. وهذا يجعل قضايا مثل هياكل أصحاب المصلحة وإعادة التوزيع جزءًا أساسيًا من استمرارية شركة العائلة ووحدتها. وتظهر أهمية هذا في مرحلة “التوسع وإعادة الهيكلة” حيث غالبًا ما تواجه العائلات تغيرات في الهياكل المؤسسية وتحتاج إلى تعديل أفكارها، والذي قد يمثل تحديًا بناءً على عدد أصحاب المصلحة المشاركين وغير المشاركين.

ثانيًا، هناك جدال دائر بين حقيقة أن الثقافة العربية ذات توجهات لريادة الأعمال والاستثمار لكن في ذات الوقت عادة ما يتم استخدام منهج متحفظ في أداء الأعمال. هذا التفكير المتحفظ في بعض الأحيان يتعارض مع الابتكار وريادة الأعمال. إلا أن الشركات العائلية العربية تميزت ونجحت في دورة حياتها بتطويرها لحس من الواقعية للمدى الذي يمكن فيه تطبيق هذا التفكير المتحفظ ومعالجته وفقًا للظروف والوضع القائم.
ثالثًا، هناك تأثير المجتمع على الشركات العائلية العربية. تؤثر جهودهم لحماية سمعتهم على الطريقة التي يتواصلون بها وعلى القرارات التي يتخذونها. عادة ما تمثل قيم المؤسس عقد ثقة مع العملاء. لذا فتأسيس علامة تجارية للشركة يحدث من البداية في وقت مبكر من مرحلة “الابتكار والتحفظ”. وفي الوقت الحالي، عاد المستهلكون مرة أخرى لاعتناق فكر الإدخار. يميلون إلى طريقة التفكير القديمة بعد عصر من الإنفاق الزائد عن الحد نتيجة لسنوات خالية من الركود. إذا أمكن الاحتفاظ بقدر من التقليدية خلال دورة حياة الشركة العائلية، فسوف تحتفظ الشركات العائلية العربية بميزة تنافسية في الأسواق المعاصرة. الثقة والتوسع وفق مخاطرات محسوبة يجب أن يكونا هدفًا استراتيجيًا. ويجب عدم المجازفة بسمعة الشركة في جميع مراحل دورة حياة الشركة العائلية.

هناك العديد من السمات الخاصة والتي قد تعمل على تشكيل وتعديل دورة حياة الشركات العائلية العربية. وفوق كل شيء، وعلى الرغم من ذلك، فإدارة شركة عائلية يمكن أن يمثل تحديًا في أي من مراحل دورة حياتها. وفي النهاية، الشركات العائلية الناجحة هي التي تجعل من وحدة العائلة وأفكارها أولويات استراتيجية في جميع مراحل دورة حياتها.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 7, 2010

Tags from the story