الشركات العائلية تواجه الابتكارات البديلة

الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل

الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل

ست خطوات تحتاجها الشركات العائلية  

“يتبع الشكل وظيفة، وتتبع البنية استراتيجية، وكل شيء يتبع قائداً ناجحاً لديه أهداف”. هذه المقولة هي خلاصة سنوات من الدراسة المتخصصة في مجال إدارة الشركات والمنظمات وسبل نجاحها في التعايش مع التغيير. أما اليوم، ومع التغيير المستمر والواسع الانتشار، فقد أصبح آخر جزء من هذه المقولة “قائد ناجح لديه أهداف” قاعدة أساسية لابد من توفرها في الشركات العائلية. أشار غاري هامل المفكر العالمي الرائد في مجال الإدارة مؤخراً إلى “أن الشركات الحديثة ذات الهيكلية المعقدة تعاني من ثلاثة أسباب تؤدي إلى فشلها” وهي “خمولها وتراخيها وضعف خبرتها”. ويرجع السبب في الوضع السيء الذي آلت إليه التجارة والأعمال إلى البعد العاطفي والشخصي بين أصحاب المصلحة أي فريق الإدارة الذي “يسعى لزيادة الأرباح والثروة” وبين الأهداف الرئيسية التي كانت وراء تأسيس الشركة. إلا أننا نستطيع القول أن الشركات العائلية لا تعاني من هذه المشكلة مثلما تعانيه الشركات العامة.  يستعرض لنا بل فيشر، أستاذ إدارة الابتكار في المعهد الدولي لإدارة الأعمال في سويسرا، ست حقائق هامة يجب أن تأخذها الشركات العائلية بالاعتبار عند مواجهة الابتكار البديل.

وللخوض أكثر في تفاصيل هذا الموضوع الهام، سنتطرق للنهاية المأساوية التي واجهتها شركة كوداك العريقة والشهيرة عالمياً والتي كانت شركة عائلية سابقاً. عندما يتعلق الأمر بالشركات العائلية والابتكارات، فهناك الكثير من النقاط ومواطن الضعف التي ينبغي التركيز عليها. أما الآن، فسنستعرض الحقائق الست التي ينبغي أن تأخذها الشركات العائلية بالاعتبار قبل الخوض في مواجهة الابتكار البديل.

1- توقّع المفاجآت

لا يحدث الابتكار البديل بين يوم وليلة، ومع ذلك يواجه القادة الحاليون صعوبة كبيرة في التكيف معه.

استغرقت شركة كوداك 37 عاماً للسقوط ضحية للثورة الرقمية، والغريب في الأمر أنها كانت عاملاً رئيساً في هذه الثورة، إذ كانت أول من صمم آلة تصوير إلكترونية عام 1975. كما أن نهاية شركتي بلاكبيري أو نوكيا الشهيرتان لم تحدث بين ليلة وضحاها، ما يجعلنا نتساءل: مالذي جعل هذه الشركات تتجاهل ما يحدث حولها من تطورات وابتكارات جديدة؟

يحدث ذات الشيء مع الصناعات الحديثة في مجال السيارات والطائرات. إذ يرى الجميع قدوم التغيير الكبير، لكن القادة الحاليين لم يتجاوبوا معه بالسرعة المطلوبة، وتراهم مترددين في إحداث التغيير الجذري اللازم. ما نقصده هنا هو أن هناك مؤشرات تظهر قبل وقت طويل من حدوث التغيير التي تقع نتيجة للابتكار البديل. ومن بين هذه المؤشرات نجد عملاء مضطربين وغير راضين، يحاولون حل المشاكل التي لا يراها أو يتجاهلها العاملون في القطاع.  كان ينبغي لشركة كوداك أن تستغل مكانتها الرائدة في مجال “التصوير”  من أوراق، وأجهزة، وأفلام، ومعالجة، والبيع بالتجزئة لتكون على دراية تامة بما يجري حولها، ولكنها فشلت في استغلال هذه الميزة الفريدة التي كانت تتمتع بها لصالحها. ومع ذلك، تتمتع الشركات العائلية بالنظرة الاستراتيجية لأنها تحاول دائماً التخطيط لأبعد من جيل واحدٍ. وفي حال استخدمت هذه الرؤية بشكل ذكي فمن شأنها أن تنجح في التعامل مع الابتكار البديل في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان.

2- التركيز على المسار الصحيح

الشركات التي تتعرض للانهيار غالباً ما تضل طريقها. أعتقد أن ما حصل مع شركة كوداك يمثل واحداً من أهم الأعراض التي تعاني منها المؤسسات والشركات الكبيرة وهو عدم قدرة الإدارة على التحكم بكل شيء في ظل عالم يشهد تطوراً سريعاً، بالإضافة إلى الدور الذي يلعبه الخوف في إعاقة تقدم الشركة بعد أن تكتشف أن عالمها معرّض للخطر.

لم تتمكن شركة كوداك من الاستجابة ومواجهة التحديات التي واجهتها في الوقت المناسب لأنها لم تستطع رؤيتها، كما أنها لم تواكب تطور عروض القيمة الجديدة بين المستهلكين لمنتجاتها. والأهم من هذا وذاك، أنها تلقت صدمة نتيجة تخلي عملائها عنها بسرعة لم تتوقعها.

نأخذ على سبيل المثال شركات مبتكرة جديدة مثل “آر بي إن بي” و “يو بير” والطرق المتطورة التي تبنتها لإحداث نقلة نوعية في مجالي النقل والضيافة بمفهومهما التقليدي والمعروف. فقد يكون من الصعب على الكثيرين الاستجابة إلى مثل هذا التغيير بطريقة مدروسة ومتماسكة. بل أن الكثيرين لم يأخذوا التحديات التي تشكلها هذه الشركات “غير التقليدية” على محمل الجد، بالإضافة إلى وجود حالة من التخوف من نتائج هذه التغيرات.

وفي حالة شركة كوداك، كان الخوف هو العائق الكبير الذي منع الأشخاص في قلب الحدث من إخطار المسؤولين الذين كان بإمكانهم توجيه الشركة نحو جهات جديدة وهذا ما أدى إلى مشكلة في التواصل بين مختلف المستويات، ما أدى بطبيعة الحال إلى المزيد من المشاكل كانت نتيجتها إفلاس الشركة قبل أن تتمكن حتى من رؤية المشاكل بوضوح.

3تضارب المصالح

في كثير من الأحيان تتعارض المصالح الشخصية للمساهمين الأساسيين مع المصالح الاستراتيجية للشركة:

ففي الوقت الذي تكون فيه الشركة بأمس الحاجة إلى التفكير الواضح والطويل الأمد، تجد المساهمين يفضلون استغلال مجال الأعمال كما هو اليوم، بدلاً من المخاطرة والاستثمار في أمور ذات مستقبل غامض وغير أكيد، إذ أن النماذج الربحية غالباً ما تتطلب شجاعة في اتباع نموذج الحوكمة. ورغم أنَّ نهاية الشركات أو إفلاسها أمر قد يحدث في أي وقت، إلا أن لهذا الأمر وقع مختلف بالنسبة للشركات العائلية حيث يكون هناك الكثير على المحك من حيث الخسائر المحتملة. لذا يكون رهان الابتكار البديل أعلى في الشركات العائلية منه في نظيراتها من الشركات العامة، إذ أن العائلة لا تعِّرض الشركة فقط للخطر بل تجازف بإرث بنته أجيال سابقة، وتضع رصيد العائلة في الأعمال التجارية للشركة بالإضافة إلى جهود ومصير أفراد العائلة في هذه الشركات. 

لنرى على سبيل المثال الانسحاب المؤثر لعائلة غراهام من جريدة “واشنطن بوست” بعد أن سيطر عليها المالك الجديد ومؤسس موقع أمازون جيف بيزوس ونقل صلاحيات الإدارة لفريق عمله الخاص. إن نقل أصول الشركة وتغيير مصير الخبرة والالتزامات العائلية والمشاركة في ما كان يوماً من الأيام شركة عائلية تعتبر من أهم الجوانب العاطفية والمالية المؤدية للتغيير البديل.

 4- البدائل الجزئية قد تحدث أضراراً

لا يحدث الابتكار البديل على مستوى الشركات وإنما على مستوى القطاع بأكمله، كما لا يجب أن يكون هذا الابتكار كاملاً ليحدث فرقاً أو تغييراً. فمعظم بدائل المنتجات، والخدمات والتكنولوجيا تكون جزئية على الأقل في بداية الابتكار البديل، ورغم أنها جزئية إلا أنها تستطيع التأثير وإحداث الضرر في باقي أجزاء نشاطات الشركة.

يعتبر قياس أدائك الخاص مع أداء نظرائك الحاليين وقاية ووسيلة ممتازة لمواجهة المفاجآت الكبيرة والسيئة، على حد سواء.

تحدثنا كثيراً عن كوداك ونوكيا، ولم نشر إلى شركات مثل شركات أجفا وفوجي، وموتورولا وسوني اريكسون، التي فشلت أيضاً في مجال التصوير والهواتف في ذات الوقت تقريباً. ما توصلت إليه هو أنه في القطاعات الأكثر خبرة تتبع الشركات الرائدة ذات الأساليب الإدارية وذات الطريقة إلى حد كبير، ومع ذات النوع من الأشخاص أيضاً. وكنتيجة لهذه السياسات نلاحظ ندرة في الأفكار الجديدة والمبتكرة وهيمنة منطق المنافسة التي تركز على الأسعار فقط، والتي تحجب عن ناظر الجميع أية أفكار أو بدائل مبتكرة أخرى. إن التركيز على المنافسة في الأسعار يعتبر عملاً مضنياً بحد ذاته، فهو لا يترك مجالاً للإدارة في قطاع ما للبحث في سبل استغلال الأوضاع الراهنة في البحث عن بدايات جديدة. ولذلك فإن قياس أداء الشركة مقارنة مع مثيلاتها من الشركات سيؤدي إلى زيادة فرص حدوث الابتكار البديل.

ورغم أن شركة كوداك لم تتوان عن الاستثمار في مجال الأبحاث، إلا أنها اضطرت للاستسلام والانسحاب بعد تراجع حصصها وإيراداتها، وكان السؤال المطروح آنذاك: “مالذي تخلت عنه كوداك؟ هو المستقبل الغامض أم الماضي العريق؟”. ولذلك نكتشف أن البدائل تقتل الشركات ببطء شديد بدلاً من أن تكون حلاً جذرياً سريعاً ونهائياً. بالإضافة إلى كل ما تم ذكره، فإن كل هذه المفاجآت الصغيرة تستنزف الطاقة وتشغل الإدارات الموجودة وتشتت تركيزها لدرجة تجعلها ترى الشركة كسفينة تائهة.

الشركات العائلية وموقفها من الابتكار البديل

5- نجاح الماضي هاجس يعيق المستقبل

أكبر عائق لتحقيق النجاح في المستقبل هو التركيز على النجاح الذي حقق في الماضي:

قد يكون نجاح الحلول التي قدمها المدير في الجيل السابق من أكثر المؤشرات دلالة على احتمال حدوث فشل ذريع في الخطوات المستقبلية. فعندما يتخذ المدير الخيارات الصحيحة ترى الشركة تنتقل من مجرد فكرة مبتكرة جديدة إلى الإنتاج الشامل لهذا الفكرة على شكل منتج. وبعد حصول هذا، يصبح الالتزام بتحقيق الكفاءة أكثر أهمية من الشغف وحب استكشاف أفكار جديدة ومختلفة، وهذا ما يجعل الشركة تتجه نحو تبني سياسات ترمي لحماية قاعدة النجاح الذي حققته. ويؤدي هذا الخوف من تفكك التيارات الحالية للتدفق النقدي إلى حالة من الإنكار والتردد عند ظهور أولى علامات الانهيار.

وقد تكون الشركات العائلية أبطء في الاستجابة للابتكار البديل بسبب تعلقها العاطفي بنشاط الشركة مع قلة عائداته.

 6- الإدارة عنصر لا يمكن التخلي عنه

وجود قيادة ذات رؤية هو الأساس لتجنب الشركة خطر الابتكار البديل:   

 كانت شركة كوداك منذ تأسيسها تقوم على أهداف معينة، وكان هذا الهدف بالنسبة لجورج إيستمان هو إيمانه بأهمية تبسيط الصور الفوتوغرافية. لم تكن رحلة إيستمان نحو النجاح بالسهولة التي نراها، ولم يكن طريقه نحو تحقيق الأهداف التي رسمها خالٍ من العوائق والعقبات. ولكنه كان ناجحاً بما يكفي ليكون مهيمناً على سوق التصوير الفوتوغرافي للمحترفين والهواة على حد سواء، وذلك بإنتاجه لكل ما يتعلق بهذا المجال من معدات، وأفلام، وورق. كما كان سبباً في الانتشار الواسع لآلات التصوير والتقاط الصور الفوتوغرافية ما يجعلنا نعتقد بأن الفضل يعود له في خلق نوع جديد وعصري من الذكريات. لم يكن إيستمان مجرد مدير عادي بل تمتع برؤية ثاقبة كانت المحرك الرئيسي في استمرار نجاح شركة كوداك إلى أن تمكنت من تحقيق كل الأهداف التي رسمها في ذهنه.

لا يمكننا اليوم وبعد الفشل الذي آلت إليه هذه الشركة سوى صياغة الفرضيات عما كان سيقوم به إيستمان في مواجهة تكنولوجيا الصور الرقمية لو حصلت في زمانه، ولكننا نعتقد أنه كان سيتخذ قرارات وخيارات إدارية مختلفة تماماً عن تلك التي اتخذها الأشخاص الذين تولوا إدارة شركة كوداك من بعده.

أعتقد أن ما كانت كوداك بحاجة إليه لمواجهة اكتساح تكنولوجيا الصور الرقمية هو تحمل المسؤولية ومواكبة هذا التطور، وهذا ما لم يحدث. قد يبدو كلامي هذا ساذجاً ولكنني أظن بأن المدراء الأقرب إلى مركز الشركة غالباً ما يكونون الأدرى بمتطلبات عملائهم التي أدت في الأساس إلى تأسيس هذه الشركة، عكس خلفائهم الذين يركزون أكثر على الأداء المالي للشركة وزيادته إلى أبعد الحدود.

وقد تكون هذه النقطة أفضل ميزة في الشركات العائلية، إذ يكون المؤسس أو المالك موجوداً منذ بداية تأسيس الشركة لفهمه متطلبات العملاء وتمكنه من تصميم منتجات ذي قيمة وتقديم عروض تتماشى مع هذه المتطلبات.

نجح زونغ كينغهو مؤسس شركة “واهاها” للمشروبات الغازية في مواجهة الغزو الأجنبي لسوق المشروبات الغازية في الصين. فقد كان متواجداً منذ ظهور هذا القطاع، وقد تمكن من الفهم الجيد لمتطلبات الزبون على الصعيدين الفكري والعاطفي، كما أنه عرف ومنذ البداية كيف يمكن تحقيق النجاح في هذه السوق. وخلال زيارتي للصين مؤخراً، تحدثت مع مراقبين لمسار الابتكار هناك، وكان أغلبهم يثنون على الإدارة الفعالة الشبيهة بقيادة زونغ وعن الدور الفاعل الذي تلعبه في إلهام مجموعة كبيرة من الشركات الصينية للمضي قدماً في الابتكار والإبداع. ولا يكاد أي مثال يقدمونه يخلو من وجود عنصر “إداري مؤسس أو مالك” يتفهم متطلبات عملائه أكثر من أي شخص آخر، ويمكن الاعتماد عليه لتحفيز الابتكار والسعي لتحقيق حاجات العملاء.

يمتاز مثل هؤلاء القيادين بميزة أساسية هي الوفاء والاهتمام الدائم بحاجات عملائهم، وهي ميزة جوهرية لا يمكن للمدراء الذين يرون في وظائفهم “مجرد إدارة للشركات” أن يتحلوا بمثلها.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 24, 2014

Tags from the story