الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل

الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل
Three mens profiles

الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل 

لا شك أن الشركات العائلية لن تتمكن من الاستمرار لعدة أجيال دون قدرتها ورغبتها في الابتكار والتكيف مع الظروف المتغيرة. وفي الواقع، فإن عدداً لا يحصى من الاختراعات الثورية التي غيرت مجرى صناعات كثيرة قد أبصر النور في شركات عائلية. لذلك فإن مبدأ الابتكار البديل يستحق دراسات أعمق في سياق الشركات العائلية. وللخوض أكثر في هذا الموضوع، أجرينا لقاءً مع  ألفريدو دي ماسيس، الأستاذ في ريادة الأعمال والشركات العائلية ومدير مركز الشركات العائلية في جامعة لانكاستر، تعرفنا من خلاله على آرائه وأفكاره حول الشركات العائلية وما تمثله من بيئة مثالية للإبداع و الابتكار البديل إذا ما تم اختيار التوقيت المناسب لمثل هذا التغيير.

الابتكار البديل

الابتكارات البديلة هي ابتكارات تخلق سوقًا وقيمًا جديدة للشركة لم تكن موجودة من قبل، فتقوم هذه الابتكارات باكتساح السوق واستبدال التقنيات والأنظمة القديمة بأخرى حديثة. ومن بين الشركات التي طبقت هذا المبدأ شركة “رايان إير” للطيران والتي كانت الرائدة في تقديم مفهوم جديد كلياً في قطاع السفر يتمثل في خدمة النقل الجوي بتكلفة منخفضة، وقد أرسى هذا النموذج المبتكر معايير جديدة لم تكن معروفة في السوق من قبل.

ومن الأهمية بمكان لأي شركة تريد الاستمرار على المدى الطويل في ظل بيئة سوقٍ متغيرة ونشطة أن تنخرط بأي شكل من الأشكال في مجال الابتكارات البديلة. ولكن قد يختلف الأمر قليلاً بالنسبة للشركات العائلية التي عليها اختيار التوقيت المناسب لضمان سير عملية الابتكار البديل بشكل يفضي إلى نتائج إيجابية.

اختيار التوقيت المناسب

سبق وأشرنا إلى أن التوقيت المناسب هو السر في نجاح عملية الابتكار البديل في الشركات العائلية، وأعتقد أن أفضل توقيت يكون في المرحلة الانتقالية من جيل إلى آخر. ورغم أن هذه المرحلة حساسة للغاية في الشركة العائلية، إلا أنها تمثل فرصة فريدة يجب انتهازها.

وقد أظهرت الدراسات أن تنوع الأهداف يكون في أوجه عند انتقال الإدارة من جيل إلى آخر، وتنوع الأهداف هنا يعني توزيعها بين أعضاء مجلس الإدارة في الشركة العائلية. وتكون أهداف جميع أفراد الشركة العائلية مستقرة وإيجابية خلال فترات استقرار إدارات الشركة، ويصعب حينها تغيير الإدارات الاستراتيجية، بينما تتميز مرحلة الانتقال بمستوى عالٍ من تنوع الأهداف لدى الأفراد بسبب عدم استقرار الوضع الراهن للشركة ما يساعد الأفراد على التعبير عن أهدافهم الجديدة بشغف أكبر. (الشكل 1)

الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل

المصدر: كوتلار ودي ماسيس (2013)

يساعد انضمام جيل جديد من الشباب إلى الشركة إلى إضافة أفكار جديدة ومختلفة تؤدي إلى حدوث تقاطع بدرجات متفاوتة مع أهداف الجيل السابق.

كما أن الأهداف لا تختلف بين أفراد الجيلين فقط وإنما تختلف بين أصحاب المصلحة الذين تربطهم علاقة بالشركة العائلية مثل المدراء، والموظفين، والعملاء، والموردين. ولهذا ينبغي استغلال مرحلة الانتقال لتوسيع مدى تنوع الأهداف التي تسعى الشركة لتحقيقها،  ويعني ذلك ظهور الكثير من الآراء المختلفة حول تطلعات مختلف الجهات لاستخدام موارد الشركة في المستقبل.

قد تحاول الشركات العائلية التخفيف من ضغوطات هذه المرحلة المليئة بالاضطراب والنزاعات، لكن مثل هذه الضغوطات قد تكون سبباً في تغيير تقنيات الشركة وابتكار طرق جديدة للقيام بالأعمال.

ينبغي للشركات العائلية أن ترى في المرحلة الانتقالية فرصة مثالية لتحقيق تغيير جذري في أعمالها، واعتبارها بمثابة الفرصة الأخيرة لتحقيق ابتكار بديل.

ولتلخيص ما سبق، فإن الأهداف تكون واضحة ومحددة خلال فترات الاستقرار الإداري في الشركة العائلية، بينما تبدأ في التنوع والتغيير مع اقتراب الفترة الانتقالية للإدارة من جيل إلى آخر، إذ تمثل هذه الفترة بيئة مناسبة وحافزاً لإجراء تغيير جذري وفرصة فريدة لإجراء ابتكارات بديلة داخل الشركة العائلية.

الابتكار من خلال الاستباقية

تتطلب إعادة توجيه أهداف الشركة العائلية نحو اتجاه جديد ما يعرف بالاستباقية، والتي تشير هنا إلى المجهود الذي تبذله الشركة لاغتنام الفرص الجديدة، ومدى قدرتها على توقُّع المتطلبات المستقبلية للسوق، بالإضافة إلى العمل بنشاط لإعادة تشكيل البيئة الخارجية. وكلما كانت الشركة قديمة، زاد اعتمادها على الماضي. إذ تعتاد الشركات كما الأشخاص على روتين معين نتيجة اعتماد نهج التبعية. وقد أظهرت الدراسات التي تتناول الشركات العائلية وجود مراحل ودرجات متفاوتة لمستوى الاستباقية لدى الشركات العائلية (الشكل 2)

الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل 

المصدر: دي ماسيس، شيريكو، نالدي (2014)

نلاحظ من خلال الرسم البياني أعلاه أن منحنى الاستباقية في الشركة العائلية يظهر على شكل الحرف “S”  أفقياً ويمثل المراحل المختلفة التي تمر بها. كما يُظهر الرسم البياني بأن الاستباقية تتغير مع تغير ديناميكية الشركة العائلية وتطور أنظمتها عبر الزمن. ونجد على سبيل المثال

بأن الاستباقية تكون في أوجها خلال مرحلة تأسيس الشركة. وتشهد الشركة بعد هذه المرحلة الريادية تراجعاً لا بد منه بسبب استقرار الشركة وأعضائها ودخولها مرحلة من الجمود.

وتشهد الشركة مرة أخرى تغيراً واضحاً في الأهداف مع تقادمها وانضمام أجيال وأفراد جدد.

وعند ظهور هذا الكم الكبير والمتنوع من الأهداف تسعى الشركة لإعادة ترتيبها باعتماد نهج الاستباقية، الأمر الذي يؤدي حتماً إلى مزيد من الابتكار. باختصار، فإن مرونة إدارة الشركة العائلية المتميزة بتنوع الأهداف والثقة والتعاون والتواصل بين أفرادها، بالإضافة إلى النمو الطبيعي للشركات، كلها عوامل تجعل الفعل الاستباقي لدى الشركات العائلية أكثر تعقيداً من الشركات الأخرى لا سيما وأن التناوب بين تطور أدارة الشركة العائلية ونمو الشركة سيؤدي إلى ظهور تفاوت في مدى قابلية أفراد العائلة على انخراط شركتهم في الابتكار من خلال الاستباقية. 

 

مواجهة النتائج

تشكل الشركة العائلية بطبيعتها بيئة خصبة للابتكار البديل. ومع ذلك، هناك بعض العوامل التي قد تمنع العائلة من الانخراط في الابتكار والتي يمكن تفسيرها بشكل عام على أنها تهديدات يشكلها هذا الابتكار البديل:

  1. يتطلب الابتكار البديل انفتاح الشركة العائلية للمعرفة الخارجية في مجالات مختلفة مثل التمويل والتقنيات. ولكننا نعرف بأن هذه الشركات قد تتبع نهجاً اقتصادياً يركز على العائلة بشكل خاص، وربما تكون بعض الأهداف غير الاقتصادية مثل الحفاظ على سمعة العائلة ذات أهمية قصوى بالنسبة لها. وتقف هذه الأهداف عائقاً أمام تبني الشركات للإجراءات اللازمة لتحقيق الابتكار البديل مثل الانفتاح لشركاء خارجيين، وتقنيات جديدة.
  2. غالبا ما يتطلب الابتكار البديل استثماراً مالياً كبيراً على مدى سنوات عديدة. ولذلك نجد الكثير من الشركات العائلية مترددة باعتماد رأس المال اللازم لتمويل الابتكار من خارج الشركة، إذ أنها تتخذ قرارات موجهة للعائلة، ويكون الهدف من هذه القرارت الحفاظ على ثروة العائلة وزيادتها. ويحد هذا العامل من قابلية الشركة للاستجابة لفرص الابتكار البديل التي قد تواجهها. فليس من السهل على أي جيل في شركة عائلية أن يخاطر بثروة العائلة وأهدافها الخاصة من أجل تحقيق ابتكار جديد وغير مضمون.
  3. حتى عندما تقرر الشركة العائلية الاستثمار في الابتكار الجديد، فقد تواجه مشكلة أخرى مثل عدم توفر الموارد المالية مثل الديون أو التمويل الخارجي. وتشكل عدم القدرة على الحصول على تمويل خارجي عائقاً في وجه الشركة العائلية التي تسعى للابتكار.

الاستفادة من الفوائد والمزايا

بالرغم من العوائق التي ذكرناها سابقاً، إلا أن الشركات العائلية تمثل قاعدة جيدة للمبتكرين وذلك للأسباب التالية:

  1. يشكل تركيز الشركة العائلية على الاستمرارية على المدى الطويل عاملاً إيجابياً لتحقيق الابتكار البديل. فالتغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يحتاج وقتاً طويلاً لرؤية نتائجه على أرض الواقع، ولذلك تعتبر الشركات العائلية بيئة ممتازة لمثل هذا التفكير إذ تضع خططاً على المدى الطويل تركز فيها على تحقيق الأهداف لأكثر من جيل واحد. ويأتي تبني الشركات العائلية للتخطيط على المدى الطويل ليزيد من قابليتها للاستجابة للتغيير الذي تحدثه التكنولوجيا بواسطة الابتكارات البديلة التي قد يتطلب رؤية نجاحها وعائداتها أعواماً بل عقوداً من الانتظار.
  1. تعتبر التقاليد العائلية ميزة قوية لحصول الابتكار البديل. فالشركات العائلية تمتاز عن غيرها من الشركات بجذورها القوية الممتدة إلى الماضي، والتي ساعدتها على تحصيل كمية كبيرة من الخبرات والإمكانيات والقيم والمعايير، إضافة إلى المعتقدات والعادات التي تعود إلى تاريخها العريق. ويساعد تاريخ العائلة على تعميم تجربتها وتعزيز قيمها المشتركة ومعاييرها المكتسبة عبر الوقت، بالإضافة إلى خلق رابط قوي بين الحاضر والماضي. إذ يمثل الماضي مصدراً غنياً بالمعرفة والخبرة اللازمة لتطوير ابتكار بديل. كما يشكل تاريخ وتقاليد الشركات العائلية مراجع قيِّمة يمكن الاستفادة منها عبر تحليل الماضي وربطه بطريقة مفيدة مع المستقبل.
  1. تتمتع الشركات العائلية بنقطة تغيير جذري طبيعية تمثل أساساً رائعاً لحدوث الابتكار البديل وهي: مرحلة انتقال الإدارة من جيل إلى آخر. وكما ذكرنا آنفاً، يمكن أن تشكل هذه المراحل تحدياً يصعب التعامل معه، ولكنها تحمل في طياتها فرصاً مثالية لمستقبل الشركة العائلية.

 

تناقضات الابتكار

يبدو لنا الآن بعد هذا التحليل أن الشركات العائلية تمثل بيئة مناسبة للابتكار البديل، فلماذا لا نراه أكثر على أرض الواقع؟ ولشرح هذا التناقض، يقول نيكولو بيليني، أحد أفراد الجيل الثالث في شركة بيليني كافيه: “من المحبط أن يعترف الجميع بقدرتنا على التعامل مع المشاريع المبتكرة والمعقدة، بينما يقلل الهيكل التنظيمية لشركاتنا من قابليتنا للتغيير”.

وهذا يعني أن الشركات العائلية تواجه نوعاً من التناقض عندما يتعلق الأمر بالابتكار: فرغم أنها تشكل البيئة المناسبة للابتكار إلا أنها لا ترغب في الانخراط فيه.

وترجع أسباب عدم الانخراط في الابتكار إلى العوامل التي ذكرناها آنفاً والتي قد تقف عائقاً في وجه الأهداف العائلية لهذه الشركات.

ولذلك يمكننا تلخيص التناقض في الإمكانات العالية لتحقيق الابتكار مع رغبة قليلة للانخراط فيه. ومن أجل تعزيز مبدأ الابتكار داخل الشركات العائلية، ينبغي على هذه الأخيرة التحلي برؤية تسمح لها بمعرفة الفوائد التي ستعود عليها بعد تحقيق هذا الابتكار، كما يجب تحفيز رغبتها للخوض فيه. وقد يعني هذا في بعض الأحيان محاولة إقناع أفراد العائلة بالانخراط في الابتكار رغم عدم قدرتهم على تلمس نتائجه في حياتهم، وهذه حجة قد يصعب تحقيقها.

من الواضح أن الممارسات التي تقترحها الدراسات في مجال إدارة الابتكارات لا تنطبق على الابتكارات في الشركات العائلية، ومن المهم أن نفهم الأثر الكبير لخصائص الشركة العائلية على إدارة الابتكارات. لذا ينبغي على الشركات العائلية تفادي الممارسات التقيليدية في مجال إدارة الابتكارات في حال أرادت زيادة فعالية مواردها وخصائصها. وينبغي أن تسعى كل شركة عائلية لإيجاد طريقها نحو الابتكار، إذ ستتجه بعضها إلى طرق أكثر مرونة لتحقيق الابتكار الذي تسعى إليه، بينما تحتاج شركات أخرى لاتباع قواعد جامدة لتحقيق ذلك. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التفكير الإبداعي قد يختنق في ظل وجود سياسة صلبة في اتخاذ القرارات داخل الشركة العائلية، إذ يتم اتخاذ الكثير من القرارات في الشركة العائلية بشكل غير رسمي، ويعتبر هذا الأمر ميزة استراتيجية مهمة.

وتبقى أهم العناصر اللازمة لتحقيق الابتكار البديل – بغض النظر عن المقاربة المتبعة – إيجاد التوقيت المناسب، وفهم تغيرات السوق، وتمكين الأشخاص القائمين على المشاريع الإبداعية، والأهم من هذا كله وجود بطل من داخل نطاق العائلة. قد لا يكون البطل بالضرورة صاحب الدراية بل يمكن أن يكون الشخص الذي يتمتع بالحنكة السياسية اللازمة لتحقيق التغيير الجذري. وإذا ما أخذت الشركات العائلية بعين الاعتبار كل ما سبق ذكره ستكون بلا شك جاهزة لتحقيق نجاح باهر وتقديم اسهاماتٍ غنية في ميدان عملها وفي الاقتصاد بشكل عام.

المراجع:

Chrisman J.J., Chua J.H., De Massis A., Frattini F., Wright M. 2014. The ability and willingness paradox in family firm innovation.Journal of Product Innovation Management.In press.

De Massis, A., Chirico, F., Kotlar, J., &Naldi, L. 2014. The Temporal Evolution of Proactiveness in Family Firms: The Horizontal S-Curve Hypothesis. Family Business Review, 27(1), 35-50.

Kotlar J., De Massis A. (2013). Goal Setting in Family Firms: Goal Diversity, Social Interactions, and Collective Commitment to Family-Centered Goals. Entrepreneurship Theory & Practice, 37(6), 1263-1288.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 24, 2014

 

Tags from the story