الدستور العائلي

الدستور العائلي
Bride and groom in forest with animal pairs

ركيزة التناغم في العائلات المنخرطة في الأعمال و الشركات العائلية

يُشكل التناغم بين أفراد العائلة مكوناً رئيسياً للحفاظ على استمرارية الشركة العائلية. وهنا تُوصى العائلات المنخرطة في الأعمال بإعداد دستور عائلي يُسهم في الحفاظ على التناغم والتواصل الفعّال داخل الشركة والعائلة في آن واحد. وحول هذا الموضوع، يشرح الدكتور إبراهيم علالي، البروفيسور في معهد الدراسات التجارية العليا بمونتريال HEC، كيف تلعب درجة التواصل وتطبيق الدستور العائلي دوراً رئيسياً في بناء الجيل المسؤول عن قيادة الشركة، بل ويصف في دراسة الحالة التي يقترحها كيف يمكن للشركة العائلية أن تحقق نتائجاً إيجابية إذا ما شرعت بصياغة الدستور العائلي.

الدستور العائلي

من أين تنبع أهمية التناغم والتواصل في الشركة العائلية؟

كشفت الدراسات التي أُجريت حول أسباب انهيار بعض الشركات العائلية أن العامل الرئيسي في زوال تلك الشركات يكمن في  العجز عن تحقيق التواصل أو غيابه بين أفراد العائلة المنخرطة في الأعمال. وهناك العديد من الافتراضات التي نُسلِّم بها في تلك العائلات والتي غالباً ما تكون خاطئة؛ فنحن نفترض أن الوارث المختار سوف يوافق على تولي مهمة إدارة الشركة، وقد يكون ذلك غير صحيح؛ ونفترض أن جميع أفراد العائلة يملكون آراءً متطابقة حول أسلوب إدارة العمل في الشركة العائلية؛ وأن العائلة بأكملها تتفق حول القيم الجوهرية ونظام السلوك الواجب على كل فرد احترامه؛ ونفترض أن كل فرد يرغب في الحفاظ على عمله ضمن نطاق العائلة. فنحن نميل في الواقع إلى وضع الكثير من الفرضيات التي لا تمثل الواقع الفعلي.

في المقال الذي نشرته مجلة ثروات في العدد 17 تحت عنوان “التواصل في الشركات العائليةالتفكير قبل الاستجابة” “، كتب إيان مارش: “لا تُدركُ معظم العائلات عواقب غياب التواصل إلا بعد ظهور آثاره في العلاقات بين أفراد العائلة وقد يزيد هذا الإدراك المتأخر من الوضع سوءاً”. وإذا ما أردنا التعرف على مدى دقة هذا التصريح عندها لا بد لنا من تناوله ضمن السياق الاجتماعي والثقافي للشركة العائلية. وبالنظر إلى الشركات العائلية في العالم العربي على سبيل المثال، نجد أن العديد من الأفراد اليافعين في العائلة يفضلون تأسيس عملهم خارج نطاق العائلة لتجنب الدخول في صراع مباشر مع آبائهم حيث تُعد مسألة احترام الأكبر سناً مبدأً راسخاً. وهكذا تبرز معالم الصراع في مرحلة متأخرة جداً؛ وربما تظهر في تلك المرحلة التي يتم خلالها تسليم قيادة الشركة ولا يُبدي أي فرد من العائلة رغبته في تولي مهمة إدارة الشركة.

الدستور العائلي

من ناحية أخرى، تشير الدراسات التي أُجريت على الشركات العائلية الناجحة إلى أهمية دور التواصل المباشر والفعّال والعميق في بناء علاقات متناغمة بين أفراد العائلة الأمر الذي يُسهم في تحقيق نجاح واستمرار عمل الشركة. فكلما قطعت الشركة أشواطاً متقدمة عبر الأجيال، أصبح أمر التواصل المباشر بين أفراد العائلة أكثر صعوبة بسبب ازدياد عدد أفراد العائلة. وعندما يظهر الضعف في التواصل، تبدأ الثقة بين أفراد العائلة بالتلاشي. والسؤال هنا:هل من الممكن مثلاً جمع 60 فرداً من أبناء الأعمام على اختلاف توزعهم الجغرافي لمناقشة القضايا التي تهم إدارة وتطوير الشركة العائلية والاتفاق عليها؟

دور الدستور العائلي:

يلعب الدستور العائلي دوراً بالغ الأهمية في الإجابة على السؤال المذكور أعلاه. إذ يُعتبر مصطلح القانون العائلي، المعروف أيضاً باسم الدستور العائلي أو الميثاق العائلي، بالنسبة للعائلة المنخرطة في الأعمال والهيئات الحاكمة لها بمثابة الدستور الوطني بالنسبة للبرلمان والحكومة في دولة ما. فهو يحدد بوضوح مهام العائلة ويبيّن رؤيتها والقيم الجوهرية فيها والقانون الناظم للسلوك والمعايير الخاصة بمنح العضوية في العائلة وغيرها من العوامل. بل إنه يعرّف أيضاً هيئات الحكامة مثل مجمع العائلة ومجلس العائلة والمكتب العائلي. وكذلك يصف المؤسسة وطريقة عملها ويُشرّع القواعد التي تحول دون نشوب الصراع بين أعضاء العائلة ويضع الحلول المناسبة لتجاوزه اذا ما نشب. مما سبق نجد أن هناك شروطاً يخضع لها كل عضو من العائلة يعمل في الشركة العائلية بما في ذلك شروط التعويض المالي الخاص بكل موظف أو موظفة. وكذلك فإن الدستور العائلي يشتمل على شروط تمثيل العائلة في مجلس الإدارة والهيئات الأخرى.

وحيث أنه يتم تنظيم الميثاق بشكل غير شخصي وبما ينسجم مع أحكام العدالة الإجرائية فإنه يُطبّق على كافة أفراد العائلة بكل مساواة وعدل دون أي تمييز أو تفرقة. وبهذه الطريقة يمكن خفض احتمال نشوب الصراع بين أفراد العائلة إلى أدنى مستوياته، وكذلك يتم انتخاب الأشخاص الممثلين لمصالح العائلة بكل شفافية وبما يتوافق مع القانون العائلي. وهكذا يتم بناء علاقات متناغمة بين أفراد العائلة دون حاجتهم إلى التعرف على بعضهم بعضاً أو قضاء الوقت معاً أو حتى وجود التعامل فيما بينهم.

الدستور العائلي

 التواصل وأهمية الدستور العائلي عبر أجيال العائلةتقتضي الطريقة المثالية أن تتم صياغة الدستور العائلي خلال فترة إدارة الجيل الأول حتى وإن كانت هذه الفترة تتميز بقوة التواصل والثقة بين أفراد العائلة وليست هناك بعد حاجة لتوقع حدوث الصراع أو الاستعداد له. و تتم بعد ذلك مراجعة الدستور العائلي في كل مرة تظهر فيها حالة جديدة تستدعي التعديل أو الإضافة على الدستور العائلي القائم. مما لا شك فيه أن إعداد مسودة جديدة للقانون العائلي بعد الجيل الأول يتطلب جهداً كبيراً حيث تبدأ الثقة بين أفراد العائلة بالتداعي. عندئذ تنشأ حاجة ملحة لتطبيق بنود الدستور العائلي الذي يمنع نشوب الصراع الناجم عن العجز في تحقيق التواصل وعن الفشل في تبادل علاقات الثقة .

 :الجيل الثالث

انضام أبناء الأعمام

الجيل الثاني:

الشراكة مع الإخوة والأخوات

الجيل الأول:

الجيل المؤسس

 

دراسة الحالة حول إعداد العائلة للقانون العائلي:

في أبريل 2012، طلب الجيل الرابع في شركة عائلية رائدة في الدار البيضاء من الخبير تنظيم ورشة عمل تدريبية حول أهمية دور التناغم بين أفراد العائلة والمزايا التي يعود بها على العائلة. أثناء التحضير لهذه الورشة، دُهش الخبير حين علم بعدم وجود أية خلافات بين أفراد العائلة. وخلال الورشة التدريبية طُلب من أفراد الأجيال الثلاثة المشاركين الإجابة على بعض الأسئلة عبر التصويت عن بعد دون الكشف عن الأسماء، حينها اكتشف كل فرد عدم قدرة أفراد العائلة على التوصل إلى اتفاق على مسائل جوهرية تتعلق بقيم العائلة وبأولوياتها. وكذلك لم يكن هنالك اتفاق حول المعايير التي تحدد ملامح العضوية في العائلة.

وفي ختام هذه الورشة التدريبية، طلب أفراد العائلة من الخبير مساعدتهم في صياغة القانون العائلي. حيث أرجع الخبير السبب وراء عدم وجود صراع إلى أفراد العائلة أنفسهم الذين أضمروا سخطهم على الإدارة الحالية للشركة العائلية فعزفوا عنها لمتابعة مستقبلهم المهني بصفة مستقلة. وبالطبع لم يكن من السهل صياغة قانون عائلي جديد لهذه العائلة إذ كان هناك اختلاف كبير في وجهات النظر بين أفرادها الذين تغيبت الثقة المتبادلة بينهم. لكن وفي النهاية تمت صياغة الدستور العائلي والموافقة عليه ومراجعته لمرات عدة بشكل عميق ما أسهم في استعادة علاقة التناغم بين أفراد العائلة. عندها أعلن العديد من أفراد العائلة عن رغبتهم في العودة إلى الشركة العائلية وكذلك أدرك المدير أن الوقت قد حان ليتنازل عن منصبه في مجلس الإدارة قائلاً: “أدرك الآن أنه وجب علينا تسليح أنفسنا بالدستور العائلي منذ أكثر من 25 سنة مضت لكن أن تصل متأخرا خير من ألا تأتي أبداً.”

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 18, 2013

Tags from the story