الشركات العائلية في تركيا من منظور رئيسة مجلس إدارة

الشركات العائلية في تركيا من منظور رئيسة مجلس إدارة

الشركات العائلية في تركيا من منظور رئيسة مجلس إدارة 

مقابلة مع ارزوهان دوغان يلسينداغ، رئيسة مجموعة دوغان التلفزيونية القابضة

أسّس رائد ورجل الأعمال التركي أيدين دوغان أول شركة له في مجال صناعة السيارات عام 1961، وأصبح هذا المشروع بداية لما يمتلكه أيدين اليوم من مجموعة شركات تعتبر واحدة من أبرز الشركات في تركيا وهي دوغان شيركتلر غروبو هولدنغ ايه اس القابضة، ورغم أن أيدين دوغان هو الذي يتولى حاليا منصب الرئيس الشرفي، إلا أن بناته الأربعة يرأسن مجموعة المصالح التجارية والشركة القابضة التابعة لها. وترتبط مجموعة دوغان شيركتلر غروبو هولدنغ ايه اس بتحالفات استراتيجية مع سبع شركات دولية ويعمل بها 25 ألف موظف بصورة مباشرة وغير مباشرة في 17 دولة، وتنشط مجموعة دوغان في ست صناعات رئيسية مع إيلاء تركيز خاص على قطاعي الطاقة والإعلام.

ورغم أنه يجري التداول على نسبة 34% من أسهم مجموعة دوغان شيركتلر غروبو هولدنغ ايه اس في بورصة اسطنبول للأوراق المالية، إلا أن عائلة دوغان لا تزال تمتلك أغلبية من الشركة بين أيدين دوغان وزوجته وبناتهما الأربعة.

في مقابلة مع ارزوهان دوغان يلسينداغ، أحد أقطاب الإعلام التركي ورئيسة مجموعة دوغان التلفزيونية القابضة ايه اس، فإننا نتعرف على مزايا الثقافة المؤسسية في الشركات المملوكة للعائلات. تم انتخاب السيدة يلسينداغ كأول رئيسة مجلس إدارة لجمعية الصناعيين ورجال الاعمال الاتراك       (TUSIAD) الجمعية الأهلية الرائدة عالمياً وأحد أعضاء منظمة الأعمال الأوروبية (Business Europe). وكانت يلسنداغ ثالث سيدة ترأس مجلس الإدارة في تاريخ منظمة الأعمال الأوروبية (Business Europe) بينما كانت أول رئيسة مجلس إدارة لـ TUSIAD منذ 1971. وكقائدة عالمية شابة تم اختيارها من قبل منتدى الإقتصاد العالمي، قامت يلسينداغ بتأسيس مبادرات النساء لتركيا في الإتحاد الأوروبي وتم منحها لقب سفيرة متطوّعة. تتحدّث السيدة يلسينداغ باستفاضة وبالتفصيل عن أهمية دور المرأة في الاقتصاد التركي وفي الشركات العائلية، كما تشرح أيضاً لماذا يجب أن يشعر كل موظف في الشركة وكأنة مالك لها.

إلى أي مدى ترين أهمية الشركات العائلية في تركيا اليوم؟

 تمثل الشركات العائلية جزءاً هاماً من الاقتصاد التركي، ولذا فإن استدامة الشركات العائلية تمثل عنصراً هاماً للرفاهية الاقتصادية. فقد ازدهرت معظم مجموعات الشركات التركية بالروح الريادية للمؤسس، إلا أن هذه الشركات لم تتطوّر من شركات محلية إلى قوى كبيرة على المستوى العالمي إلاّ في القرن الواحد والعشرين، حيث لم تكن النظم العائلية الغير رسمية في هذه الشركات مناسبة لتلك الظروف المتغيرة. ونتيجة لذلك، شهدنا كثير من مالكي الشركات وهم يقومون بتفويض مسؤولياتهم لمدراء مؤهلين حاصلين على مستوى تعليمي جيد جيداً ويتمتعون بخبرات واسعة في المجالات التقنية والمالية والإدارية، كما أن لديهم فهم عميق للغات والثقافات الأجنبية وبالتالي تمكنوا من التحدّث بلغة الأعمال والشركات العالمية. لقد تمكنت مجموعات الشركات التركية  من التحول إلى شركات رائدة عالمياً، وقد استثمر بعض هذه الشركات في علاماتهم التجارية الخاصة أو قاموا بشراء علامات من الخارج. لم يتردد إلا عدد قليل من الشركات باللحاق بركب التغيير الذي كان هو الصفة السائدة.

وخلال مسيرتي المهنية، صادفت عدداً كبيراً من الشركات العائلية التي واجهت التحدي الذي يتمثّل في نقل المسؤوليات إلى أبناء الجيل القادم من العائلة إلى جانب تعزيز هياكل الشركات. تسعى هذه العائلات جاهدة إلى إضفاء المهنية على هياكل شركاتها. وقامت تركيا مؤخراً بتعديل قانونها التجاري وقانون الالتزامات، وساعدت هذه الإصلاحات في رسم الطابع المؤسسي على الاقتصاد، وعززت من هياكل الشركات ونظمها في تركيا وجعلتها أقرب إلى الهياكل التجارية الموجودة في الاقتصادات الغربية الأكثر تطوراً. أعتقد بأن الشركات العائلية اليوم يمكنها الاستفادة من حقيقة أن تركيا قادرة على الجمع بين روح ريادة الأعمال لسوق ناشئة بالإضافة إلى الهيكل المؤسسي لاقتصاد متطور.

ما هي المزايا والسلبيات بالنسبة للشركات العائلية؟

تتمتع الشركات العائلية في الغالب بروح نشطة في ريادة الأعمال، وينشأ أبناء الجيلين الثاني والثالث مع نشأة الشركة، حيث يتعرفون عليها في مرحلة مبكرة للغاية من حياتهم، ويرث هؤلاء عادة روح ريادة الأعمال من الجيل الأول، وتشكّل هذه الركيزة الأساسية التي ينبغي أن تُبنى عليها أي مهارات تقنية ومهنية يمكن أن يتم اكتسابها من خلال التعليم. وقد أصبح جميع ما كان يميّز الشركات العائلية من مرونة وسرعة في اتخاذ القرارات وولاء صفات مهملة من الماضي.

لكن وكما نعرف فإن المشاكل العائلية قد تكون عاطفية، لكن فيما يتعلق بعمل الشركة يجب عليك أن تكون صارماً وألا تتعامل مع الأمور بصورة شخصية. يجب أن تنظم العلاقات بين أفراد العائلة وكذلك بين العائلة والموظفين بشكل كبير من أجل حصد فوائد الشركة العائلية. أعتقد بأنه في حال نجحت في تنظيم هذا الأمر وتحديد الأدوار لأفراد العائلة والموظفين، يمكن أن يكون لديك هيكل مؤسسي حتى إذا كانت الشركة مملوكة بالكامل للعائلة. وحينما التقى بعائلات من الأناضول فإنني غالباً ما الاحظ أن المشكلة تكمن في الاستدامة. هناك عدد كبير جداً من الشركات العائلية المتوسطة والكبيرة تبدأ مشاكلها في أغلب الأحيان بسبب عدم قدرة أبناء الجيل الأول على تفويض المسؤوليات إلى أفراد الجيل الثاني، وهناك إمكانية لحدوث صراع حول هذا الأمر بالرغم من أن الفجوة بين الجيلين الأول والثاني ليست بهذا الاتساع. وفي المقابل، فإن معظم أبناء الجيل الثالث من الشركات العائلية التركية يتلقون تعليمهم بالخارج، ويتمتعون بطريقة تفكير مختلفة تماماً عن الجيل الأول. ووجود الأجيال الثلاثة تحت سقف واحد هو أمر يمثل تحدياً بالفعل. وفي الوقت ذاته، فإن ذلك قد يصبح ميزة حينما تستخدم المعرفة والخبرة بشكل جيد، لكن في أغلب الأحيان ينتهي الأمر بصراع.

تواجه الشركات العائلية في تركيا حالياً تحدياً صعباً يتمثّل في أنه بالرغم من أنها شركات غير مدرجة، إلا أن المدونة الجديدة لقواعد السلوك تطالب هذه الشركات بالمزيد من الشفافية والعمل ضمن إطار ذو طابع مؤسسي أكثر. وحينما تضفي الطابع المؤسسي على عمل شركتك، فإنك بذلك تقلل من احتماليات الصراعات العائلية بسهولة. وأعتقد أن هذه هي أفضل استراتيجية للشركات العائلية، ومع ذلك فإنني أدرك أن هذه عملية تشكّل تحدياً. لكن في حال نجح ذلك، فإن عملية الانتقال سوف تمكّن الشركات العائلية من الاستمرار ونقل المسؤولية إلى الجيل القادم.

ما هو الهيكل الحالي للمساهمين في دوغان القابضة وما هي الأدوات والأساليب التي اتبعتها وطبقتها عائلتكم للحفاظ على نموذج الملكية؟

شركة دوغان هولدنغ هي شركة مدرجة في بورصة اسطنبول للأوراق المالية حيث يجري التعامل على 34% من أسهم الشركة في البورصة، بينما تملتك العائلة 66% من أسهم الشركة. إننا أربع شقيقات، ووالدي لا يزال يعمل في الشركة في منصب الرئيس الشرفي. لقد عملنا بجد على هيكل الشركة حيث أضاف كل منا خلفية أكاديمية وعملية مختلفة للشركة. لكننا قمنا بإعادة هيكلة الشركة مؤخراً. وبعد تحليل مستفاض ودراسة عميقة لمفهوم الإستدامة في الشركات العائلية قررت أنا وشقيقتي بأن نترك مناصبنا التنفيذية لموظفين محترفين وأن نترأس مجالس أبرز شركات مجموعتنا. وذلك انطلاقاً من ايماننا بأن مسألة وضع استراتيجية الشركة ورؤيتها المستقبلية على مستوى مجالس الإدارة هي مسؤولية مالكي الشركة. أعمل أنا وشقيقاتي جميعاً في الشركة العائلية ونحن أعضاء في مجلس إدارة دوغان القابضة، الشركة الأم للمجموعة، حبث تتولى كل واحدة منا خط أعمال بناء على مجال خبرتها. تتولى شقيقاتي إدارة أنشطة الانترنت والتجارة الإلكترونية والشركة القابضة وقطاع الطاقة ونشاط الطباعة، بينما أتولى أنا الإشراف على نشاط البث. نحن لم نبدأ بهذا المستوى المتقدم، بل التحقنا جميعاً بالشركة في سن صغيرة، وقد كنا محظوظين للغاية لتولينا أدواراً بارزة في العمليات. وفي البداية تولينا أدواراً مختلفة في أنحاء الشركة. لقد عملت في كافة الأقسام المختلفة بشركاتنا، وكان يتم التعامل معي بصورة مهنية مثل أي موظف وليس كأحد أفراد العائلة، ومع مرور الوقت واستناداً لمبدأ الكفاءة، أصبحنا جميعاً رؤساء مجالس إدارة بدلاً من رؤساء تنفيذيين ووضعنا نظام حوكمة شركات أكثر مهنية.

بالإضافة إلى ذلك لدينا مجلس عائلة يعمل بصورة جيدة للغاية لمصلحتنا جميعاً. ونجتمع كل شهر سوياً دون وجود أي موظفين، كما أننا نعقد اجتماعات منتظمة مع موظفينا من أجل تحليل مستويات أداء استثماراتنا. ونحن نطبق خبرتنا الخاصة على الجيل القادم من العائلة.

كيف تقيمون أهمية دور المرأة في توليها مناصب في مجالس إدارات الشركات العائلية وكأصحاب شركات عائلية؟

أعتقد كما أنني شهدت شخصياً على فعالية التنوّع بين نسبة الذكور والإناث في الإدارة. وأنا على يقين بأن ذلك يرفع من مستويات أداء الشركات. أظهر تقرير أصدرته شركة ماكنزي أن الشركات ذات التوازن بين أعداد الرجال والنساء تتمتع بما نسبته 56% كفائدة تشغيل مقارنة بالشركات التي يغلب فيها عدد الرجال على النساء. أعتقد أن المساواة بين الجنسين أمر مهم ليس فقط في المجتمع بل في مجال الأعمال أيضاً.

تعتبر تركيا أكثر تقدماً من الصورة المأخوذة عنها، وبمقارنتها بباقي دول الإتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمسألة توازن الجنسين على مستوى مجالس الإدارة فإن الأخيرة تعاني من هذا الموضوع أيضاً. وعند مقارنة المعلومات على مستوى مناصب اتخاذ القرارات في الشركات المذكورة فإنه لايوجد اختلاف يُذكر بين تركيا ودول الإتحاد الأوروبي فيما يتعلّق بهذا الشأن. ففي تركيا فإن 8% من رؤساء الشركات في الشركات المذكورة هن من النساء وهي النسبة التي تعتبر أعلى بكثير من المعدل لدول الإتحاد الأوروبي الـ27 والتي تبلغ 3%. ولكن في الشركات الصغيرة تشكل النساء نسبة 7% من المناصب الإدارية مقارنة بنسبة 33% التي تشكلها النساء في دول الإتحاد الأوروبي مجتمعة. تظهر هذه الأرقام أن النساء من حملة الشهادات الجامعية يتمتّعن بفرص متساوية في الشركات. أما في الشركات الصغيرة والمتوسطة فإن هإن التنوّع بين الجنسين قليل جداً وذلك لتعقيد النظم المتعلقة بالعمالة التقنية.

كان يوم 8 مارس 2012 يوماً حاسماً ترقّبه الكثيرون في تركيا حيث أصدر البرلمان التركي قانوناً يجلب مساهمات رائعة للمرأة التركية. وتنص التعديلات الأخيرة على قوانين مجالس الإدارات في أسواق المال على أنه يجب أن تضم مجالس إدارات الشركات المدرجة في سوق الأسهم إمرأة واحدة على الأقل. لا يعتبر ذلك القانون إلزامياً ولكنه مرتكزاً على نهج “الإمتثال أو الشرح”، ولكنه سوف يدعم بدون شك في تحسين التوازن بين الجنسين في المناصب العليا.

 لعبت منظمة الأعمال الرائدة في تركيا TUSAID دوراً هاماً في تغيير النظرة العامة للنساء في تركيا. وكنت أنا أول إمرأة تتقلد منصب الرئيسة للمنظمة، كما خلفتني إمرأة في ذات المنصب أيضاً. كنت أيضاً ثالث إمرأة تتقلّد منصب الرئيس في اتحادات الأعمال في أوروبا. لقد بدأنا في TUSAID باصدار تقرير عن حالة المساواة بين الجنسين في تركيا. وكان ذلك التقرير مهم للغاية وذلك لأنه كان السبب وراء لفت اعتراف مجتمع الأعمال ولأول مرة بمسألة  المساواة بين الجنسين، كما ساعد التقرير في تغيير عقلية أعضاء TUSAID من الرجال.

وبعد ذلك قمنا بمشاريع تركّز على تحديد المصاعب النتعلقة بالمساواة بين الجنسين و وضع حلول فعالة. ومع ازدياد المعرفة حول قدرة النساء القيادية بدأت الأفكار المغلوطة بشأن دور المرأة في التلاشي. وتشكل فترة رئاستي للـTUSAID مثالاً على ذلك حيث سمعت مراراً تعليقات حول عدم مناسبة صوتي الحازم مع شكلي الأنثوي.

 لقد سهّل تحسين الأوضاع الإقتصادية للحكومات المحلية والمركزية إلى اتخاذ خطوات مهمة، فعلى سبيل المثال تشكّل المساعدات المالية التابعة لمساهمات الضمان الإجتماعي لأرباب العمل والموجّهة للموظّفات التي تم تعيينهن حديثاً انجازاً عظيماً. وبفضل تلك الحوافز، زادت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة في المدن كما بدأت أوضاع النساء العاملات في التّغيّر.

تلعب الحكومة دوراً مهماً في توفير الفرص والإمكانيات للمرأة، ولا يؤثر ذلك في طريقة تفكير الشعب بصفة عامة بل إنه يقوم بتمكين مساهمة المرأة في كل مكان. ولا تخفى هنا الأهمية العظمى للإصلاحات المتعلّقة بالنظم والأحكام.

ما هي نصيحتكم لأفراد العائلة الذين يجب عليهم القيام بدور مزدوج كمالك للشركة ومديراً لها؟

أنا من المؤيدين وبشدة بأن ينضم جيل الشباب إلى الشركة العائلية بمناصب إدارية أولاً، حيث يفيدهم فهم ديناميكيات العمليات في قيادة الشركة وفي بناء الأستراتيجية المستقبلية ورؤية الشركة. ومن ناحية أخرى فإن الشركات العائلية هي مزيجاً بين الشركات والعائلات عموماً. ويتسع النظام البيئي للعائلة مع كل جيل من أجيال العائلة وبالتالي فإن السلوك المهني يصبح أكثر أهمية بصورة متزايدة. تتمثّل أهم ثلاثة معايير يجب أن يأخذها الجيل القادم في الإعتبار استعداداً لدورهم المزدوج كملاك ومدراء للشركة: أن يكون لديهم أو أن يكتسبوا شغفاً بالشركة، أن يلتحقوا بالشركة في مراحل مبكرة عن طريق دورات تدريبية، بالإضافة إلى بناء مسارات مهنية بدون التركيز على أن الشركات ستؤول إليهم في النهاية لأنه إذا تحقق ذلك يكون مبنياً على الخيار والكفاءة.

أعتقد أن جميع العاملين في الشركة لا بد أن يكون لديهم الشعور بالملكية. أعتقد بأنه وخاصة في الشركات العائلية الكبرى ذات الطابع المؤسسي، لا ينبغي أن تسبب الثقافة المؤسسية هذه الاختلافات بين أصحاب الشركات والمدراء، وإذا كان الجميع في شركتك يعملون بتنافي صاحبها، فعليك أن تتخيّل الإحتمالات عندها!

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 16, 2012

Tags from the story