فان دير لي – هولندا

فان

لطالما كان للحبال منذ عصور ما قبل التاريخ أهميتها في مجالات البناء والتشييد، والإبحار، والاستكشاف، والرياضة، والاتصالات. والسؤال الذي يطرح نفسه ويجد القارئ إجابته في ثنايا هذا المقال: ما الأجزاء التي يتألف منها الحبل على وجه التحديد وما الذي يميزه في الجودة عن غيره؟ كما نتتبع تاريخ شركة “فان دير لي”، وهي شركة مملوكة لعائلة هولندية. تعمل “فان دير لي” في مجال تصنيع الحبال منذ 450 عامًا كما قد يمتد تاريخها في المجال إلى ما قبل ذلك.

هولندا

هولندا هي إحدى البلدان الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ومنظمة التجارة العالمية. جغرافيًا، تقع هولندا تحت مستوى سطح البحر. تتمثل صناعاتها الرئيسية في تلك المرتبطة بالزراعة والمنتجات المعدنية والهندسية والمعدات الإلكترونية والكيماويات والنفط والبناء والتشييد والإلكترونيات الدقيقة إلى جانب الصيد. وتعتبر ألمانيا وبلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا والولايات المتحدة البلدان الرئيسية المستوردة للمنتجات الهولندية. في عام 2006 بلغ الناتج المحلي الإجمالي لهولندا 629.911 مليار دولار وشهد عام 2009 ارتفاعًا لمعدل البطالة بواقع 4.4 بالمائة.

التاريخ

تتمثل الخامات التقليدية المستخدمة لتصنيع الحبال في قنب مانيلا والقنب والكتان والقطن وليف جوز الهند والجوت (ليف القنب) وقنب السيزال. ويرجع الفضل إلى قدماء المصريين في ابتكار أدوات تصنيع الحبال وكانوا يستخدمون في الأغلب ألياف قصب الماء أو سعف النخيل أو ألياف الكتان أو العشب أو البردي أو الجلد المدبوغ أو شعر الحيوانات. وبعد بضعة آلاف من السنين، بدأ الصينيون في استخدام الحبال المصنوعة من جدائل ألياف القنب. وبعد ذلك ببضعة آلاف سنة، انتشرت حرفة تصنيع الحبال في آسيا والهند وأوروبا. ومنذ العصور الوسطى حتى القرن الثامن عشر، تم تصنيع الحبال في أوروبا باستخدام ساحات الحبال، وهي عبارة عن مباني طويلة تستخدم في شد الحبال على امتداد طولها ليتم بعدها لف الحبال على بعضها البعض أو تجديلها.

وفي عام 1545 تقريبًا، أسس “جان بيترسز فان دير لي” أقدم الشركات العائلية في العالم، رغم أن البعض قد يعتقد أن تاريخ التأسيس كان قبل ذلك بعدة سنوات. وقد كان “جان” مالك معظم ساحات الحبال في مدينة أودووتر بمنطقة أوتريخت بهولندا. ومنذ ذلك التاريخ بقيت صناعة الحبال في أيدي “فان دير لي”، وتعاقب على إدارة الشركة 14 جيلاً. وقد كان ابن “جان بيترسز” (1580 – 1625) هو أول من ورث الشركة عن أبيه، ثم سلمها بعده لاثنين من أبنائه وهما “هييندريك” و”جيزبيرت هييندريكز فان دير لي”، ووفقًا للسجلات الرسمية امتلك الابن الثاني ورشة تصنيع الحبال ذات الخيوط الخشنة وورشة حبال مع حقوق النقل والغزل في بلدة أغترسترات بمدينة أودوتر. وقد شكل أبناء “جيزبيرت هييندريكز” الثلاثة: “أدريانوس” و”كورنيلس” و”جان” الجيل التالي لصانعي الحبال. وقد عهد إلى “أدريانوس” بمسئولية إدارة الشركة من أبيه وعمه، ثم خلفه ابنه “كورنيلس” في عام 1787.

وشهد أواخر القرن التاسع عشر إدخال عناصر التنمية الصناعية الموسعة على الحرفة التقليدية لتصنيع الحبال. ويمكن القول بأن “جيزبيرت فان دير لي” (1819 – 1903) هو الذي قاد الشركة للدخول إلى العصر الحديث من خلال استخدام محركات البخار في تصنيع الحبال. وقد تم إنشاء أول ورشة حبال جديدة بمحركات البخار بالقرب من “منطقة هيكيندورب”، وهي منطقة منخفضة استصلحت من البحر. وبانتهاء القرن التاسع عشر، تم إنشاء أول مصنع غزل بالماكينات بالقرب من الورشة القديمة التي استخدمت محركات البخار. وقد تتبع الأخوان “أدريانوس” و”كورنيلس” ابنا “جيزبيرت” خطى أبيهما وحولا الورشة إلى شركة ذات مسئولية محدودة أطلقا عليها اسم “فان دير لي”.

z026_a0003265ts

وقام “كورنيلس” بدوره بإسناد مسئولية إدارة الشركة إلى أخيه “أدريانوس” وابنه “جيزبيرت” (1883 – 1966). وقد تمكن “جيزبيرت” من شراء جميع حصص الملكية في الشركة من عائلته في عام 1936 ونجح في إخراج الشركة من صراعات أفراد العائلة وتقسيم الملكية الذي ينطوي على تعقيدات عدة. وأصبح “بيت فان دير لي”، أخو “جيزبيرت”، مدير ورشة تصنيع الحبال القديمة. ثم ما لبث أن تغيرت طريقة إدارة الشركة؛ حيث عمد القائمون عليها إلى تحقيق متطلبات العملاء بشكل أكثر دقة وتم التسويق لخدمات الشركة ومنتجاتها وتحولت ورشة تصنيع الحبال المدارة بمحركات البخار في هيكيندورب في عام 1937 إلى شركة محدودة.

وأخيرًا في عام 1938، تم إنشاء مصنع “توفابريك جي فان دير لي إن في (جي فان دير لي روب فاكتوري ليمتد”) كما هو معروف إلى الآن على يد “جيزبيرت فان دير لي”. وفي عام 1941، تحول المصنع لاستخدام الكهرباء التي حلت محل غلايات البخار. وفي هذه المرحلة، استحال المصنع من مجرد ورشة تصنيع الحبال إلى وحدة إنتاج أكثر تقدمًا، تقوم بتنفيذ جميع أنواع عمليات معالجات الألياف الطبيعية. ولقد أتى ذلك بثماره إبان الحرب العالمية الثانية، حيث إن نقص خامات، مثل المانيلا من الفلبين والسيزال من أمريكا الجنوبية، كان سيعني خسائر ضخمة للشركة لولا نجاحها في تنويع طرق التصنيع مبكرًا.

وفي عام 1960، تمكن “ويم فان دير لي” من الجمع بين اثنتين من تقنيات تصنيع الحبال: واحدة جديدة والأخرى قديمة، من خلال تصميم ماكينة تجديل يمكن تشغيلها مع الماكينات القديمة لتصنيع الحبال. وقد شهدت صناعة الحبال نقلة نوعية في عام 1965 عندما ظهر في الأسواق أول غزل اصطناعي يتميز بأضعاف مقاومة المانيلا إضافةً إلى كون الغزل الجديد غير منفذ للماء. وفي ذلك الوقت، قررت العائلة الاتجاه إلى الاستثمار في الألياف الاصطناعية، والذي كان يعني بطبيعة الحال إغلاق مصنع الغزل الخاص بهم.

وباستيراد الخامات، تمكنت العائلة من تصنيع حبال بمواصفات خاصة بحيث أصبحت الشركة تلبي المتطلبات الخاصة لعملائها بشكل أكبر فضلاً عن مرونتها في كميات الإنتاج. وشهد عام 1993 إنشاء مصنع جديد للشركة. وفي الوقت الحالي، تتنوع مجموعة منتجات “فان دير لي” لتضم جميع أنواع الحبال، ورغم ذلك فما تزال الحرفة القديمة تمارس في “توفابريك جي فان دير لي” حيث تتم جدولة ولف حبال إرساء مراكب صيد الأسماك وحبال الرياضات المائية واليخوت والحبال ذات الاستخدامات العامة في ساحة الحبال التي تمتد بطول 350 مترًا والتي كانت ذات يوم ملكًا لمؤسس هذه الشركة العائلية العريقة.

الحاضر

في الوقت الحالي، يعتبر مصنع “جي فان دير لي روب فاكتوري ليمتد” واحدًا من المصانع القليلة بالمنطقة. ويلبي المصنع احتياجات صانعي اليخوت والقوارب والقوات البحرية الهولندية والبريطانية ويصدِّر منتجاته إلى إنجلترا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة. ويضم الإنتاج حاليًا عددًا ضخمًا من المواد الاصطناعية، لكن وبفضل الاحتفاظ بالماكينات القديمة، ما يزال بإمكان المصنع تقديم منتجات أكثر تقليدية. تعد شركة “فان دير لي” هي أقدم شركة عائلية في هولندا وما تزال تحظى بتقدير واحترام الجميع بفضل تراثها العريق وأدائها المتميز حتى في ظل الجيل الرابع عشر للعائلة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 4, 2009

Tags from the story