“عائلية” الشركات العائلية: ميزة تنافسية

الشركات

“عائلية” الشركات العائلية: ميزة تنافسية

عبد الله أديب الزامل

مرشح للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة لندن

المملكة المتحدة

تعد شركات العائلات أكثر أشكال الشركات شيوعا في العالم. ويبدو أمرا طبيعيا لرجل الأعمال أن يبدأ عملاً ما ثم يتولى أولاده هذا العمل من بعده،  سواء كان محلاً تجارياً في زاوية صغيرة أو مجموعة شركات كبرى. وبالرغم من ذلك، عندما تتم مناقشة موضوع شركات العائلات ، يبدو أن أول الأمور التي تتبادر إلى الذهن هي العوائق والتحديات التي يسببها وجود العائلة خاصة إذا كانت الشركات أو أعداد أفراد العائلة كبيرة، فيصبح “فصل الملكية عن الإدارة” شعارا يتبناه الكثيرون، ويرى آخرون استبدال إدارة العائلة بإدارة مهنية خبيرة. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل وجود العائلة حقا بهذا السوء؟ وألا يتحلى مديرو العائلة أنفسهم بالمهنية و الخبرة؟ والإجابة البديهية على هذا السؤال هي طبعاً بالنفي، ونحن نعلم جميعا هذه الحقيقة بدليل نجاح الكثير من الشركات العائلية التقليدية. ولكن الموقف السلبي السابق ذكره هو المعتقد السائد الذي يسهل إلصاقه بهم، والطريقة الوحيدة لوضع نهاية له هو الرد عليه. وللقيام بذلك، فنحن في حاجة لاكتساب الوعي عن القيمة التي يمكن للعائلة إضافتها لشركتها، فضلا عن إدراك التحديات التي قد تخلقها في طريقها. وعند التحلي بهذه المعرفة وهذا الوعي، تعم الفائدة على الشركة وتذلل التحديات. وتتمثل الخطوة الأولى في طرح السؤال التالي: كيف تتمكن العائلة من خدمة شركتها؟ وما الذي يمكن أن يضيفه و يتميز به عضو من العائلة في وظيفة ما مقابل أن يشغلها شخص آخر خارج إطار العائلة ويحمل ذات المؤهلات؟ وتقتضي الإجابة على كلا السؤالين البحث في مفهوم “إنشاء القيمة” المترتب عن وجود العائلة الفعال في إدارة شركتها.

لقد شهد العقد المنصرم كما كبيراً من الأبحاث التي أجريت على مقارنة أداء الشركات العائلية مع الشركات الأخرى. وتوصلت أغلب النتائج إلى أن الشركات العائلية تفوقت على نظيراتها من الشركات غير العائلية. ولكي يكون الأمر جلياً هنا في هذه النقطة، فإن كل بحث له معاييره ومقاييسه ويخضع لحدود السوق المدروسة والإطار الزمني للبحث. و لكن حيث أن النتيجة غالباً ما تأتي موحدة في صالح الشركات العائلية، فإن هذا التنوع في ظروف الأبحاث لا يسعه إلا أن يعززها. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما السر وراء نجاح عمل العائلة في شركتها ؟  و جوابه هو ما يطلق عليه بعض الباحثين “العائلية” بينما يستخدم آخرون مصطلح  “رأس المال العائلي”. ويشير كلا المصطلحين إلى موارد غير ملموسة وتفاعلات بين الأفراد و أساسها صلة القرابة، وهو أمر فريد يقتصر على العائلات، ويمكن تحويله إلى ميزة عمل تنافسية. وتعد شركات العائلات -دون أدنى شك- معقدة في طبيعتها، وبالرغم من ذلك فهناك نتيجة ثانوية لهذا التعقيد الملازم لها، وتتمثل هذه النتيجة في أن كل عضو من العائلة يعمل في الشركة يسقط على عمله موهبته الفردية ومعرفته وخبرته وشبكته الاجتماعية. وباعتبارها شركة عائلية، يتحلى الأعضاء الفرديين بالقدرة على العمل كوحدة واحدة تجتذب كافة هذه الموارد وتزج بها في مجموعة ثرية من الموارد غير الملموسة. وسوف يتبدد الغموض الذي يعتري مفهوم عائلية شركات العائلات بعد مناقشة بعض جوانب هذه الموارد.

ولعل أكثر ما يتجلى من هذه الموارد هو اسم العائلة. ويتحلى أعضاء العائلة بطبيعة الحال بدرجة كبيرة من التحفيز والالتزام المنبثق من إحساسهم بالولاء والانتماء الذي يغمرهم لارتباط اسم عائلتهم بعملهم و في كثير من الحالات تجد اسم العائلة على لافتة خارج المبنى ما يذكرهم بهذا الارتباط. ومن ثم تجدهم أكثر الموظفين طواعية في العمل ساعات أطول مع التحلي بأخلاقيات وسلوكيات عمل رائعة. وعلاوة على ذلك، هناك مرونة أكبر في نوع الأدوار و أماكنها والعمل المكلف به عضو العائلة طالما أن هناك إحساس بأنه سيساهم في نجاح الشركة ككل. وعندما يتعلق الأمر بالأجر، توصلت الأبحاث إلى أن رؤساء الشركات العائلية الأمريكية من أفراد العائلة يتلقون حوافز مالية مقابل أدوارهم أقل بصورة كبيرة من الرؤساء من غير العائلة. ويسري ذلك أيضا على أغلب الوظائف الأخرى داخل الشركة. وقد يجادل البعض بأن أعضاء العائلة يتلقون أجراً مالياً من خلال حصتهم في الملكية مما يفسر الحافز المميز لديهم و قبولهم بالأجر الأقل. ولكن من ناحية أخرى، يتوقع كافة المساهمين في كافة الشركات الربح المالي، خاصة تلك الشركات التي تعطي رواتب كبيرة إلى إدارتها العليا. لذلك، لا تزال الحجة الرئيسية قوية، وهي أن وجود أعضاء العائلة المالكين في الشركة يولد إحساسا بالفخر والولاء وينشئ ميزة تنافسية قوية.

وينطوي اسم العائلة على مصدر قوة آخر ثمين؛ ألا وهو الشهرة التي يولدها هذا الاسم. حيث أنه إذا أصبح اسم العائلة علامة تجارية تستخدم للتعريف بالعمل أو البضائع والخدمات التي تقدمها، وإذا كانت هذه البضائع والخدمات معروفة بجودتها، تتولد صورة إيجابية عادة بين أصحاب المصلحة من عملاء و موردين و موظفين و المجتمع بشكل عام، ويشكل ذلك جزءا جوهريا من رأس المال الاجتماعي الذي تمتلكه شركة العائلة. من ناحية أخرى هناك وجه حقيقي “شخصي” للشركة العائلية من المستبعد أن يتواجد في شركات غير عائلية، معنى ذلك أن مجموعات أصحاب المصلحة المختلفين (على سبيل المثال الموردين والعملاء والموظفين والبنوك) قد يفضلون التعامل مع عضو من العائلة المالكة للشركة بدلا من مدير أو موظف من خارج العائلة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الاعتقاد بأن أفراد العائلية لديهم سلطة أكبر على رد المعروف الذي قد يقدم لشركتهم، آملين في بناء علاقة طويلة الأمد. و كثيراً ما يتطور عدد من تعاملات الشركة الجيدة بين أصحاب المصلحة والعائلة إلى صداقة ومودة شخصية طويلة ودائمة يمكن أن تستمر لأجيال. وتنشأ هناك ثقة في اسم العائلة، ويتولد إحساس الراحة المرتبط بأداء العمل معهم. ويرجع ذلك ببساطة إلى أن التعهدات التي يقطعها فرد من العائلة إلى أحد أصحاب المصلحة غالباً ما يتم مشاطرتها من قبل العائلة بأكملها، بخلاف تلك التعهدات الفردية التي تدوم فقط طالما بقي الموظف في وظيفته. وتتجلى قيمة علاقات العائلة القوية بشكل أوضح في أوقات المحن، وتضرب مثالا آخر على كيف أن اسم العائلة و سمعتها و مواقفها السابقة تشكل ميزة عمل تنافسية قوية تعينها على اجتياز هذه المحن.

نقل المعرفة هو مجال آخر تتفوق فيه الشركات العائلية على غيرها. وتعد المعرفة الضمنية التي يحملها أعضاء العائلة بمثابة واحدة من أكثر مصادر القوة الثمينة التي تمتلكها الشركة العائلية. وهذه المعرفة هي عبارة عن الشعور الداخلي أو الحدس المكتسب على مر سنوات الخبرة في الشركة والذي يتوارث في العائلة من جيل لآخر. و لهذه المعرفة قيمة هامة وفريدة تنحصر على هذه العائلة وتتميز بميزة هامة ألا وهي أنه من الصعب جدا أن تكرر و تطبق خارج العائلة أو أن يتم تصنيفها في دليل للعمل أو كتابتها، مما يجعل وجود العائلة أو تأثيرها أمرا أساسيا لكينونة هذه المعرفة ودوامها. وتؤثر مجموعة المعارف والخبرات بصورة مباشرة على اتخاذ القرار والتخطيط الاستراتيجي، حيث تجعل من الشركات العائلية أكثر صمودا مع التحلي برؤية طويلة الأجل وقدرة أكبر على مواجهة الأزمات الاقتصادية.  وفي أوقات الركود عندما تتجه الشركات بشكل عام إلى الحد من الاستثمارات ، قد تتخذ هذه الشركات العائلية المسلحة بالمعرفة والخبرة بالدورات الاقتصادية قرارات استثمارية قد تبدو غير حكيمة في حينها ، ولكن يتبين أنها ستنتشلهم من هذا الركود بميزة استراتيجية جديدة ومتكاملة.

وتعد الطريقة التي ينتقل بها هذا الكنز من المعرفة عبر الأجيال في كثير من الأحوال غير متعمدة أو مقصودة. وفي حالات أخرى، قد تبدو بسيطة للغاية بل وقد يراها البعض تافهة. وتبدأ عادة عندما يأخذ الأب طفله معه إلى العمل مما بجعله يألف الأفراد والأماكن التي يجري فيها العمل. ثم تنتقل هذه المعرفة إليه حين يكبر و يعمل في شركة عائلته  في الأجازات الصيفية والعطلات. وخارج العمل قد يستمع هؤلاء الأطفال إلى آبائهم وهم يتحدثون عن العمل وعن التحديات التي جابهوها في مرحلة عمرية مبكرة في المنزل وفي التجمعات الاجتماعية مع أعضاء العائلة ومع الأصدقاء. و في كثير من الأحيان نجد أن العلاقة مع هؤلاء الأصدقاء قد بدأت من خلال علاقات عمل تحولت مع الوقت إلى صداقات. و من خلال كل هذا تتولد هذه “الحاسة السادسة” داخل هؤلاء الأطفال. وعندما يذهبون للدراسة في كليات الإدارة في الجامعات العريقة حول العالم، مثلهم مثل الكثيرين من ورثة الشركات العائلية، يقترن تعليمهم الجديد النظامي و المتطور مع تلك “الحاسة السادسة” الموجودة مسبقا لتتشكل لديهم معرفة متكاملة الجوانب، وعندما يحين وقت العمل في الشركة، نجد أن أعضاء العائلة يتواصلون مع بعضهم البعض في أمور العمل بسهولة أكبر من الآخرين، ويرجع ذلك ببساطة إلى العلاقة  القديمة القائمة و التي تيسرالاقتراب من بعضهم البعض بسهولة أكبر، فضلا عن الشعور بالاطمئنان و الأريحية، خاصة إذا كان ذلك التواصل من أسفل إلى أعلى المخطط التنظيمي الإداري للشركة. وتؤدي هذه السهولة في الاقتراب والتواصل إلى اتخاذ القرارات بصورة  أسرع، بالإضافة إلى الاستجابة السريعة إلى اضطرابات العمل و الأسواق، مما يجعل الشركة العائلية متفوقة في العمل عند المقارنة مع منافسيها، خاصة عندما نضع في الحسبان أن المديرين في الشركات غير العائلية يجيبون مجموعات متعددة من المساهمين و الذين تتعدد أهدافهم واستراتيجياتهم و مفهومهم لمصلحة الشركة، بينما الملاك في الشركات العائلية  هم أنفسهم –أو من ينتدبون- من يتخذ القرارات. وفي حالة العائلات الكبيرة حيث لا يوجد مكان أو مجال لكافة أفراد العائلة، نجد أن هناك مجموعة أقل من الرؤى والتوقعات يسهل التعامل معها فضلا عن وحدة الهدف النهائي الذي هو ازدهار العائلة, أضف إلى ذلك الثقة في الإدارة التي تم اختيارها و التي تحافظ بشكل عام على السرعة العالية في اتخاذ القرار بالإضافة إلى الإنصاف في التعامل مع الرؤى المتعددة.

والواقع أن العائلات المختلفة تمتلك وسائل مختلفة، حيث أن كل عائلة لها مجموعتها الخاصة الفريدة من الأصول والموارد غير الملموسة التي يمكن تحويلها إلى ميزة تنافسية، وينجم بعض منها من منظومة القيم العائلية المحددة من قبل مؤسس الشركة، بينما يجد الآخرون جذورهم في مبادئ العائلة المتمثلة في المقبول من السلوكيات والالتزامات والتوقعات التي لدى أعضاء العائلة أو التي قد يواجهونها. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف يتسنى لشركة عائلية أن تعزز وتقوي مثل هذه الميزة التنافسية؟ والإجابة البسيطة على هذا السؤال هي الوعي بمثل هذه الموارد غير الملموسة. والإجابة المستفيضة على هذا السؤال دقيقة وتتطلب الحيطة والحذر، حيث أن الباحثين حتى الآن أخفقوا في التوصل إلى إطار عمل نظري واضح لشرح الأثر الذي تتركه العائلة على العمل بكافة عناصره و صوره. وعندما نتمهل للتفكير قليلا نصل إلى قناعة أنهم في الواقع قد لن يتوصلوا إليه، لأنهم ببساطة يتعاملون مع مجموعة من الأصول والموارد العائلية المحددة غير الملموسة التي لا يمكن تقليدها خارج إطار العائلة أو تصنيفها علمياً.  وبعبارة أخرى، لن نتمكن من إعادة إنشاء الموارد التي تمتلكها العائلة في شركة أخرى، لأنها لن تتواجد بدون أعضاء هذه العائلة، كما أنه لن نتمكن من كتابتها في كتيب عمليات لأن طبيعتها ضمنية وحدودها متفاوتة.

و هذا يعيدنا ثانية إلى الوعي بوجود مثل هذه الموارد، فضلا عن الوعي بأهميتها. ويجب على العائلة أن تشجع إحساس الفخر بحقيقة كون شركتهم هي شركة عائلية، فالإقرار بهذه الحقيقة وإعلانها على نحو مستمر يعزز هذا الفخر ويساعد على توليد الشهرة التي ناقشناها أعلاه. وعلاوة على ذلك، يحث الوعي بقيمة وأهمية الروابط الاجتماعية بين أعضاء العائلة وبين أصحاب المصلحة خارج الشركة، يحث أعضاء الشركة على المثابرة بصورة أكبر على تعزيز العلاقات الجيدة مع بعضهم البعض، فضلا عن العلاقات الجيدة مع مجتمع أصحاب المصلحة بصورة عامة. وعلاوة على ذلك، فإن الإدراك بأن التفوق في نقل المعرفة يعني التفوق في المنافسة ويحث العائلات على تشجيع التواصل المفتوح والمتكرر بين أعضاء العائلة داخل محيط العمل وداخل المحيط الاجتماعي أيضا.

إن علينا أن نعتبر أنفسنا محظوظين للغاية في هذا الصدد، حيث أن هذه “العائلية” منتشرة إلى حد كبير في العالم العربي، ففي المقام الأول، يعد امتلاك شركة ناجحة بمثابة رمز للمكانة الاجتماعية، كما أن الاحترام الذي تجلبه هذه المكانة يقابل باعتزاز كبير من قبل أعضاء العائلة.  ويعد هذا الاحترام إلى حد كبير جزءا من الشهرة والسمعة الحسنة المتولدة نتيجة الحفاظ على منظومة قيم العائلة في تعاملات شركتهم. وعلاوة على ذلك، تؤيد التراث و الحضارة المشتركة في  البلدان العربية، من مصادر دينية و أخرى تقليدية، العلاقات الأسرية الممتدة، والتي تتعدى مجرب أقارب الدرجة الأولى، مما ينتج شبكة اجتماعية كبيرة جدا من شأنها أن تساعد في إفادة العمل. و يدرك الجميع المكانة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تستمتع به الشركة العائلية العربية عن طريق أعضائها باعتباره شكلاً من أشكال المزايا التنافسية. وتكمن استدامة هذه الميزة التنافسية في الوعي بأصل هذه الميزة ألا وهو العائلية المتجسدة في الشركات العائلية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 1, 2009

 

Tags from the story