الحفاظ على ميراث باقِ من العراقة – الخلافة في شركة عائلية

الحفاظ على ميراث باقِ من العراقة

يعتبر موضوع الخلافة قضية حاسمة بالنسبة لأي شركة عائلية. إلا أن الأبحاث تُظهر أن القليل فقط هم من يطبقون خطة واضحة لخلافة القيادة مشتملة على برنامج لتنمية المواهب. إنّ الرغبة في الحفاظ على الانسجام وتجنب الصراعات قد تؤدي إلى وقوع العائلات “أسيرة” لمخاوفها من القيادة الجديدة ، وتحدي الخلافة يمكن أن تشوبه العاطفة لدرجة أن العديد من قادة الشركات العائلية يتجنبون مواجهة هذه القضية في محاولة للحفاظ على وحدة العائلة بأي ثمن. بسبب الخوف من أن تتسبب المناقشة في أضرار للشركة ولأفراد العائلة، يختار هؤلاء وضع رؤوسهم في الرمال ليخلفوا صراعات علنية أو خفية على السلطة. البروفيسور جورج كولرايسر، أستاذ القيادة والسلوك المؤسسي في المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) بسويسرا، ومؤلف الكتاب الذي حقق أفضل نسبة مبيعات عالمياً “أسرى على مائدة الاجتماعات: كيف يمكن للقادة التغلب على الصراعات والتأثير على الآخرين والارتقاء بالأداء” (وارن بينيس 2006)، يكتب عن الخوف من التغيير في الخلافة وعن دور القائد كمصدر أمان للعائلة والشركة.

ميراث

وكما ذكر دراكر في عام 2004 موضحاً أن “أول اختبارات القدرة التي يمر بها الرئيس التنفيذي هو مدى براعته في اختيار خليفته وما إذا كان بإمكانه التنحي وترك خليفته ليدير الشركة”.

إن جوهر ميراث أي قائد لشركة عائلية عريقة هو: أولا، ضمان امكانية بقاء واستمرارية الشركة والعائلة بعد عملية انتقال القيادة، وثانياً، اعتبار العمل كمصدر أمان لأفراد العائلة وللعاملين بينما تنتقل عصا القيادة إلى جيل جديد. الحقيقة أن ما يحدث في أغلب الأحيان هو العكس حيث يعيق قادة الشركات العائلية أو حتى بدون وعي يدمرون عملية الانتقال الفعال للقيادة والسـُّلطات المرتبطة بها.

إن الخلافة في العمل يمكن أن تصاحبها الريبة والشك، فأفراد العائلة والعاملون قد يشعرون بالقلق فهم لا يعرفون ما الذي يخبئه لهم المستقبل. تمثل الخلافة تحدياً وبوجه خاص في الشركات العائلية، حيث تسود الروابط الشخصية أكثر وبالتالي تكون أكثر هشاشة. قد يؤثر تغيير ميزان القوى على العلاقات بين الآباء والأبناء وفيما بين الأخوة وباقي أفراد العائلة. فقد تؤدّي طول فترة تولي المؤسس و/أو القائد لإدارة الشركة إلى تحوّل هوية الشركة إلى كيان لا ينفصل عن شخصيته. وكما يقترح إرنستو جيه بوذا (2010) فإن متوسط فترة تولـّي منصب الرئيس التنفيذي في الشركات العائلية أكثر من ضعف الفترة التي يقضيها الرؤساء التنفيذيين في الشركات الاستثمارية العامة (17 عامًا في مقابل 8 أعوام). بعد هذه الفترة الطويلة، يصبح الانتقال الإيجابي للقيادة هو الاختبار الأصعب للقائد العظيم الذي يرغب في ترك شركة عريقة ناجحة ومستقرة.

فترة الانتقال

في العادة هناك ثلاث مراحل أثناء انتقال القيادة في شركة عائلية:

  • نهاية تتضمن قدرًا من الخسارة، وحاجة إلى التخلي عن الكثير من الأشياء، وترك النظم والعادات السابقة.
  • فترة من الارتباك وعدم التنظيم حيث يسعى الجميع جاهداً لإيجاد نظام جديد والتوافق معه.
  • المرحلة الأخيرة تتميز بالنظر إلى البدايات الجديدة بهويات جديدة وأفكار جديدة والتي ستظهر بعد مرحلة الخلافة.

العديد من الشركات العائلية التي تمر بمرحلة الانتقال والخلافة تعلق “بمرحلة  الحزن”- الحزن و الأسى على ضياع الأدوار والنفوذ والموظفين والنظام والإدارة والطرق القديمة لأداء الأعمال. وتشوب العملية بالتالي الكثير من العاطفة، مع ارتباط أفراد العائلة شخصياً واقتصادياً بانتقال قيادة الشركة. كثيرًا ما تكون هوية الشركة وثيقة الصلة بهوية القائد لدرجة يبدو معها تخيـّل وجود نظام جديد للإدارة ضرب من ضروب المستحيل.و يبدو التغيير كما لو أنه انتقاد أو خيانة للقيادة الحالية.

إن نجاح القادة الحاليون في إدارة انتقال إدارة الشركة يعتمد على تمكنهم من التعرف على العواطف والشكوك العديدة في هذا التغيير ومن ثم مساعدة كل الأطراف المعنية في العائلة والشركة للتوافق مع تبعات التغيير. و عادةً ما تكون المشكلة الرئيسية هي إنكار وجود التأثير العاطفي ورفض معرفة التوقيت المناسب للتنحي وتسليم السلطة للجيل التالي بثقة وسعادة وحماس. لا يمكنك استقبال قائد جديد فعلياً إلا بعد أن يتولي القائد القديم منصبًا آخر في نظام الشركة العائلية. والسؤال هنا هو مدى نجاح كل عائلة في تجاوز هذه التغييرات. إنها تمهد الطريق في النهاية للخلفاء ليتقدموا للأمام، وليقيموا علاقات جديدة ويضيفوا هوية جديدة لأنفسهم وللمؤسسة. ويعتبرالفشل في تجاوز عملية التغير للبوصلة العاطفية وقيادة الشركة هو فشلاً محتماً للقائد الجديد ، ومصدراً للضغوط الهائلة والصراع ، وفي النهاية سيؤدي كل ذلك إلى ضياع فرص الشركة في الازدهار والنمو. و يكون أفضل سيناريو  لإنتقال الخلافة هو تخلي القائد السابق عن سلطاته ثم البحث عن أفكار جديدة وهوية جديدة من منطلق كونه سـُلطة إرشادية وليس سُـلطة تنفيذية مؤثـّرة و فعّالة. يدرك الحكماء من القادة أنه سيأتي وقت يجب أن يتخلوا فيه عن سلطاتهم والمضي قدماً.

القادة كمصدر للأمان 

إن أفضل عملية انتقال للقيادة تحدث عندما يكون هناك قادة يعملون كمصدر للأمان لبث الثقة. إن وجود القادة العظماء يضفي احساسًا بالأمان حتى في أكثر البيئات غموضًا، فيشعرحينها المرؤوسين بالحماية من التبعات السلبية لشكوكهم وما يصاحبها من قلق. بمجرد نشر الأفكار الصحيحة، يصبح سلوك ولغة القائد أقوى أدواته في التأثير على الآخرين وإقناعهم بالتعاون والبقاء ملتفين حول القائد الجديد.

إن الشرط الأساسي لنجاح التغيير هو أن يشعر الناس بالأمان حتى إذا كانوا في بيئة غير آمنة. لذا يكون من الضروري أن يُشعر القائد المتنحي أفراد العائلة والموظفون بالحماية، وأن يطلعهم على فوائد التغيير. يدرك علماء الجهاز العصبي في الوقت الراهن أن الغريزة الطبيعية للعقل هي، في الحقيقة، بحثه عن كل الأوجه السلبية التي يمكن أن يتوصل إليها ليحمي نفسه؛ إن الدافع البشري الطبيعي هو أن يظل في حالة من التيقظ أثناء فترات تراكم الضغوط والتغيير من أجل تحديد الخطر. لكن عندما يمنح القادة محل الثقة الإحساس بالأمان، تتوقف هذه الغريزة تجاه البحث عن السلبيات في العمل ويبحث العقل عن فرص كامنة في هذا التغيير. أثناء عملية الخلافة، يجب على القائد المتنحي أن يوضح أن التغيير وليس الخوف هو ما يجب الحفاظ عليه بتولي القائد الجديد للمسؤولية. لتحقيق هذا الانتقال الخاص بالثقة والحماية، يجب أن يكون هناك تركيز على حل الصراعات الشخصية والمؤسسية على حد سواء. على عكس الاعتقاد السائد، فالناس لا تقاوم التغيير كأمر بديهي، إنما يقاومون الألم الناتج عن التغيير والخوف من المجهول. عندما يضفي القادة السابقون والجدد هذا الإحساس بالحماية، فمن المرجح أن يتبعهم الآخرين. وللمضي قدمًا، يجب على القائد المتنحي في أي شركة عائلية أن يعمل على بث سلوكيات إيجابية لدى أفراد العائلة والموظفين والعملاء لكي يتقبلوا النظام الجديد وينظروا إلى مزايا  هذا التغيير وليس الخسائر المترتبةعليه .

تحتاج الشركات العائلية إلى استخدام حلقة الوصل -إدراك الحاجة إلى معرفة الحزن واختباره- لكي يضعوا الأساس لعهد جديد ناجح في حياة القيادة والعائلة والشركة. 

أهمية الحوار 

قد ينتج عن عملية اختيار و تسمية الخليفة الجديد شعور بالغيرة وإلقاء اللوم وهو ما يؤدي إلى تكوين  تكتلات و أحزاب وإضعاف الروابط داخل العائلة. يمكن أن يخاق أيضاً فيض من المشاعر السلبية والمعاناة؛ وشعور بالتجاهل والتنافس بين الأخوة وبعدم الإخلاص للأجيال الأكبر. في هذا الموقف، لن يكفي استخدام القائد المتنحي لسلطته ونفوذ مركزه الوظيفي، وإنما يتطلب الانتقال استخدام أسلوب الإقناع والقدرة على التأثير والحوار المتفهم لإعادة بناء أو إصلاح الروابط بين جميع الأطراف المعنية.

وعملية التواصل هذه هي التي تضع الأساس لانتقال ناجح. يجب أن يحافظ  القادة أثناء عملية الانتقال على الروابط بين المعنيين بالخلافة، والحفاظ على التركيز الايجابي على النتيجة المرجوّة في النهاية وهي انتقال ناجح للخلافة. من خلال إتقان هذه العملية يمكن أن يركز القائد المتنحي على الايجابيات وينظر إلى ما وراء الوقت الحالي ويساعد الآخرين في التركيز على الأهداف المشتركة مثل السلامة والطمأنينة للعائلة والشركة. 

التعرف على المواهب وتطويرها 

هناك الكثير من المزايا في أن تكون جزءًا من شركة عائلية، و يتضمن ذلك الترابط العاطفي العميق و الشعوربالأمان. لكن هناك أيضاً ضريبة نفسيةيجب دفعها . إذا كان الجيل التالي لم يحرص على تطوير موهبته القيادية، فقد ينتج عن ذلك مشكلات خطيرة. عادة ما تُقابل الجهود التي يبذلها قادة الجيل التالي لاختبار قوتهم الخاصة وللابتكار والقيام بالمخاطرة بناءً على ثقتهم في رؤيتهم بالاعتراض والعداء. يمكن أن تصبح الاختلافات بين الأجيال هوة تفرق بين الآباء والأبناء.

في الكثير من الأحيان تكون الخلافة هي انتقال السـُّلطة من الأب إلى الابن أو الابنة. وهنا يكون للدور الذي يلعبه الأب كمصدر للأمان أهمية خاصة. فهو ولكونه الأب، فإن دوره هو توفيرالاحساس بالأمن والأمان والراحة والاطمئنان لأبنائه. ومع ذلك، فهناك بُعد ثاني خطير في أن تكون مصدر للأمان، فهو يُمكّن ويشجع على القيام بالمخاطرة والبحث عن التغيير. الاختبار النهائي لقائد شركة العائلة هو السماح للجيل التالي بالمخاطرة واختبار قوتهم وكفاءتهم، وأن يسهموا في تطور الشركة. في الواقع، تبدأ جميع هذه الخبرات في مرحلة الطفولة وبمرور الوقت تعد العقل ليكون عقل قائدًا. يجب أن يسمح الآباء في مواقع القيادة في شركة العائلة للأجيال التالية أن يختبروا قدراتهم-والتي ستتضمن الفشل بالطبع. عند السماح للجيل الجديد بالتعبير عن هويته، فإن القائد المتنحي بهذا يسمح لهم بالقيام بمخاطر محسوبة. يجب أن يعطي القادة السابقون لخلفائهم حرية صياغة مستقبل جديد. فعندما يحدث ذلك، تكون الخلافة في أوج نشاطها لضمان النجاح جيل بعد جيل، وهذا مع احترام كل جيل للتراث الذي يرثه ويضيف إليه.

الدكتور جورج كولرايسر هو خبير شهير عالمياً في مجال القيادة. هو أستاذ القيادة والسلوك المؤسسي في المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) بمدينة لوزان بسويسرا، ومؤلف الكتاب الذي حقق أفضل مبيعات عالميًا “أسرى على مائدة الاجتماعات: كيف يمكن للقادة التغلب على الصراعات والتأثير على الآخرين والارتقاء بالأداء” (وارن بينيس 2006) والذي حصل على جائزة “أفضل كتب الأعمال” لعام 2007 من مؤسسة DCF (الجمعية الفرنسية لقادة الأعمال) وأفضل كتاب في الإدارة لعام 2008 في ألمانيا من موقع Managementbuch.de. لمزيد من المعلومات، يرجى زيارة الموقع www.hostageatthetable.com.

 

 ويليام بريدجز، إدارة الانتقال: تحقيق أقصى استفادة من التغيير، الطبعة الثانية (Cambridge,

MA: De Capo Press).

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 7, 2010

 

Tags from the story