أداء الشركات العائليـة في سويسرا

أداء الشركات العائليـة في سويسرا

 للوهلة الأولى، قد تبدو الشركات العائلية من أوجه عدة في صورة مناقضة تمامًا للمؤسسات الكبرى التي تدرج أسهمها في بورصة الأوراق المالية. إلا أن الأبحاث الأكاديمية التي أجريت مؤخرًا تبين أن الشركات العائلية في واقع الأمر نمط شديد الانتشار في معظم أسواق الأوراق المالية بل إنها قد تكون من بين المؤسسات الكبرى في بعض الحالات. وهذا المقال بقلم بروفيسور د. دوشان إيزاكوف، أستاذ الإدارة المالية بجامعة فريبورج بسويسرا، يستعرض فيه أحدث البراهين الأكاديمية في هذا الميدان ويلقـي الضوء على بحث أجري مؤخرًا يحلل أداء الشركات العائلية في سويسرا.

سويسرا

حتى وقت قريب، كان المذهب السائد في المراجع الأكاديمية أن معظم الشركات المساهمة العامة تكون ملكية الأسهم فيها موزعة على قاعدة عريضة من المساهمين. وكان التحدي الرئيسي الذي يواجه هذا الوضع يكمن في تقديم طرق لعلاج مشكلة الوكالة التقليدية التي تواجهها هذه الشركات. أو إن شئنا الدقة، المشكلة التي تنشأ نتيجة وجود فصل بين الملكية والإدارة. ومعنى هذا أن الإدارة تتحكم في الشركة ويمكنها اتخاذ إجراءات لا تكون دائمًا في صالح الملاك – أي حاملو أسهم الشركة. فهؤلاء في كثير من الحالات يكون عددهم كبيرًا ومن ثم غير قادرين على التنسيق فيما بينهم من أجل السيطرة على الإجراءات التي يقوم بها الوكلاء- المدراء. وتجر تلك الإجراءات أنماطًا مختلفة من التكاليف التي تأتي على حساب الملاك ويطلق عليها اسم “تكاليف الوكالة”. وقد طرحت عدة حلول للإقلال قدر الاستطاعة من تلك التكاليف، نادى واحد منها بربط المكافآت الإدارية بتطور سعر السهم ومن ثم، ربط مصالحهم، أي إداريو الشركة، بمصالح المساهمين.

غير أن سلسلة من الدراسات التي أجريت مؤخرًا على نظام الملكية كشفت عن أنه في معظم أسواق الأوراق المالية يتصف عدد كبير من الشركات المدرجة أسهمها بها بنظام ملكية لا تتوزع فيه ملكية السهم على قاعدة عريضة من المساهمين. فلديها بصفة عامة واحد أو أكثر من كبار المساهمين الذين يمكن تصنيفهم على أنهم عائلات، أو دول، أو شركات أخرى إما صناعية أو مالية. ومن وسط تلك الأنماط من الملكية، تبدو الشركات العائلية الأكثر تواجدًًا. كما تبين الدراسات الحديثة، على سبيل المثال، أنه في قارة أوربا نجد في المتوسط أكثر من 50% من جميع الشركات المدرجة أسهمها بالبورصة تديرها عائلات. وتستثنى من هذه القاعدة كل من المملكة المتحدة وأيرلندا، حيث يوجد بهما عدد متدني للغاية من الشركات التي تديرها عائلات. وفي قارة آسيا يبدو أن ما يقرب من ثلثي الشركات بها مملوكة لعائلات أو لأفراد. وحتى في الولايات المتحدة، حيث من المقبول عادةً أن تكون ملكية الشركات موزعة على قاعدة عريضة من المساهمين، توصلت إحدى الدراسات إلى أن حوالي 35% من الشركات المدرجة تحت مؤشر “ستاندارد آند بور 500 ” هي شركات عائلية.

هذه النتائج التي ظهرت حديثًا والخاصة بنظام الملكية تدعونا لإجراء تحليل متأني للعواقب المترتبة على الملكية العائلية والتي تؤثر على مشكلة الوكالة. فمن المسلم به على نطاق واسع أن وجود مساهم كبير من الممكن أن يقلص، أو على أقل تقدير يمنع تفاقم، النزاع التقليدي الذي ينشب بين ملاك الشركة والقائمين على إدارتها، ومن ثم، يقلل تكاليف الوكالة. إلا أن المزايا المتوقعة من وجود مساهم كبير داخل شركة ما قد يحدها ظهور نمط آخر من مشاكل الوكالة. فكبار المساهمين قد يستخدمون نفوذهم في إصدار قرارات تزيد من أرباحهم أو منافعهم الشخصية غير أنها تتجاهل أو حتى تلحق الضرر بمصلحة الأقلية من حاملي الأسهم. وجوهر هذه المشكلة يكمن في استخلاص ما يطلق عليه “منافع خاصة”. فالمنافع الخاصة قد تكون متمثلة في استغلال موارد المؤسسة في تحقيق مآرب شخصية. وقد سعت بعض الدراسات إلى محاولة القياس الكمي لحجم المنافع الخاصة وتوصلت إلى أنه قد تصل قيمتها، في المتوسط، إلى ما نسبته 14% من قيمة حقوق المساهمين.

ومن الناحية النظرية، لا يتضح أي من التأثيرين يفوق الآخر. ففي حين نجد أن تزايد الرقابة على الإدراة مما يؤدي إلى توحد أفضل لمصالح كل من الملاك والمديرين أمرًا إيجابيًا، فإن استخلاص المنافع الشخصية أو جور المساهم الأكبر على حقوق باقي المساهمين من الممكن أن يكون ضارًا بمصالح الأقلية من المساهمين. وبالتالي، يصير السؤال محل الاختبار هو أي التأثيرين سيسود على الآخر.

إن تحليل أداء الشركات العائلية يقدم لنا الإجابة على هذا التساؤل. إن المراجع الأولى التي تناولت مسألة الشركات العائلية ترى أن تلك الشركات تبدو أكثر ربحية وقيمتها السوقية أعلى من الشركات غير العائلية. ويبدو بالتالي أن قاعدة الملكية العائلية ربما كانت سبيلا نحو الإقلال من تكاليف الوكالة التي يتحملها كل من الإداريين والمساهمين، ومن ثم، فهي تسهم في تقديم قيمة أكبر.

ولتقديم مزيد من البراهين، قام فريقنا البحثي بتحليل أداء الشركات العائلية في سويسرا، وهي سوق أوربية نمطية تتمتع فيها الشركات العائلية بوضع مستقر وتمثل أكثر أشكال الملكية انتشارًا. وقد استخدمنا البيانات المتوفرة عن جميع الشركات التي يتداول أسهمها في البورصة السويسرية في الفترة من 2003 إلى 2007. وتمثل هذه البيانات عينة مكونة من أكثر من 170 شركة و53 بالمائة منها شركات عائلية. لقد استخدمنا مقياسين للأداء: مقياسًا محاسبيًا وهو العائد على الأصول وهو مقياس يوضح ربحية الشركة أو إنتاجيتها، والثاني هو المقياس المرتبط بالسوق يُسمى “معامل توبين” والذي يوضح قيمة أصول الشركة في السوق مقارنة بقيمتها الدفترية. وقد توصلنا إلى دلائل على أن الشركات العائلية لديها معامل توبين أعلى بمقدار 1,19 وعائد على الأصول أعلى بمقدار 3 بالمائة من الشركات غير العائلية. ويكشف تحليل أكثر دقة عن أن الاختلاف بين المعدلين يعتمد على سمات الشركة العائلية. أولا، عثرنا على أدلة على أن الشركات العائلية التي يتواجد بها مساهم يمتلك مجموعة كبيرة من الأسهم تضعه في المرتبة الثانية خلف العائلة، تكون أكثر ربحية حيث وجدناها أعلى بنسبة 5% من حيث العائد على الأصول وأعلى بمقدار 1,27 بالنسبة لمعامل توبين مقارنة بالشركات غير العائلية. وفي هذه الحالة لا تنخفض وحسب تكاليف الوكالة الموزعة بين الإدارة والمساهمين، لكنها تنخفض كذلك بين المساهمين حاملي أغلبية الأسهم وبين المساهمين الأقلية من خلال الحد من اقتطاع المنافع الخاصة. وثانيًا، أن الشركات العائلية، التي تكون فيها الأسرة مجرد مستثمر ليس إلا، لا تؤدي بصورة أفضل من الشركات غير العائلية. فقط عندما يشارك أفراد الأسرة بإيجابية في الإدارة، إما في منصب الرئيس التنفيذي أو رئيس مجلس الإدارة أو كلاهما، فإنهم يضيفون قيمة، ومن ثم، يقدمون أداءً أفضل بكثير من الأشخاص الخارجيين. وهذا يشير إلى أن أفراد العائلة لديهم معرفة كبيرة بشركاتهم والتي يُفتقد إليها عندما يقتصر إسهامهم في الشركة على الملكية وحسب. كما تبين النتائج التي توصلنا إليها كذلك أن تلك المهارات ليست قاصرة على مؤسس الشركة وإنما هي متوفرة كذلك في الشركات العائلية التي يديرها ورثة المؤسسين. وأخيراً، توصلنا إلى أنه عندما تكون لدى الشركات العائلية نظام لتقسيم الأسهم إلى فئتين إحدهما لها الحق في التصويت والآخرى تحصل على الأرباح فحسب، فإن معظم الاختلاف بين المعدلين يتلاشى بما يشير إلى وجود مشاكل وكالة داخل تلك الشركات.

وتؤكد تلك النتائج على صحة ما توصلت إليه الدراسات التي أجريت على البورصات الأخرى حيث تبين أن الشركات العائلية التي يتداول أسهمها في البورصة تتمتع في المتوسط بأداء أفضل من الشركات غير العائلية المدرجة بالبورصة. وفي هذا إشارة إلى أن وجود شركة عائلية هو الحل لمشكلة الوكالة المعتادة الموجودة في الشركات المدرجة أسهمها في البورصة. ومن الواضح أن الميزة التي تتمتع بها هذه الشركات ترتبط بمسألة الرقابة عن قرب التي يمارسها أفراد الأسرة على الإجراءات التي تقوم بها إدارة الشركة. غير أنه لما كان أفراد الأسرة قد يتعرضون هم كذلك لإغراء استخدام موارد الشركة لمصالحهم الشخصية، فإن وجود مساهم ثان كبير يقوم كذلك بفرض الرقابة على تصرفات العائلة يكون أمرًا مفيدًا بالنسبة للمساهمين الأقلية، حيث أن هذا يحسن من أداء الشركة سواء فيما يتعلق بمقياس السوق أو المقياس المحاسبي.

البحث الكامل حول أداء الشركات العائلية المدرجة بالبورصة السويسرية يمكن تنزيلها من العنوان التالي:

http://ssrn.com/abstract=1484574

بروفيسور د/ دوشان إيزاكوف،

أستاذ الإدارة المالية،

جامعة فريبورج،

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 5, 2010

Tags from the story