العلامات التجارية للشركات العائلية

التجارية

عبر المراحل التاريخية المختلفة، لعبت الشركات العائلية دوراً عظيماً في تشكيل العرض التجاري للأسواق بجميع أرجاء العالم. وعلى الصعيد العالمي، تمثل الشركات العائلية من 60 إلى 95 بالمئة من المؤسسات الموجودة؛ لكن هناك مناطق قليلة من العالم ترتفع فيها هذه النسبة كما هو الحال في العالم العربي، حيث أوضحت الأبحاث -على سبيل المثال- أن أكثر من 90% من جميع الأنشطة التجارية بدول مجلس التعاون الخليجي تتم إدارتها بواسطة شركات عائلية. الشركات العائلية هي العنصر الموجـّه وراء معظم الاقتصاديات العربية وتمثل نسبة كبيرة من العلامات التجارية التي يختارها المستهلكون. في هذه المقالة، يتناول باتريك ستال  الإستشاري الأول بشركة الاستشارات “إنتربراند”، خصائص العلامات التجارية للشركات العائلية ويضع معايير لها من خلال تلك التي لم تنجح والعلامات الأخرى التي أحرزت نجاحاً وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا.

تختلف الشركات العائلية عن بقية الشركات الأخرى، حيث يعي كل من سبق له العمل مع أو لدى شركة عائلية و يدرك أن هناك قوى مميزة في هذه المنظومة. إنه وسط فريد يشتمل على المزايا والمخاطر الخاصة به.

تواجه العلامات التجارية للشركات العائلية تحديات خاصة بها، وإذا لم يتم التعامل مع هذه التحديات فسوف تصبح عوائق تنافسية خطيرة. لعلـّك  تذكر التراجع الكارثي لشركة “جوتشي” في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، أو الأزمة الأخيرة لفنادق “حياة” التي أشيع أنها نتجت عن نزاع عائلي داخل عائلة بريتزكر، أو الصراعات العائلية المعلنة بداخل العائلة المالكة لشركة “سي أند إيه”؟

محمد عبد الجليل الفهيم الرئيس الفخري لمجموعة الفهيم الإماراتية صرّح في عام 2007 أن ” سوف تتاح للشركات العائلية بصفة متزايدة فرصة الحصول على حصة كبيرة من النشاط التجاري، وبالتالي نحن بحاجة إلى الاستعداد للاستجابة سريعاً وبفعالية”. وجزء من هذا الاستعداد هو الاستيعاب الشامل لما تتطلبه عملية إنشاء وإدارة علامات تجارية قوية تدعم وتحمي “العنصر العائلي”.

للأسف، دور التمييز التجاري بداخل الشركات العائلية كان دائمًا موضع دراسة. العلامات التجارية للشركات العائلية بطبيعتها أقل إلماماً بكيفية التعامل مع وسائل الإعلام وعادة لا تكشف عن النتائج أو الأنشطة الداخلية لها مما يجعل دراستها أصعب. لكن بالنظر إلى أهمية الدور الذي تلعبه في رسم ملامح أنظمتنا الاقتصادية -وبصفة خاصة في رسم ملامح الساحة التجارية التي تتنافس بداخلها جميع العلامات التجارية- فعلى مالكي العلامات التجارية الحرص على التعلم منهم.

z026_bxp57030h

الشركات العائلية والتمييز التجاري في الجزيرة العربية

انطلق من الجزيرة العربية العديد من العلامات التجارية التي تحظى بتقدير واحترام عالمي في الفترة الماضية التي تمتد من 10 إلى 20 سنة. فإلى جانب العلامات التجارية لخطوط الطيران الشهيرة عالميًا مثل الخطوط الجوية القطرية، وطيران الإمارات، والإتحاد، فهناك علامات تجارية مثل جميرا، وأرامكس، وأرامكو، والفطيم، والجزيرة، وأوراسكوم، وإتصالات، وغيرها من الشركات التي أصبحت رموزاً للجودة والتفاني والاستقرار من ولأجل المنطقة.

وكما حدث في مناطق أخرى، فقد أحرزت العديد من العلامات التجارية الرائدة حالياً في المنطقة العربية وخارجها تقدماً ثابتاً في التحول من رمز للجودة إلى تقديم تجربة متطابقة عبر جميع نقاط الاتصال مع العملاء. ومع اعتياد المستهلكين في المنطقة العربية على حصولهم على قوة شرائية متزايدة وتنوع في الخيارات، فمن الملاحظ  أن وراء الكثير من أنجح العلامات التجارية تكون هناك شركة عائلية.

ومن المثير للاهتمام إمكانية تحديد بعض العوامل والأنماط المميزة المشتركة فيما بين الشركات العائلية في المنطقة العربية. تتميز الكثير من أنجح الشركات العائلية العربية ببعض السمات التالية:

  • ارتباطها الوثيق بمجتمعاتها
  • حرصها على الاستمرارية والبقاء عبر الأجيال المتتالية
  • إدراك شديد لقيمة سمعتها، حيث يدرك أفراد العائلة أنهم يمثلون اسم شركة العائلة سواء كانوا يعملون بها أو لا.
  • إدارة قوية وفعّالة للسمعة الطيبة
  • مشاركة محددة في الشركة بواسطة قطاعات كبيرة من العائلة يسود بها حس من التفاني والالتزام المشترك ، وعادة ما ينعكس هيكل العائلة على هيكل الشركة.

تنعكس هذه السمات في الشركات العائلية الموجودة خارج المنطقة العربية وبعضها قد يكون نعمة ونقمة في ذات الوقت.

بدأت الكثير من الشركات العائلية العربية الكبرى-وخاصة في منطقة الخليج- عملياتها كوكلاء أو مشروعات مشتركة مع العلامات التجارية الغربية. فرضت هذه الديناميكية منحنى تعليمي تصاعدي لممارسات التمييز التجاري على المنطقة العربية. و تمكنت العائلات العربية من تطبيق الدروس التي تعلمتها من العلامات التجارية الغربية على العلامات التجارية لشركاتها العائلية القابضة. حيث تمكنت من نقل قيم سوقية مهمة من العلامات التجارية التي تستضيفها إلى العلامات التجارية لشركاتها (الريادة، الجودة، الابتكار، وما شابه ذلك). من جهة أخرى، يمكن للعديد من العلامات التجارية العالمية أن تنسب نجاحها في المنطقة إلى ارتباطها بشركة عائلية تحظى بتقدير كبير داخل المجتمع. وعبر جميع أنحاء العالم العربي، يمكننا العثور على علامات تجارية لشركات قابضة تحمل اسم العائلة، والتي توفـّر ضمان الجودة للعلامات التجارية التي تمتلكها في المنطقة (مثل الفطيم (الإمارات)، وناصر بن خالد (قطر)، ومجموعة كانو (البحرين)).

إلى جانب نموذج الوكيل المذكور أعلاه، فهناك نسبة كبيرة من الشركات العائلية العربية القوية التي انبثقت بالمنطقة ، حيث ركزت هذه الشركات في العادة على الأنشطة التجارية من شركة إلى شركة وهي حالياً تدير مجموعات صناعية ضخمة. تشيّد هذه العائلات شركات قوية لكنها لم تستفد من دروس التمييز التجاري من التحالفات الوطيدة التي أنشأتها مع العلامات التجارية الغربية الملزمة باتباع ممارسات معينة. وبالرغم من أدائها الجيد في العادة، فهذه الشركات العائلية ستحتاج إلى مزيد من التطور لإدارة العلامات التجارية لشركاتها بحنكة مستقبلاً.

بالنسبة لهذين النموذجين وكذلك العديد من النماذج الأخرى للشركات العائلية بالمنطقة العربية، سوف نقوم في هذه المقالة بتوضيح بعض أهم التعاليم وأفضل ممارسات التمييز التجاري من جميع أنحاء العالم، والتي تنطبق بصفة خاصة على الشركات العائلية.

أفضل ممارسات التمييز التجاري

بينما يعد التمييز التجاري مسألة معقدة ، فهناك دروس مهمة يمكن تعلمها من بعض أبرز العلامات التجارية على مستوى العالم. فيما يلي بعض العوامل التي يجب أخذها في الحسبان.

  • يكون لدى العلامات التجارية القوية غاية أو سبب واضح للتواجد. تعمل هذه الغاية الواضحة على  تمييزها عن العلامات التجارية الأخرى وتخلق شعوراً بالثقة و الأصالة حول العلامة التجارية. في العادة، لا يتم التوسع في الإعلان عن الغاية الرئيسية الداخلية للعلامة التجارية، لكن هذه الغاية هي التي تقود نجاح الشركة يومياً. شركة “نايك” وفكرة علامتها التجارية عن “الفوز” تعد مثالا جيدًا على ذلك. يتم تجسيد هذه الفكرة من خلال الشعار “Just Do It”، وتعمل الفكرة كمفهوم شامل راسخ تنطوي تحته جميع المنتجات والخدمات التي تقدمها العلامة التجارية.
  • تعرف العلامات التجارية الرائدة عملائها وتسعى جاهدة لتظل مهمة بالنسبة لهم. تُظهر العلامات التجارية القوية مستوى عال من التفاني لرؤى العملاء مقارنة بالمنافسين الآخرين. ومن الأمثلة الرائعة على هذا شركة فيليبس وتركيزها على رؤى العملاء باستمرار ومتابعة العلامة التجارية لضمان بقاء مفهوم “المنطق والبساطة” مهماً بالنسبة للعديد من المنتجات والمجالات.
  • تتسم أفضل العلامات التجارية بالاتساق والثبات في طريقة تقديمها لأنفسها. حيث تقدم تجربة للعلامة التجارية تعلن عن ماهية العلامة التجارية مراراً وتكراراً عبر العديد من نقاط الاتصال. ومن الأمثلة الرائعة على هذا العلامة التجارية لشركة “آبل”؛ أصبحت “آبل” في غاية الاتساق بحيث لم تعد المنتجات بحاجة إلى حمل الشعار الرمزي لكي يتم تمييزها بواسطة المستهلكين. تتسم جميع التجارب مع العلامة التجارية ونقاط الاتصال معها بالاتساق والثبات، وتواصل المنتجات من الابتكارات الجديدة المهمة الأساسية للشركة.
  • العلامات التجارية الرائدة تضم موظفيها كوسيلة لتقديم العلامة التجارية. إلى جانب لعب أفراد العائلة دور السفراء لشركاتهم، فالعلامات التجارية القوية تبذل مجهوداً كبيراً لضمان أن موظفيها سفراء للعلامة التجارية عند التعامل مع العملاء. ومن الأمثلة الرائعة على هذا متجر “نوردستروم” المتعدد الأقسام والمتخصص في السلع الراقية بالولايات المتحدة. هناك يعتبر الموظفون سفراء للعلامة التجارية، ويتم تمكينهم لاتباع أي وسيلة ضرورية لتلبية احتياجات العميل والقيمة الأساسية للعلامة التجارية المتمثلة في تقديم خدمة رائعة للعميل.
  • ظلت العلامات التجارية الرائدة بالماضي هي العلامات التجارية الرائدة بالحاضر من خلال الاستعداد للريادة والتطور. تحوّلت ماكدونالدز من علامة تجارية معنية بالحجم والجائزة إلى علامة تجارية مرتبطة بالمرح وإيجاد مساحة للاحتفال بالحياة والشباب والصحة . يعد هذا مثالاً رائعاً لعلامة تجارية نجحت في الريادة والتطور.

التعلق بفكرة رئيسية

معظم العلامات التجارية العائلية محظوظة لكونها تنشأ من منطلق التعلق و الشغف بفكرة رئيسية. غالبًا ما يتولى المؤسس، الذي يكون لديه رؤية أفضل لما يمكن أن تكون عليه الشركة ولمن وأين ولماذا، قيادة نجاح الشركة العائلية.

العلامة التجارية للشركة العائلية الألمانية الكبيرة “هينكل” تزدهر لكونها “شركة رائدة بما لديها من علامات تجارية وتقنيات تجعل حياة الناس أسهل وأفضل وأكثر جمالاً”. ظلت هذه الفكرة الرئيسية محور الشركة لأكثر من 133 سنة منذ تأسيس فريتز هينكل للشركة في عام 1876 من منطلق فكرة تقديم منتجات تجعل حياة الناس “أسهل وأبسط”. وكما يتضح من خلال هينكل، تتمتع الشركات العائلية بأفضلية لكونها تستطيع بسهولة إضفاء الأصالة على أفكار العلامات التجارية. ويمكن لهذا أن يساعد في تمييزها عن المنافسين.

البقاء على اتصال بالعملاء – ضمان الأهمية

حتى قبل ظهور الأبحاث المتقدمة وتحليلات العلامة التجارية، اشتهرت العلامات التجارية للشركات العائلية بأنها تعرف عملائها جيدًا. هناك مستوى فريد من المشاركة والالتزام من جانب أفراد العائلية يميز وينظم الشركات العائلية. ونظرًا لأن الإبقاء على الشركة بواسطة إرضاء العملاء مسؤولية العائلة وموضع للإعتزاز الشخصي، فهناك عناية كبيرة توجه للقيام بهذا على النحو الصحيح.

“مارس” شركة عائلية أعطت الأولوية للاهتمام بالعميل. “التبادلية” من المبادئ الأساسية بداخل شركة “مارس”، حيث تتم إقامة علاقات منفعة مع جميع أصحاب المصلحة وبصفة خاصة العملاء. ومن خلال دمج هذه الفكرة في فلسفة المؤسسة، تضمن شركة “مارس” أن ينصب التركيز على علاقات المنفعة المتبادلة وعدم الانشغال عما يجعلها ذات أهمية وقيمة بالنسبة لعملائها.

ومع ذلك، فالعاطفة التي قد تكون أحد أصول الشركة العائلية، قد تصبح كذلك عائقاً ، حيث ينصب الاهتمام على علاقات وجدانية بين أفراد العائلة وليس العملاء. هل تتذكر عندما كانت جوتشي ما تزال شركة عائلية؟ امتلك كل من الأخوين رودلفو وألدو جوتشي 50 بالمئة من الشركة، لكن تنافسهما الشخصي أثر بالسلب على الكيفية التي تمت بها إدارة الشركة. وفي أثناء امتلاكهما للشركة، تم إغفال فكرة العلامة التجارية لشركة جوتشي وتجاهل الاحتياجات الحقيقية لعملاء المنتجات الراقية ، فدأبت العلامة التجارية على إنتاج مجموعة من المنتجات دون المستوى. ولإعادة العلامة التجارية إلى مسارها الصحيح تطلب الأمر شراءها بواسطة شركة خارجية وسنوات من التفاني في إعادة اكتساب مكانتها بواسطة توم فورد ودومينيكو دي سول.

الثبات على النهج

بدلا من الوقوع تحت سيطرة المواعيد النهائية للتقارير الختامية أو ضغط حملة الأسهم (كما هو الحال مع العديد من العلامات التجارية)، فالعلامات التجارية للشركات العائلية تتم إدارتها من خلال المسؤولية تجاه الأجيال. وهذه الرؤية المتميزة للمدى البعيد تهيئ الساحة للشركات العائلية للتركيز على اتساق وثبات العلامة التجارية.

هناك العديد من العلامات التجارية العائلية التي توفر معياراً لقياس الاتساق والثبات. وقد تكون دار الأزياء “شانيل” واحدة من أبرز الأمثلة: العلامة التجارية تمتلكها شركة عائلية وتديرها عائلة ويرثيمر. ومع أن كوكو شانيل كان على الدوام الرمز المرتبط بالعلامة التجارية في أذهان الكثيرين، فمن خلال الملكية العائلية الثابتة استطاعت العلامة التجارية مواصلة مسيرتها.

شركة “باريلا” هي مثال آخر جيد على الشركة العائلية العالمية الثابتة: فبعد مرور 130 سنة على عمل  الشركة، ما زالت القيادة الحالية من الجيل الرابع تحافظ على تقاليد العلامة التجارية الأصلية للشركة العائلية، والتي أصبحت الآن واحدة من أبرز شركات الأغذية الإيطالية ورائدة في السوق العالمي لمنتجات القمح. معظمنا يعرف العلامة التجارية من خلال منتجاتها الشهيرة من المكرونة المباعة في عبوات كرتونية زرقاء.

على الرغم من أن الشركة توظف حالياً ما يزيد على 18000 موظف وتزيد إيرادتها على 4,2 بليون يورو، فهي تفعل هذا من خلال منتجات ترتبط جميعها بالغاية الأصلية للعلامة التجارية. ومن المدهش أن الهوية المرئية للعلامة التجارية ظلت كذلك كما هي على مدار السنين من خلال تعبيرها عن القيم الأساسية وبناء القيمة السوقية بمرور الوقت.

مشاركة الموظفين

تحظى العلامات التجارية للشركات العائلية بأفضلية فيما يتعلق بجذب الموظفين ومشاركتهم. تتمتع هذه الشركات بوضع يتاح فيه لأفراد العائلة عادة العمل كسفراء يُحتذى بهم للعلامة التجارية. نعم، فهم غالباً ما يكونوا بمنأى عن بقية الشركة، لكن في معظم الأحيان يتطلع الموظفون إليهم للحصول على التوجيه والإرشاد حول كيفية التصرف وما يُنتظر منهم. وكأحد أفراد العائلة فأفعالك داخل وخارج الشركة ستنعكس على الشركة. بالنسبة للموظفين فمن الأهمية بمكان أن يعرفوا كيف يمكنهم العمل كسفراء لشركتهم.

في العالم العربي، عادة ما تكون الشركات العائلية مصدرًا لتوفير فرص العمل الكبيرة بداخل مجتمعاتها. بالنسبة للمستهلكين، هناك عادة قيمة رمزية قوية مرتبطة بقيادة العائلة.

من خلال المؤسسين وأفراد العائلة العاملين بالشركة يتشكل للعائلة إحساس قوي بالمشاركة، و يفرض العنصر العائلي كذلك للعلامات التجارية العائلية تحدياً فريداً: محاباة الأقارب. نظرًا لأن الهدف من الشركات العائلية هو أن تمتد لأجيال متتالية، فقد يتعرض الموظفين للشعور باستحالة الوصول إلى القمة وأن نجاح علامتهم التجارية لا ينسب إليهم. الشركات العائلية بحاجة إلى إدارة المسارات الوظيفية لأفراد العائلة بفعالية للحد من عزوف الموظفين عن المشاركة نتيجة تصورهم بأن هناك محاباة للأقارب. يجب أن تكون التوقعات فيما بين أفراد العائلة والموظفين واضحة للغاية – إذا كان هناك فرد بالعائلة يتم إعداده لشغل منصب قيادي، فلا بد من إعلام الموظفين – وعلى أفراد العائلة إثبات أهليتهم وتفوقهم على الموظفين الموجودين في نفس مستواهم. كثيراً ما نسمع أفراد العائلة يقولون : “لقد كنت عبرة للجميع، وأضطررت إلى بذل جهد أكبر والسعي أكثر لكي أثبت لنفسي وأسرتي والموظفين جدارتي لشغل منصب القيادة”.

وتمثل أمور الخلافة مصدر خطورة لأي شركة عائلية وعلامتها التجارية. إن مسألة الوضوح في غاية الأهمية، وفي بعض الحالات قد يكون هناك حاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة بعدم السماح لأفراد العائلة بشغل مناصب قيادية لضمان الإبقاء على مشاركة الموظفين.

تُعد شركة “إيكيا” إحدى العلامات التجارية العالمية القوية التي تشتهر بتفوقها في فئتها فيما يتعلق بمشاركة الموظفين. “إيكيا” هي شركة عائلية وإن كان البعض لا يعرف ذلك. ما زالت الشركة تحت سيطرة عائلة كامبارد وإن كان هذا بصورة غير مباشرة. و ما زال المؤسس الأصلي للشركة إنجفارد كامبارد مشاركاً في منظومة العمل من خلال زيارة المتاجر وتسهيل مشاركة وارتباط الموظفين بعلامة إيكيا التجارية.

وبالإضافة إلى المشاركة الشخصية من جانب العائلة، تستثمر إيكيا الكثير من الوقت والموارد لتدريب موظفيها عبر أنحاء العالم على كل شيء بدءاً من التعرف على مفهوم إيكيا و”أسلوب إيكيا” وصولا إلى الهندسة المعمارية لمتاجر إيكيا والأمور اللوجستية بداخل المتاجر. من خلال إقدامها على هذا، لا تعمل الشركة على مجرد مشاركة ثقافتها مع الموظفين، ولكنها تتيح لهم كذلك العمل كسفراء نشطين للعلامة التجارية.

الاستعداد للريادة والتطور

لعل أصعب التحديات التي تواجه الشركات العائلية هي تعلم كيفية التطور بفعالية. المفارقة أن ما يجعل الشركات العائلية قوية عادة (مثل التراث، والرؤية العليا، والمشاركة الشخصية لأفراد العائلة) قد يسهم كذلك في إضفاء مستوى معين من عدم المرونة. فغالباً ما تكون العلامات التجارية للشركات العائلية مشحونة عاطفياً ومتشابكة مع تراث العائلة. ولهذا السبب، فقد يتم اتخاذ قرارات عاطفية انطلاقاً من دافع مضلـّل (قرار جيد لاسم العائلة ولكنه ليس كذلك للعلامة التجارية للشركة) أو أحياناً لا يتم اتخاذ أي قرارات على الإطلاق.

في الوطن العربي، قد يكون هذا واحداً من أهم العوامل للشركات العائلية. فقد أثرت الأزمة الاقتصادية على المنطقة وأوجبت على الشركات التحلي بالمرونة في التكيف مع الحقائق الاقتصادية الجديدة. وأصبح على العملاء أن يتوائموا مع نطاق أكبر من الخيارات نظراً لدخول بدائل أقل تكلفة إلى الأسواق ، وسوف يتحتم على العلامات التجارية الموجودة المقاومة للبقاء في المنافسة. أصبح من المهم الآن -أكثر من أي وقت مضى- للشركات العائلية تحديد السمات والخصائص الموجودة في علاماتها التجارية وما هي الاستراتيجيات التي سوف توظفها للمنافسة بفعالية مستقبلاً. قد يكون من الصعب اتخاذ بعض هذه القرارات، لكن إذا تم اتخاذها بمستوى مناسب من الرؤية المتبصرة، فسوف تكفل نجاح الشركات.

يجب على الشركات العائلية الاستفادة من الرؤى المتبصرة والبحث عن أدوات لاتخاذ قرارات متعلقة بالعلامة التجارية. أدوات من قبيل تقييم العلامة التجارية، وتحليل موجه للقيمة، وتحليل “دور العائلة”، إلى جانب دراسة استراتيجية العلامة التجارية واختيار مكانتها، قد تساعد العائلات على اتخاذ الكثير من القرارات اللازمة لمواصلة توجيه العلامة التجارية وتطويرها في المستقبل من أجل الجيل القادم.

ميزة تنافسية كامنة: “العنصر العائلي”

تحظى الشركات العائلية بطبيعتها بشيء غير متاح للشركات الأخرى ألا وهو “العنصر العائلي”. وسواء كان مبنياً على التراث أو الشهرة أو وعد بالجودة أو الاستمرارية، فمن المهم للغاية معرفة الدور الذي تلعبه العائلة في أنشطة استخلاص القيمة من العلامة التجارية من أجل زيادة القيمة.

بينما يشير مقياس “دور العلامة التجارية” إلى تقييم العلامة التجارية، فلا بد من أخذ “دور العائلة” في الحسبان بالنسبة للشركات العائلية. وهذا يعني تحديد القيم التي يمكن أن يسهم بها “العنصر العائلي” وما هي القيم المرتبطة حالياً بالجانب العائلي. و مع وجود رؤية شاملة لهذه العوامل، سيمكن للشركات العائلية اتخاذ قرارها حول كيفية استخدام هيكل العائلة لتوجيه القيمة من أجل العلامة التجارية.

على سبيل المثال، مع تراجع الثقة مؤخراً في القطاعات المصرفية العالمية، بدأ دور العائلة لتوه في النمو داخل الأنشطة المصرفية الخاصة. في هذا المجال، قد يكون لتعهدات العائلة للعملاء أثراً كبيراً على شعور العميل بالأمان والثقة.

وإجمالا للقول، تتضمن النواحي الرئيسية للعلامات التجارية (العائلية):

  1. تحديد فكرة رئيسية واضحة للعلامة التجارية ثم صياغتها كتابة بطريقة إبداعية يسهل استيعابها على الفور. ربما كانت هذه الفكرة مطروحة بالفعل على مدار الأجيال التي تعاقبت على الشركة، لكن من الأهمية بمكان التأكد من وضوح هذه الفكرة والحماس الداخلي والمزايا الخارجية التي تنبع منها داخليًا وخارجيًا. وهذا ما سيضمن استمرار الفكرة الرئيسية إلى ما بعد الأجيال الحالية.
  1. الحرص على أن تكون بؤرة الاهتمام هي احتياجات العميل وليس العلاقات فيما بين أفراد العائلة. تدعيم عملية اتخاذ القرار “الحدسية” برؤى قائمة على الحقائق.
  1. التعبير عن ثبات واستقرار العلامة التجاريةو حمايتها من إساءة الاستخدام، ولكن في الوقت ذاته دراسة تلك الإجراءات السريعة التي قد تكون مطلوبة أحياناً كاستجابة.
  1. الاستفادة من المشاعر العميقة لأفراد العائلة في رسم الأسلوب الواجب على الموظفين اتباعه لتسليط الضوء على العلامة التجارية. الاستثمار في الموظفين وتمكينهم من العمل كسفراء للعلامة التجارية كذلك.
  1. الاستفادة من “العنصر العائلي”. استيعاب دور العائلة في العرض الإجمالي وكيف يمكن تحقيق أقصى استفادة منه لتوجيه قيمة العلامة التجارية.

بالنسبة للشركات العائلية، هذه هي الجوانب الرئيسية الخمسة التي يجب وضعها في الاعتبار أثناء إدارة مستقبل العلامة التجارية. هذه الإجراءات ربما لا تكون بمثابة خطط معقدة، ومع ذلك قد تساعد على ضمان استمرارية العلامة التجارية حتى يمكن للجيل التالي إدارتها، وضمان أن الجيل التالي سوف يستمر في إضافة قيمة للشركة.

العلامات التجارية القوية للشركات العائلية تماثل تلك العلامات التجارية القوية الموجودة في جميع أنحاء العالم. تتنافس هذه العلامات التجارية في نفس الأسواق وحيث أن الوضع كذلك، فلا بد من أن تحظى العلامات التجارية للشركات العائلية بنفس الأدوات والعمليات رهن تصرفها مثلها في ذلك مثل العلامات التجارية الرائدة الأخرى. وعلى الرغم من تميز هيكلها وأنظمتها التي تتيح تقديم علامات تجارية أقوى، فإن الشركات العائلية كثيراً ما تدير ظهرها للقيمة من خلال الانصياع للعاطفة على حساب الحقائق وعدم اتخاذها للترتيبات التي تمكنها من فرض التغيير عندما يكون هناك احتياج حقيقي له.

في جميع أرجاء المنطقة العربية، تمثل الشركات العائلية ذلك الكم المهم من النشاط التجاري الذي تحتاجه المنطقة للتركيز على التمييز التجاري للشركات العائلية. بالنسبة للعديد من الشركات، كان يتم التعبير والإعلان عن العنصر العائلي باستخدام العلامات التجارية الفرعية منذ فترة طويلة. إن اكتساب المزيد من الرؤى المتبصرة لديناميكيات العنصر العائلي سوف يتيح اتخاذ قرارات أفضل وأكثر مرونة لضمان استمرارية الشركة في المنافسة تحت قيادة الأجيال القادمة.

باتريك ستال

استشاري أول

إنتربراند

هولندا

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 8, 2010

Tags from the story