من شركة عائلية إلى شركة عائلية: ما هي الاستراتيجية السليمة؟

شركة عائلية

دراسة حالة للعدد الحادي عشر من مجلة ثروات

في دراسة الحالة هذه لقسم “من شركة عائلية إلى شركة عائليةسوف نروي قصة الشركة العائليةالإفتراضية TBN التي قررت تأسيس شركة مستقلة من أجل أنشطتها المصرفية والتمويلية بالرغم من المخاوف التي أبداها أفراد العائلة. وقد تم تقديم الحلول والتعليقات بواسطة أفراد في شركات عائلية حقيقية تشارك بأفكارها وتصوّرها عن مصدر المشكلة في هذه القصة وعلى من أو على ماذايجب  إلقاء اللوم في نهاية المطاف.

تم تأسيس شركة TBN العائلية منذ 80 عاماً مضت، وللشركة أنشطة ضخمة في العالم العربي وآسيا الوسطى وشرق أفريقيا. بدأت عائلة TBN نشاطها –ومثلها في ذلك مثل مثل الكثير من العائلات التقليدية- بممارسة التجارة. وقد توسعت المجموعة لتضم العديد من المكاتب التي تمثلها داخل الوطن العربي وخارجه.

في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي وأثناء تولّي الجيل الثالث مسؤولية إدارة الشركة، دخلت مجموعة TBN مجال الخدمات المالية. لم تكن هذه الخطوة مخطط لها ولكنها كانت بغرض زيادة وتعزيز خدمات الشركة في ذلك الحين. لحقت مجموعة TBN بعض الخسائر نظراً لعدم وضع الإجراءات المناسبة لإدارة المخاطر المرتبطة بفروق سعر صرف العملات وتأخر المبالغ والتحصيل.

في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، لم تشهد الأنشطة التجارية للشركة نمواً ضخماً فحسب وإنما استفادت إدارة الشحن والنقل بمجموعة TBN من تزايد حركة البضائع والمنتجات بين آسيا والغرب.

قرّر أفراد الجيل الثالث من شركة TBN وذلك بعد تولّيهم مسؤولية إدارتها لعدة سنوات إضفاء الاحترافية على هيكل المجموعة والعمل من أجل زيادة فعاليته. كانت المجموعة في هذه المرحلة مُدارة بواسطة AbN ،ابن الأخ الأكبر في الجيل الثاني. وضم فريق إدارته خمسة من أبناء عمومته. وبينما كان AbN يشغل منصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة، تولّى كل من أبناء عمومته مسؤولية إحدى الإدارات الثلاث للمجموعة: التجارة والتصنيع والشحن. وشغل NbO أحد أبناء العم الثلاثة منصب المدير المالي التنفيذي للمجموعة.

تناولت عملية مراجعة هيكل المجموعة جوانب حوكمة المؤسسة والعائلة وكذلك الموارد البشرية. وفي سبيل تقليل تعرض المجموعة للمخاطر، عمل المدير التنفيذي للمجموعة بمساعدة فريقه على إيجاد طرق لإضفاء الاحترافية على الخدمات المالية لمجموعة TBN. وبعد مراجعة الاستراتيجية كان القرار النهائي بالبقاء في قطاعي الصيرفة والخدمات المالية كشركة مستقلة باسم TBN للخدمات المالية أو “TBNFS” اختصاراً.

أثار هذا بعض المخاوف لدى بعض أفراد العائلة، فطالب هؤلاء وتماشياً مع قيم وتاريخ العائلة بأن تهدف شركة TBNFS إلى خدمة عملاء TBN الأوفياء لتزويدهم بالحلول التي سوف تساعدهم على زيادة حجم أعمالهم وشركاتهم. وكانت الشركة قد تحمّلت في الماضي بعض الخسائر نتيجة لهذا النوع من الدعم. من التبعات الأخرى لإضفاء الاحترافية على هذه الخدمات والتي شكّلت مصدراً للقلق عند العائلة أن ذلك كان يعني كذلك التوسع وبالتالي زيادة تعرّض المجموعة ككل للمخاطر. علاوة على هذا، فإن الشركة الجديدة سوف تتطلب إحداث تغييرات على المؤسسة: في الماضي كانت العمليات المتعلقة بالمعاملات التمويلية للعملاء جزءاً من مسؤولية قسم المحاسبة والمالية بالمقر الرئيسي؛ ومن الآن فصاعداً سيصبح هذا جزءاً من مهام TBNFS والتي ستكون ذات هوية قانونية مستقلة.

كما أن المجموعة كانت تفتقد كذلك إلى الموظفين المؤهلين من أصحاب المهارات المالية المطلوبة، وبالتالي اضطرت إلى البدء في تعيين موظفين جدد. وعلى الفور بدأ أفراد العائلة بالتساؤل حول كيف سيمكن للشركة إدارة المزيد من الموظفين. حتى هذه المرحلة كانت العائلة تعمل في مجالات متشابكة ومترابطة وكان أفراد العائلة يتم تأهليهم وتجهيزهم جيداً منذ نعومة أظفارهم للقيام بهذه المهام. كان NbO المدير المالي التنفيذي للمجموعة هو الوحيد الذي لديه المؤهلات الفعلية لإدارة TBNFS، إلا أن فريقه كان في ذلك الحين يضم مجموعة من المحاسبين وأمناء الصندوق الذين عملوا بالشركة العائلية لعقود ولم يكن لديهم الاستعداد لكي يصبحوا جزءاً من شركة جديدة.

وضع الرئيس التنفيذي والمدير المالي التنفيذي لمجموعة TBN جميع تلك الاعتراضات في الاعتبار ولكنهما أكدا على أن TBNFS ستواصل دعم قيم العائلة كما ستفتح أسواقاً جديدة أمام المجموعة بالإضافة إلى زيادة الأفضلية التنافسية.

في النهاية، وافق فريق الإدارة وأفراد العائلة غير العاملين بالشركة على تأسيس الشركة الجديدة. بدأت TBNFS العمل بفريق صغير تم تعيينه حديثاً وكان قد سبق له العمل في شركات ومؤسسات عالمية. وقد جلب هذا الفريق معه أفكاراً ساهمت في إضفاء  ثقافة مؤسسية جديدة.

خلال السنوات الخمس الأولى وحتى أواخر التسعينات، حققت TBNFS نتائج طيبة. وضعت الإدارة إجراءات واضحة لدعم عملاء TBN في التجارة وبما يتماشى مع قيم العائلة بخصوص دعم عملاء الشركة الأوفياء. شعر العملاء بالامتنان للخدمات المقدمة لهم ونجحت المجموعة في اجتذاب شركات جديدة بسبب أنظمتها وخدماتها. كما نجحت TBNFS في خفض نسب تعرض المجموعة للمخاطر من خلال تعقب الديون المعدومة وتطبيق إجراءات وقائية لمساعدة العملاء فيما يتعلق بالاتفاقيات والصفقات التي يعقدونها وتجنب التعثر في السداد. أصبحت TBNFS شركة خدمات مالية ناجحة للغاية وجديرة بالاحترام وذات ثقافة تختلف عن بقية شركات المجموعة وكانت فكرة العملاء عنها أنها شركة ذات كفاءة عالية وسريعة في اتخاذ القرارات. وللأسف لم تجتذب الشركة سوى القليل من أفراد الجيل الرابع بالعائلة حيث فضّل أغلب أفراد هذا الجيل العمل في الإدارات الثلاث الأخرى بمجموعة TBN.

تقاعد AbN في أواخر التسعينات من منصبه كرئيس تنفيذي ورئيس لمجلس الإدارة وسلّم الرّاية لابن عمه الذي شغل منصب المدير المالي التنفيذي على مدار السنوات العشرين الماضية. وأصبح AbN رئيس مجلس العائلة.

قبل تقاعده، اتفق AbN مع إدارة TBNFS على توسعة نطاق خدماتها لإدارات أخرى بالمجموعة وتقديم خدمات التأجير لإدارة النقل والشحن لمساعدتها على زيادة قدرات النقل والشحن لديها. لكن مع الازدهار الاقتصادي الذي شهدته المنطقة وزيادة الاستثمارات المحلية، رأت TBNFS وجود فرص أبعد من أنشطة المجموعة وبدأت التوسع من خلال تمويلاستثمارات في أسواق العقارات والأسهم. وقد دعم أفراد العائلة وفريق الإدارة عملية التوسع تلك وشجّعهم على ذلك العائد الاستثماري المرتفع.

في عام 2007، بدأت الشركة في رؤية بعض الإشارات إلى وجود صعوبات مالية مع بعض العملاء الذين توسعوا سريعاً في السنوات العشر الأخيرة. بداية من عام 2008 تقدّم بعض أفراد فريق إدارة TBNFS بالاستقالة وانتقلوا للعمل في شركات أخرى. خلال العامين 2008 و2009 عانت TBNFS كثيراً من الأزمة المالية، ورغب معظم العملاء في إعادة جدولة ديونهم مما اضطر الإدارات الثلاث الأخرى بالمجموعة إلى المساعدة لتخفيف وطأة خسائر TBNFS.

أصبح أفراد العائلة الآن في مواجهة التساؤل حول سبب حدوث هذا. بينما نجحت الشركات العائلية الأخرى بالمنطقة في اجتياز عاصفة الأزمة المالية، كانت خسائر مجموعة TBN ضخمة إلى حد بعيد. بدأ AbN في توجيه اللوم إلى نفسه وطرح الكثير من الاسئلة: هل كان تأسيس TBNFS خطوة استراتيجية صحيحة؟ الأزمة المالية كانت خارج سيطرة الإدارة ولكن هل كان هناك إشارات أخرى تنبئ بالفشل؟ هل يرجع الأمر إلى اختلاف ثقافة TBNFS؟ هل يعتبر هذا درس للشركات العائلية بعدم التوسع في صناعات جديدة قبل توافر المؤهلات المناسبة في العائلة؟

الحل الأول

عبد الله المجدوعي

الجيل الثاني، رئيس مجموعة المجدوعي، السعودية

قبل كل شيء، علينا تفهم أن الأزمة المالية في عام 2008 كانت حدثاً استثنائياً وعالمياً. وكان لهذه الأزمة آثارها السلبية على الجميع تقريباً وإن كانت بدرجات متفاوتة.

كان أداء شركة TBNFS طيباً قبل عام 2008 بما حققته من مستويات فعالية مرتفعة ونتائج طيبة على صعيد رضا العملاء. وبالتالي لا أجد مبرراً لأن تلوم الإدارة نفسها وإنما عليها بدلاً من ذلك استيعاب الدروس والمضي قدماً. ربما يكون السبب هو تركيز TBNFS على دعم الشركات الشقيقة الأخرى في المجموعة لكي تزيد من مبيعاتها وأغفلت الجانب المتعلق بمخاطر الائتمان. إن أرقام الخسائر غير واضحة وحجم الضرر غير معروف. لتقييم الموقف على النحو الصحيح، يجب توضيح هذه التفاصيل وأخذها في الحسبان قبل اتخاذ أي إجراء مستقبلاً. يعتمد القرار بشأن استمرار الشركة أو تصفيتها في الأساس على مدى ارتفاع هذه الخسائر. وهناك سؤال آخر هو إلى متى ستظل الشركة متأثرة بهذه الخسائر؟

فيما يتعلق بوجود فرد من العائلة في منصب مدير الشركة، في الواقع لا يوجد ما يضمن أن الشخص المنتمي إلى العائلة سيقوم بمهمة أفضل مقارنة بشخص من خارجها. في كثير من الأحيان، قد يمتلك المدراء من خارج العائلة خبرة طويلة في الصناعة المطلوبة وقدراً أكبر من الالتزام. تحتاج شركة TBNFS إلى هذه الخبرة الآن لتحديد خطواتها التالية وتقييم فرصها في الاستمرارية.

إذا قررت عائلة TBN استمرار شركة TBNFS في العمل، فعليها الاستفادة من النتائج الإيجابية السابقة التي حققتها مع عملائها، والاستعانة بفريق على درجة كبيرة من الحرفية وليس بالضرورة أن يكون هذا الفريق من أفراد العائلة، وزيادة عدد أفراد فريق مخاطر الائتمان، وفي النهاية إجراء مراجعة وتقييم شامل “لأسباب تردي الأمور على هذا النحو” وذلك لاستخلاص الدروس من التراجع الذي شهدته الشركة مؤخراً.

الحل الثاني

فرد في شركة عائلية تونسية

الجيل الثالث

من الصعب الإقرار متى يجب اقتناص جميع الفرص ومتى يجب التخلي عن إحداها وعدم الالتفات إليها وخصوصاً إذا كنت جزء من شركة عائلية كبيرة. أعتقد أنه كان من المنطقي قيام TBN بتأسيس شركة TBNFS لأنه كان من الواضح توافر الفرص بكثرة حينها ولأن فكرة الحاجة إلى تنويع الأنشطة حاضرة بصفة دائمة في فكرالشركات العائلية. ومع ذلك، فأنا أعتقد كذلك أن المهم في الموضوع هو كيفية القيام بتنويع الأنشطة. ربما كان يجب أن تكونعملية تأسيس شركة TBNFS أبطأ بكثير للنظر ملياً في نوعية الفريق الذي سوف يتم إعداده لإدارتها. وعلى الرغم من أن فريق الشركة كان لديه معرفة مالية كبيرة، ولكن لم يكن بينهم من يحظى بخلفية العمل في الشركات العائلية، وربما كان من الأفضل تدريبهم على استيعاب قيم وثقافة العائلة أكثر. ربما إذا وُجد هذا العامل كان قد حال دونقيامهم بمخاطر غير ضرورية، نظراً لأنني أعتقد أنه على الرغم من عدم إمكانية توقّع حدوث الأزمة المالية، إلا أنه كان من الممكن الاستعداد لها سلفاً بعدم المبالغة في المخاطرة. نجحت العديد من الشركات العائلية في التحوط لهذه المخاطر وعدم تحمل مثل هذه الخسائر الكبيرة. ومع ذلك كانت الأزمة بلا شك قاسية على الجميع ولم تقتصر نتائجها على القطاع المالي فحسب.

كما أعتقد أن مراعاة ما تكبدته الشركة من خسائر أمر مهم حيث يجب أن يكون العامل الفصل في اختيار ما إذا كان يجب استمرار TBNFS في العمل أم لا. ومن المهم كذلك تقدير إلى أي مدى ارتفعت قيمة العلامة التجارية نتيجة لهذا النشاط ومدى الاستدامة التي يمكن بها إدارة الشركة في المستقبل.

إن تبادل إلقاء اللوم ليس بالأمر الإيجابي في الشركات العائلية أو في أي شركة من نوع آخر. لا يجب أن يكون التركيز على من الذي يجب توجيه اللوم إليه وإنما يجب التركيز على ما الذي ينبغي القيام به في المستقبل. أعتقد أن الشركات العائلية بحاجة إلى استراتيجيات تدور حول كيفية الحصول على أعظم قدر ممكن من الدروس التي تعلمتها والآثار الناتجة عن مثل هذه التجارب من خلال تقييم العملية بالكامل في مجلس العائلة. يجب القيام بهذا بطريقة بناءة ذات مغزى استراتيجي حقيقي، على أن يتم تفعليها كاستجابة للخسائر التي تكبدتها شركة TBNFS. أنا عن نفسي لا أعتقد أنه يوجد مبرر لتصفية شركة TBNFS لأنه من الممكن إعادة هيكلتها وإدارتها بنجاح مرة أخرى باستخدام أسلوب مختلف في التعامل مع المخاطر.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 11, 2011

Tags from the story