رحلة البحث عن رئيس تنفيذي من خارج نطاق العائلة

رحلة البحث عن رئيس تنفيذي من خارج نطاق العائلة

رحلة البحث عن رئيس تنفيذي من خارج نطاق العائلة

شركة دباس العائلية 

تحتفل شركة دباس العائلية اليوم بمرور مائة عام على تأسيسها. برز اسم هذه الشركة على مر العقود الماضية في مجال الطاقة عالية الجودة في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط. واليوم، تعمل هذه الشركة العائلية في مجالات الطاقة والتمديدات الميكانيكية والكهربائية وشبكة الصرف الصحي والإنارة والنظم المتكاملة والتشييد والمقاولة. وبالطبع يحق لشركة عريقة مثل دباس أن تحتفي بالذكرى المئوية لتأسيسها. فبات طاقم العمل في الشركة يضم أكثر من 1,000 موظف موزعين على 25 فرعاً عبر 16 دولة من العالم، ويديرها حالياً أبناء الجيل الثالث من العائلة.

شهدت شركة دباس العائلية عام 2008 تحولاً جذرياً. إذ تركت الأزمة الاقتصادية العالمية آثارها وبدأت جميع الشركات تبحث عن مخرج لها. وحينها أدرك رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي روبرت دباس ضرورة إجراء التغييرات في الشركة وحرر خطاباً الى العائلة أعلن فيه قراره بتسليم صلاحياته كرئيس تنفيذي للشركة التي اضحت بحاجة إلى تطوير أسلوب الإدارة. وهكذا بدأت رحلة البحث عن رئيس تنفيذي جديد، مهمة شاقة امتدت على مدى ثلاث سنوات لم تتمكن خلالها من العثور على الشخص المناسب ولم تنتهِ الرحلة بعد.

التقت مجلة ثروات بالسيدة شيرين دباس مقدم، أحد أفراد الجيل الثالث من العائلة وابنة رئيس مجلس الإدارة روبرت دباس، لتشرح لنا كيف اتخذت الشركة قرارها بتوظيف رئيس تنفيذي من خارج نطاق العائلة والتجربة التي اكتسبتها الشركة في هذا الإطار.

ماهي الأسباب التي دفعت الشركة إلى اتخاذ قرار بتوظيف فرد من خارج نطاق العائلة ليتولى منصب الرئيس التنفيذي؟

بعد مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية وما خلفته من أثر، أدركنا ضرورة البحث عن رئيس تنفيذي جديد للشركة. وبالرغم من منزلة العمل وقيمته عند والدي، إلا أن قراره بالتخلي عن المنصب جاء ليؤكد ضرورة التغيير، مع إدراكه الشديد لصعوبة إيجاد الشخص المناسب لتولي هذا المنصب الهام، بسبب عدم امتلاك أي فرد من العائلة القدرة أو المؤهلات التي ترشحه لتولي هذا المنصب آنذاك. وكان لابد من اختيار الشخص المناسب، لذلك لم يساوم مطلقاً أثناء اختيار الرئيس التنفيذي الجديد، لأن مصلحة الشركة تعني مصلحة العائلة.

وبات السؤال الأبرز بالنسبة لنا آنذاك: هل يجب علينا تشجيع فرد من العائلة على تولي هذا المنصب أو توظيف شخص آخر من خارج نطاق العائلة. وبالرغم من أننا بدأنا عملية البحث بشكل رسمي عام 2008 إلا أننا لم نتوقف عن البحث طيلة السنوات ال 15 المنصرمة لإيجاد الأفراد الذين يمتلكون القدرة على تولي منصب الرئيس التنفيذي. إلا أننا لم نحصل على النتيجة التي نرجوها وكان ذلك الأمر مخيباً للآمال.

أعتقد بأن المنهج الذي اتبعناه آنذاك يختلف عن عملية البحث التي بدأناها عام 2008، فقد أصبحنا بمرور الوقت أكثر إدراكاً للمواصفات التي نريدها والمزايا التي يمكننا تقديمها، كما أصبح لدينا توصيف دقيق لطبيعة العمل، آخذين بعين الاعتبار خطورة ضم فرد جديد إلى الشركة لتولي منصب الرئيس التنفيذي دون امتلاك الخبرات اللازمة.

بدأنا عملية اختيار مكتب الموارد البشرية المناسب وكانت أول عقبة تواجهنا هي تحديد الأجر الذي سيتقاضاه الرئيس التنفيذي. ولمناقشة هذه الأمور الهامة، ساهم مجلس الإدارة في تنفيذ رغبة والدي، اذ تم تشكيل لجنة مؤلفة من أخي ووالدي ورؤساء الأقسام المستقلة. وكانت مناقشة أمور التعويضات ممتعة للغاية، تحلى مجلس الإدارة آنذاك بالمهنية وبدأ بممارسة حق التصويت. وبدا الأمر أكثر أهميةً عندما طرح للتصويت.

ما الإجراءات التي اتخذتها الشركة لاختيار المرشح المناسب؟

لقد أرسل لنا مكتب الموارد البشرية المعتمد لدينا الكثير من السير الذاتية، اطلع والدي -الذي يمتلك حدساً عالياً – على ملف السيرة الذاتية والتي تعود إلى الرئيس التنفيذي الحالي، تذكر معرفته السابقة بهذا الشخص منذ بدء مشواره المهني.

أضاف قرار التوظيف نقاطاً ايجابية لم نكن نتوقعها أو نأخذها بعين الاعتبار من قبل. فعندما عرضنا منصب الرئيس التنفيذي على هذا الشخص، أخبرنا بأن أحد الأسباب التي جعلته يتأكد بأننا شركة عريقة هو لجوؤنا إلى وكيل التوظيف لاختيار المرشح المناسب. وحينها سألته عن الأسباب الأخرى التي جذبته للعمل في شركتنا وما الذي دفعه للانتقال إلى لبنان وقبوله الانضمام إلى طاقم العمل في شركتنا العائلية؛ فأجاب أن تطابق وجهة نظره مع وجهة نظرنا أثناء لقائه بوالدي لعب دوراً ايجابياً بالإضافة الى رغبته بالعمل في شركة متعددة الجنسيات تمتلك شهرة عريقة.

قدم مجلس الإدارة الكثير من الدعم لاختيار الرئيس التنفيذي المناسب. وبات يضم أفراد من العائلة ومن خارج نطاق العائلة وقد ساهم ذلك في تنمية الشركة إلى حدود لم نتوقعها من خلال اعتماده على القرارات التي شاركنا باتخاذها.

إذان، لمَ لم توظّف شركتكم العائلية في السابق رئيساً تنفيذياً من خارج نطاق العائلة؟

أعتقد بأن قصتنا سارت على هذا النحو المقدر لها. فخلال السنوات الأربعين الأولى من عمر شركتنا، كان جدي يدير متجراً صغيراً، وأسس الشركة عام 1910 وواجه تبعات الحرب العالمية الأولى. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت الشركة على وشك الانهيار. لكن الشركة عادت إلى الحياة من جديد بفضل عمي ووالدي بل واكتسبت شهرة عالمية عندما اندلعت الحرب الأهلية في السبعينيات من القرن الماضي ودفعتهما إلى التوجه نحو الأسواق العالمية التي كانت الشركة في أمس الحاجة إليها.

تقاعد عمي الأكبر بعد حين، وتوفي الآخر بحلول عام 2001. ومنذ ذلك الحين يتحمل والدي مسؤولية الشركة بمفرده ما أكسبه خبرة أدرك من خلالها حاجة الشركة إلى رئيس تنفيذي جديد، ليثبت إنه قائد رائع بكل ما للكلمة من معنى.

رحلة البحث عن رئيس تنفيذي من خارج نطاق العائلة

ماهي الإجراءات التي اتخذتها الشركة لتسهل عملية تسليم المنصب إلى الرئيس التنفيذي الجديد؟

لقد شعرنا بالسعادة إزاء التحاق الرئيس التنفيذي الجديد بصفوف العمل معنا. وصار لزاماً علينا أن نتيح له الفرصة ليثبت لنا كفاءته. وأعتقد بأن الجميع في داخل الشركة وخارجها كان يتوقعون فشله إلى حد ما. لكن مجلس الإدارة عبر عن التزامه بتقديم كل الدعم الممكن لتسهيل انتقال المهمة إلى الرئيس التنفيذي الجديد.

سألت الرئيس التنفيذي الجديد عن رأيه بفكرة توظيف فرد من خارج نطاق العائلة بمنصب الرئيس التنفيذي. فأجابني بأنه يجب على العائلة أن تدرك بأن الأمور تتغير وأن تقبل بهذا الواقع. وكان ذلك صحيحاً بالنسبة لشركتنا؛ وبالطبع إن إدخال عنصر من خارج نطاق العائلة للمرة الأولى سيولد حالة من عدم الاستقرار. إلا أن التناغم بين والدي وبين الرئيس التنفيذي الجديد كان عاملاً مهماً في نجاح التجربة، فقد كانا يختلفان في وجهات نظرهما دون أن يؤثر ذلك على علاقتهما، وتجلى ذلك بالقرارات التي اتخذها الرئيس التنفيذي الجديد في شركتنا وكانت قرارات قاسية للغاية تقضي بالاستغناء عن بعض الأفراد وإيقاف الشركات. فقد كان من الصعب على العائلة التخلي عن بعض الأفراد الذين عملوا معها لوقت طويل. لكن مصلحة الشركة تحتم على الرئيس التنفيذي القيام بالأعمال التي وظف لأجلها وعلى رأسها إعادة هيكلة الشركة وتطويرها. لذلك توجب علينا منحه الفرصة لأداء عمله على أكمل وجه.

هل شعرتم بالقلق إزاء توظيف رئيس تنفيذي من خارج نطاق العائلة وهل أثر ذلك على المزايا العائلية للشركة؟

تكمن نقاط قوتنا في السمعة الطيبة التي تتميز بها الشركة. ولا شك أن الفرد الذي يحمل اسم عائلة دباس يحمل مزايا إضافية. وهنا تكمن قوة الشركة العائلية. ففي ذلك الوقت كان والدي وأعمامي يبرمون صفقات البيع مع الموردين فقط من خلال المصافحة باليد بسبب الثقة الكبيرة. حصل الرئيس التنفيذي الذي لا ينتمي إلى العائلة على دعم العائلة وبذلك تمكن من أداء أعماله بكل سهولة وفاعلية.

كيف تعامل أفراد العائلة مع هذه التغييرات؟

يعمل أخي وأبناء أعمامي في الشركة بدوام كامل. وخلال عملهم في الشركة، واجهوا أوقات رخاء وأخرى عصيبة. ولعل حالة عدم الاستقرار التي كانت الشركة تعاني منها فرضت عليهم ضرورة إجراء التغيير الإيجابي. وأدرك الجميع بأن الأمر لا يتعلق بالمصلحة الشخصية بل بمصلحة الشركة كلها. ولعب مجلس الإدارة مرة أخرى دوراً فاعلاً في هذا الإطار. ولكي ينجح مجلس الإدارة في إجراء هذا التغيير الإيجابي، وافق أخي وأبناء أعمامي على التنازل عن منصبهم في مجلس الإدارة فهم يعملون في الشركة ويجب أن تكون لديهم علاقة جيدة مع الرئيس التنفيذي. ومنذ ذلك الحين بدأت أمارس دوري في مجلس الإدارة باعتباري فرداً من العائلة على الرغم من أنني لا أعمل في الشركة.

ولدى سؤال الرئيس التنفيذي عن أهم العوامل المؤثرة في نجاح عمله، أجابني بأنه من المهم جداً أن يفهم الرئيس التنفيذي طريقة تفكير العائلة. ويجب على العائلة أن تصرح بكل ما لديها من معلومات. وبذلك وضع الرئيس التنفيذي الجديد على عاتقه مهمة جمع كافة المعلومات الممكنة. فإن لم تتوفر لديه جميع المعلومات حينها قد يتسبب عمله في إيذاء الشركة العائلية.

هل تفكرون بتسليم منصب الرئيس التنفيذي إلى فرد من العائلة؟

بكل تأكيد. ليس هناك شيء مستحيل بالنسبة لنا. نعتقد بأن المرحلة الحالية فرضت علينا توظيف فرد من خارج نطاق العائلة، واضطررنا لإجراء هذا التغيير لمصلحة الشركة، فقد كانت السنوات القليلة الماضية عصيبة للغاية. لقد أدخل الرئيس التنفيذي الجديد على الشركة مزيداً من القوانين الصارمة، وتم تعزيز دور التقارير والمحاسبة والدقة في العمل وتمت هيكلة كافة الإجراءات غير الرسمية في بيئة العمل وهذا مما كنا نحتاج إليه.

وإذا أراد أي فرد من العائلة الاقتداء بأفراد العائلة الآخرين والانضمام للشركة اليوم، فيجب أن يتم ذلك وفقاً لآلية منظمة. وأعتقد بأنه يصعب على أي فرد من العائلة وضع هذه الأنظمة وتطبيقها بدقة وحزم، فقد تحول صلة القرابة التي تجمعه مع الآخرين دون تحقيق ذلك.

ما الدور الذي يمارسه والدك في الشركة اليوم؟

لا يزال والدي يمارس مهمة رئيس مجلس الإدارة، وهو يدير أعمال الشركة ويعتبر بمثابة الصوت الداعم للرئيس التنفيذي. يمنح والدي الرئيس التنفيذي مهمة اتخاذ كافة القرارات، لكنه يأتي إلى المكتب كل يوم. وقد تظهر أحياناً بعض المشاكل المتعلقة بقسم الاتصال والعلاقات والتي يجب أن يتعامل معها والدي على طريقته الخاصة. وأعتقد أنه من الخطأ التخلي عن مهارة والدي بالكامل. ولا شك أن منصب رئيس مجلس الإدارة هو منصب مؤثر للغاية. وعلى الرغم من وجود رئيس تنفيذي يدير أعمال الشركة، لا يزال منصب رئيس مجلس الإدارة هو المنصب الأعلى في الشركة.

هل لك أن تطلعينا على أولويات الشركة في المستقبل؟

نرغب بقطع شوط كبير في العمل والتحقق من وجود خلفاء لمنصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة. لا نرغب مطلقاً في انتظار حالة الطوارئ لنقوم بذلك، بل نرغب في وضع خطة عمل مسبقة من الآن.

كما نرغب في الحفاظ على الانفتاح الذي نجحنا في تحقيقه من خلال إجراء هذه النقلة النوعية في الشركة العائلية. تبدي الشركة اليوم المزيد من الانفتاح لتقبل التغيير وهذا سيوفر لنا الدعم في اتخاذ القرارات المستقبلية.

لقد خاضت الشركة عملية تغيير على المدى الطويل. فليس من الممكن إجراء هذا التغيير بشكل فوري بل يجب تنفيذه والالتزام به لمصلحة الشركة العائلية. لقد مررنا بمرحلة تغيير. وغادر بعض الأفراد الذين لم يرغبوا في أن يكونوا جزءاً من الرؤية الجديدة للشركة؛ لكننا نجحنا في استقطاب وتوظيف أفضل المهارات التي عبرت عن رغبتها في أن تكون جزءاً من الشركة التي باتت أكثر تنظيماً. وأعتقد عموماً بأنه يمكن إجراء التغيير بشكل ناجح عندما تعبر العائلة عن رغبتها بذلك وعندما يكون هناك مجلس إدارة قوي داعم للرئيس التنفيذي. وكل ما عليك فعله هو إيجاد الشخص المناسب لتولي منصب الرئيس التنفيذي، وأعني بذلك الشخص الذي تتوافق أهدافه مع أهداف العائلة.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 24, 2014

 

Tags from the story