ميثاق الشركات العائلية بين القانونية والتحديات

ميثاق الشركات العائلية بين القانونية والتحديات

“نحن لم نرث الأرض من آبائنا، وإنما استعرناها من أبنائنا”

يتضمن الميثاق أو البروتوكول العائلي والذي يُعرف أيضاً باسم دستور العائلة مجموعة من المبادئ يتمثل الهدف منها في تجسيد قيم العائلة، وتنظيم علاقتها مع عمل الشركة. ومن الواضح أن هذه المهمة ليست من السهولة بمكان. إذ أن ميثاق العائلة ليس وثيقة قانونية وحسب؛ بل إنه يحدد مجموعة القيم الأخلاقية الملزمة التي اتفقت عليها العائلة وقبلت بها. ويمكن تحويل بعض تلك القيم، وليس جميعها، في حال رغبت العائلة بذلك، إلى تعهدات قانونية. وفيما ترغب بعض العائلات بتوثيق ميثاق العائلة الخاص بها، تعمد عائلات أخرى إلى الإدلاء بالقسم بأنها ستلتزم ببنوده. وهناك حالات يتم فيها تنظيم مراسم لأعضاء العائلة عند بلوغهم السن القانونية لإعادة تنفيذ العملية والتأكيد على أهمية ميثاق العائلة. في التحليل التالي يقوم كل من نيال أوتولي، الشريك، وبراثنا شادا، أحد كبار المدراء التنفيذيين في شركة “كلايد آند كو” بتتبع مراحل عملية بناء ميثاق العائلة ودراسة حالة إحدى الشركات العائلية في الخليج كنموذج للمقارنة. 

العقبات التي تتخلل عملية تحرير الميثاق

من الممكن أن تكون عملية تحرير ميثاق العائلة رحلة طويلة وشاقة. إلا أنه من الأهمية بمكان مشاركة كافة المساهمين في هذه العملية، وأن يشعر كل فرد منهم بقيمة ما سيتم التوصل إليه من نتائج. ويمكن أن تكون العملية أيضاً بمثابة تحدٍ كبير، حيث من الضروري دائماً لأفراد العائلة التوصل إلى تقارب لوجهات نظرهم والوقوف على أرضية مشتركة. وقد تواجه العائلة كذلك تحدياً يتمثل بمواجهتها لتصورات مقبولة مسّبقاً لدى أفراد العائلة تمت صياغتها وترسخت عبر السنين. حتى أن كبير العائلة، مهما بلغ من الحيوية والنجاح عليه أن يستعد لمفاجآت تتمثل في سماع آراء على مستوى نجاعة وحكمة آرائه من الأجيال الشابة. نتيجة لذلك، قد يضطر كبار العائلة لتبني طرائق مختلفة لغرض الحصول على نفس الأهداف الأساسية التي تضمن نجاح أعمال العائلة.

وسوف تجد العائلة أن كلاً من نواحي العمل ومختلف العلاقات ضمن إطار العائلة قد أثيرت على طاولة النقاش أثناء عملية صياغة الميثاق، ما يضطر أفرادها إلى تقديم مصالح الشركة على المصالح الشخصية لأفراد العائلة. وبالتأكيد، فإن هناك حاجة ملحّة للموازنة بين الذكاء العاطفي والحس العملي. وبالرغم من الطبيعة المتطلبة لتلك النقاشات التي يتم إجراؤها أثناء عملية صياغة الميثاق، إلا أن ذلك يمكن أن يقرّب العائلة خطوة أخرى من إنشاء إرث للعائلة، بالإضافة إلى إرث أعمالها الخاصة.

الشروط المسبقة والمحتويات

تتمثل الخطوة الأولى من وضع ميثاق للعائلة في التجمع على شكل مجموعات صغيرة مكونة من أفراد العائلة الذين ينتمون لنفس الجيل. ويتعين ألا يتم تطبيق عملية التجمع على أفراد العائلة المنخرطين في العمل فقط. ويمكن أن تتولى تلك المجموعات مهمة وضع مقاييس لمحتوى ميثاق العائلة بهدف تمثيل وجهات نظر كافة المساهمين خلال النقاشات الهامة المتعلقة بوضع الدستور. ومن الأهمية بمكان بالنسبة للعائلة أن تلتزم بالإطار الزمني الضروري لوضع ميثاق العائلة. ورغم أن عملية وضع ميثاق العائلة قد تكون طويلة، فإن الاستثمار قد يُعتبر ضئيلاً مقارنة بمستوى الاستقرار المستقبلي الذي يتعين أن يوفره الميثاق العائلي، في حال تصميمه بشكل مناسب.

ويتعين أيضاً أن يشمل ميثاق العائلة عدة مسائل تتضمن “رسالة العائلة”، التي تمثل ما تقوم به العائلة على صعيد العمل، وكيفية حل النزاعات، ومواصفات الأشخاص المؤهلين للعمل في الشركة، ومسألة تعريف “عضو العائلة” التي غالباً ما تكون خلافية، لأغراض العمل، وسياسة  الشركة المتعلقة بالثقافة والتعويض، وكيفية إنهاء أفراد العائلة لعملهم في الشركة.

وكما ذكرنا آنفاً، فإن ميثاق العائلة ليس مجرد اتفاقية ملزمة قانوناً وحسب، بل إنها مجموعة من الاتفاقيات الملزمة التي تطبّق أحكام ميثاق العائلة لغرض إنشاء هيكلية قانونية تتعلق باحتياجات وأهداف العائلة، واحتياجات وأهداف العمل. وكما تقول الحكمة القديمة: “متانة الحدود بينك وبين جيرانك تؤدي إلى متانة العلاقات بينكم“، فإن هذه الفلسفة تؤصل مفهوم الاتفاقية الملزمة. لذلك فإن وضع حدود تساعد على قيام علاقات متينة بين أفراد العائلة وبين عملهم، يُعتبر بمثابة القوة المحركة وراء وضع ميثاق العائلة.

الميثاق بين القانونية والتطبيق

إن تحديد ما يمكن تضمينه في اتفاقية ملزمة قانوناً وما يجب استثناؤه هو من أهم التحديات التي تعترض طريق وضع ميثاق العائلة. ويعتمد ذلك على عدة العوامل، من بينها دينامية العائلة ومستوى الثقة بين أفرادها والهيكلية التي يتم اعتمادها. ويُفترض على الأقل، بالنسبة لأية هيكلية يتم تطبيقها، أن تسهّل عملية الحوار وتحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات، ووضع آلية تتسم بالكفاءة لعملية صنع القرار، ودعم عملية تدفق المعلومات، والمساعدة في حل المشاكل. ومن الأهمية بمكان، نظراً لطبيعة الاختلاف المتأصل بين العائلات، مراعاة التميز الذي تتسم به احتياجات كل عائلة، مما يؤدي بدوره إلى اختلاف الهيكلية التي سيتم اعتمادها بالنسبة لتلك العائلة.

وغالباً ما تكون رغبات أفراد العائلة غير منصوص عليها في أحكام القانون بشكل واضح، أو أن تلبيتها أمر غير ممكن أصلاً. لذلك فمن الضروري أن يتصف واضعو الميثاق بالانفتاح والإبداع. فعلى سبيل المثال، هناك صعوبة في ترجمة الاحترام في التعامل بين أفراد العائلة إلى وثائق قانونية، لذلك لا يمكن ضمانها  كفقرة قانونية في محاولة لجعل تلك الوعود ملزمة.

ومن المسائل الأخرى التي يمكن أن تعرض حاجة أفراد العائلة للالتزام بعملية تطبيق ميثاق العائلة والهيكلية الواردة ضمنه. يمكن لتلك العملية أن تستغرق في الغالب عدة شهور، وتتضمن التزاماً أساسياً بالوقت والجهد لوضع هيكلية وتعلم كيفية تطبيقها على النطاق العملي.

شركات العائلة الخليجية.. أنموذجاً

وجدت إحدى الشركات العائلية التي تتخذ من الخليج العربي مقراً لها وتتميز بالتنوع وضخامة الحجم وتعدد الفروع أن العديد من أعضاء العائلة يرغبون باستعراض وتطبيق أحكام ميثاق العائلة الخاص بهم. إذ اتفق أفراد العائلة على أنهم على مشارف مرحلة انتقالية، وأن الأجيال القادمة ستستفيد في حال توثيق نماذج تاريخية من السلوك. لقد بذلت العائلة جهوداً رائعة، وقامت بتوثيق بروتوكول العائلة ضمن الوقت المعتمد رسمياً.

وفي مرحلة لاحقة، تمت مراجعة ميثاق الشركة العائلية بإشراف محامين قدموا الاستشارات بخصوص المسائل التي لا يمكن تضمينها في وثائق التأسيس لشركة المجموعة القابضة، والوثائق التأسيسية لأشكال الشركات المستقلة التي يحتاج كل فرع من شركة العائلة أن يؤسسها للحفاظ على حصته في المجموعة.

وبعد عدة اجتماعات مع الاستشاريين الآخرين الذين لعبوا دوراً هاماً في نقاشات الوساطة التي أدت إلى وضع الميثاق، تم إعداد مسودة أولية عن كل من الاتفاقات بحيث تحول الوثائق الناتجة مفاهيم مواثيق العائلة إلى وثائق ملزمة قانوناً.

وعند اكتمال إعداد الوثائق القانونية، عُقدت مجموعة من الاجتماعات مع العائلة والاستشاريين  الخارجيين لعرض الاتفاق على نطاق ونص المسائل التي سيتم تضمينها في الوثائق القانونية. ورغم أن تلك العملية قد استغرقت وقتاً طويلاً إلا أنها كانت ضرورية. وقد تعين أن تعكس الوثائق القانونية تفاهم العائلة، ولا يمكن التوصل إلى ذلك ما لم يكن جميع أفراد العائلة متفهمين للمحتويات. ونظراً لحجم العائلة وتحديات الاتصال القائمة، فإن هذه العملية تستلزم عاماً كاملاً لإنجازها في الأحوال العادية.

وُضعت الهيكلية القانونية وهي اليوم قيد التطبيق، حيث ستقوم العائلة بواسطتها باعتماد وثائق التأسيس للكيانات القانونية. ومن المتوقع أن تستغرق هذه العملية ستة أشهر أخرى. ويعتبر إطاراً زمنياً كهذا عادياً بالنسبة لطبيعة العملية التي يجري تنفيذها، وبالتأكيد يتعين على العائلات الاستعداد لتخصيص وقت وموارد كبيرة في حال كانت ترغب بزيادة فرص استمرار أعمالها في الأجيال المستقبلية.

أفكار خاصة بعملية صياغة الميثاق

يتمثل الهدف من وضع ميثاق العائلة بأن يكون وثيقة فاعلة. ونظراً للجهود التي يتطلبها وضعه، يجب ألا يوضع الميثاق طي النسيان على رفوف المكتبات أو داخل أدراجها. وحتى يكون فاعلاً، يجب القيام بإجراء استعراض دوري له بحيث يبقى مواكباً لاحتياجات العائلة. ومن غير المعقول أن يُطلب من جميع أفراد العائلة أن يكون لهم ذات الرأي والتوجه، بل الهدف الأكثر واقعية هو أن يُسمح للجميع بإبداء آرائهم بالتناغم مع الآخرين.

ورغم عدم قيادة المحامين لعملية وضع الميثاق، فهم يقدمون نصائح مفيدة، وخاصة عندما تكون العائلة على استعداد لتطبيق ما تم الاتفاق عليه. وبشكل عام، يمكن مشاركة استشاريين آخرين مع العائلة في وضع الأفكار بخصوص مسائل سيتم تضمينها في ميثاق العائلة، وتحرير ميثاق العائلة يدوياً ضمن اتفاقية ملزمة قانوناً. وأخيراً، يجب أن يعكس ميثاق العائلة تفاهم أفرادها وفلسفة العائلة لضمان تجسيد قيم العائلة الأساسية ورؤيتها بشكل دقيق ومناسب في الوثائق القانونية المطروحة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 18, 2013

Tags from the story