الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي: لما تبدو قليلة على الرغم من كثرتها

الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي: لما تبدو قليلة على الرغم من كثرتها

تعتمد الدول العربية بشكل كبير على التجارة العالمية، وتتمتع بدرجة كبيرة من الانفتاح التجاري، وحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلية بها تعد مرتفعة بالمقارنة بالناتج المحلي الإجمالي وفق المقاييس العالمية. وإن كان هذا يبدو متعارضاً مع الفكرة التقليدية التي تصورها على أنها دول منغلقة وأكثر ميلا نحو الحمائية. بينما قد تعكس هذه الآراء العبارات القومية الرنانة القديمة وسياسات استبدال الواردات التي كانت سائدة فيما مضى، إلا أنها تحتاج إلى مراجعة من شخص مؤهل. يقدم د. إيكارت ورتز من مركز الخليج للأبحاث بدبي حقائق وأرقام عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي، ويشرح الاتجاهات الاقتصادية، وسبب قلة الاستثمارات المتبادلة بين دول المنطقة.

يمكن أن يقاس الانفتاح على التجارة العالمية بنسبة الصادرات والواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي. والسودان التي تعد الدولة العربية صاحبة أقل معدل انفتاح تجاري مازالت تفوق إلى حد بعيد دول في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مثل الولايات المتحدة واليابان. وبينما حصلت السودان على 43 درجة في الانفتاح التجاري، حصلت أمريكا على 27 واليابان على 31 فقط. وجميع اقتصاديات الدول العربية الأخرى لديها درجات أعلى للانفتاح التجاري، وتحتل الإمارات العربية المتحدة المقدمة مسجلة 159 درجة.

وتتضح نفس الصورة بالنظر إلى حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلية في مقابل الناتج المحلي الإجمالي. تتساوى السعودية والإمارات المتحدة وشمال أفريقيا بنسبة 25 بالمئة تقريباً مع نفس مستوى الدول النامية في جميع أنحاء العالم متفوقة على مستويات أمريكا والصين بكثير والذي يقدر نصيبهما بمقدار 16 بالمئة و9,9 بالمئة بالترتيب. تعلو النسبة بشكل خاص في مصر لتصل إلى 37 بالمئة، وحتى الدول العربية في غرب آسيا تحصل على نسبة 18 بالمئة وبالتالي فهي تتفوق بقدر كبير على أسواق ناشئة مثل الصين والهند.

على الرغم من ذلك، فهذا الانفتاح لا يعني بالضرورة تحقيق الديناميكية والرخاء حسبما يشير الفكر الاقتصاد التقليدي والذي ليس محل ثقة في الوقت الراهن، كما لم يؤد إلى مستوى مرتفع من التكامل الاقتصادي داخل العالم العربي. ووفق أرقام منظمة التجارة العالمية كانت حصة التجارة بين دول المنطقة في الشرق الأوسط عام 2006 تبلغ 11 بالمئة فقط، وليس هناك مستوى أدنى من ذلك في جميع أنحاء العالم باستثناء دول أفريقيا.
والتعليل البسيط لذلك هو أن المنطقة العربية ذات تركيبة مسطحة؛ فهي منطقة واسعة بامتدادها الجغرافي والسكان فيها متناثرين، وتلك سمتان تعوقان تعزيز حجم التجارة الداخلية بين دول المنطقة. تبعد الدار البيضاء عن دبي بمقدار 6000 كم أغلبها أراضي صحراوية خالية، بينما المسافة بين لشبونة وموسكو هي 4000 كم فقط وبها مناطق ذات كثافة سكانية عالية وبنية تحتية متطورة. وعلاوة على هذا، نجد أن الدار البيضاء تبعد عن مدريد 800 كم. وبالتالي ليس من المستغرب أن تأتي العلاقات التجارية لدول المغرب العربي مع أوروبا في المقام الأول وليس مع الدول العربية الشقيقة. ان 60 بالمئة من التجارة الخارجية للمغرب هي مع الاتحاد الأوروبي، أما بالنسبة لتونس، فنصيب الاتحاد الأوروبي يتجاوز حتى نسبة 70 بالمئة.
بعيدًا عن كون الدول العربية متباعدة جغرافياً وذات كثافة سكانية متناثرة، تفتقر المنطقة العربية عادة إلى بنية تحتية حديثة للاتصالات. إن السفر بالطائرة من دبي إلى لندن أسهل من السفر جوًا من القاهرة إلى طرابلس. تعد دول الخليج هي الاستثناء وذلك لقدرتها على الاستثمار في شبكة طرق تربط بينها؛وقد بدأت الآن في إنشاء شبكة سكة حديدية تربط بين طرق المرور الرئيسية على طول الشبكة. بخلاف ذلك، سرعان ما تتدنى جودة الطرق ومسارات السكك الحديدية في العديد من الدول العربية بمجرد الخروج من محيط العاصمة. لذا فنقل البضائع من دولة عربية إلى أخرى ليس بالشيء السهل. وكثيرًا ما تؤدي العلاقات السياسية وإجراءات الجمارك المعقدة إلى المزيد من تعقيد الأمور. وغالبًا ما تكون التجارة المعتمدة على النقل البحري لمسافات طويلة أسهل من تبادل السلع برًا لمسافات قصيرة.
يجب أيضاً ألا ننسى أن العديد من الدول العربية مازالت بوجه عام مُصدرة للمواد الخام وأنها بالأحرى تتنافس فيما بينها ولا تكمل بعضها البعض. مما لا شك فيه أن بعض الدول العربية مثل الأردن ولبنان لا تمتلك بترول أو غاز على الإطلاق وقد حاولت التخصص في مجالات محددة عن طريق توفير منتجات وخدمات لدول الجوار. لكن بصفة عامة، يعد التنقيب عن الموارد الطبيعية عاملا مهمًا حتى في اقتصاد الدول الأقل حظاً مثل مصر وسوريا، وهو ما يحد من احتمالية وجود تبادل تجاري تكاملي في هذه المرحلة.
أعاقت عوامل تكوين المنطقة، والتي ضاعفتها الصراعات بين دول الجوار العربي، التجارة الداخلية فيما بينها وأدت بالمنطقة لتصبح أكبر منطقة ذات توجه خارجي في العالم. وينطبق هذا بالمثل على الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي؛ فقد زادت بمقدار ستة عشر ضعف في الفترة من عام 2000 وحتى 2008. وقد زادت بقوة بعد عام 2004، مدفوعة بالأسعار المرتفعة للبترول وبيئة الاستثمار المُحسـّنة. تم تخفيض التعريفات الجمركية في أعقاب الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2003 وإقامة منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى عام 2005 وانضمام السعودية لمنظمة التجارة العالمية في نفس العام كأخر دول مجلس التعاون الخليجي المنضمة له. لم يكن النمو في علاقات متبادلة كاملة فحسب؛ فقد زادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول العربية بالنسبة للإجمالي العالمي من 0,4 بالمئة عام 2000 إلى 5,7 بالمئة عام 2008، ومقارنة بالدول النامية فقد زادت من 2,3 بالمئة إلى 15,5 بالمئة خلال نفس الفترة
العالم

تركـّز هذا النمو في دول قليلة في العالم العربي، وهي المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر ومصر، والتي تمثل حوالي 70 بالمئة (ما يعادل 68 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلية بالعالم العربي . أما مجموعة الدول التي تقبع في المنطقة الوسطى مثل ليبيا ولبنان والأردن وسلطنة عمان والسودان والمغرب وتونس فقد اجتذبت أيضًا مبالغ مالية ضخمة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتراوح ما بين 2,5 مليار دولار إلى 4,1 مليار دولار عام 2008. وبالمقارنة، نجد أن الأراضي الفلسطينية والعراق واليمن كانت دون المستوى فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية المباشرة. اجتذبت سوريا استثمارات أجنبية مباشرة أكبر بقيمة 2,1 مليار دولار عام 2008 بعد أن كان أداءها في هذا المضمار دون المستوى في السنوات السابقة. وبخلاف أقرانها الأغنياء بالثروة النفطية، اجتذبت الكويت استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 56 مليون دولار فقط في عام 2008، والذي يمكن أن يكون بسبب الميل الصريح لاقتصادها للاعتماد على عائدات البترول ووجود بعض الصعوبات في تطبيق المقترحات الرئيسية في مجال الاستثمار.

المصدر: تقرير الاستثمارات العالمية لعام 2009 الصادر عن مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد)

من اللافت للنظر وجود هذه الكثافة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول الغنية بالبترول. حتى في الدول الأقل حظًا مثل مصر والسودان، توجه جزء كبير من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مجال البترول والغاز الطبيعي. معظم الصناعات النفطية للمستهلك النهائي في دول مجلس التعاون الخليجي مغلقة في وجه الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ولكن هناك استثمارات ضخمة في الصناعات الوسيطة في قطاعات البتروكيماويات وتكرير البترول. الصناعات عالية الاستهلاك للطاقة مثل الألمونيوم كانت أيضًا محل تركيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة في دول مجلس التعاون الخليجي. والتعاون بين شركتي أرامكو وسوميتومو في مصفاة بترول رابغ، أو مشروع قطر ألومنيوم المشترك بين شركتي هايدرو النرويجية وقطر للبترول هي أمثلة تؤكد ما سبق. عزز الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة تحول الصناعات عالية الاستهلاك للطاقة إلى منطقة الخليج ودفع أيضًا تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في هذه الصناعات. أما القطاعات الأخرى التي لعبت دورًا لا بأس به في الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالعالم العربي فهي الاتصالات والبنوك والإنشاءات.

شهد العالم العربي ارتفاعًا كبيرًا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجية نتيجة لازدهار الصناعات البترولية في السنوات الأخيرة. و بدأت الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدول الخليج الغنية بالبترول في الارتفاع المفاجئ بداية من عام 2004 وما تلاه حتى بلغت ذروتها في عام 2007 بقيمة 45 مليار دولار . وتدفقت بعض هذه الاستثمارات على الدول العربية الشقيقة. وتقدر المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن حصة الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيما بين الدول العربية من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي قد ارتفعت من الربع إلى الثلث خلال الفترة بين عامي 2007 و2008. وبينما يبدو هذا رقماً مدهشاً، فإن أغلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلية في العالم العربي مازالت تأتي من دول غير عربية. وحيث أن العالم العربي منفتح على التبادل التجاري، لكن أغلب التبادل التجاري يكون مع العالم الخارجي، والأمر بالمثل ينطبق على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإن كان بدرجة أقل.

يعكس الدور المتنامي للاستثمارات الأجنبية المباشرة فيما بين الدول العربية تطورات كبيرة في الأطر التنظيمية والشفافية والحوكمة. حيث أدت هذه التطورات إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وكذلك ارتفاع ترتيب العديد من الدول العربية في تصنيف التنافسية العالمية في السنوات الأخيرة. خلال سنوات ازدهارها لم تجتذب دبي العديد من المستثمرين العالميين في مجال العقارات فحسب، إنما وجـّهت شركات إماراتية مثل إعمار أنظارها إلى الاستثمار في مجال العقارات في دول عربية أخرى مثل المغرب ومصر وسوريا. حصلت شركة زين الكويتية على رخص تشغيل شبكات المحمول في العديد من الدول العربية والأفريقية، وحصل البنك التجاري القطري على حصة في البنك الوطني العماني. على الجانب الأخر استثمر بنك دبي الإسلامي وبنك أبو ظبي الوطني في دولة الأردن، وهذه بعض الأمثلة. كانت هناك أيضًا بعض الاستثمارات في مجال التصنيع، على سبيل المثال استثمرت شركة صافولا السعودية في شركة أسمدة ومعمل لتكرير السكر في مصر. وقد تم الإعلان عن بعض الاستثمارات الزراعية إلا أن إمكانية الاستثمار في هذا المجال محدودة حيث تعاني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من ندرة المياه. وجهت شركة القدرة بأبو ظبي أنظارها إلى مشروعات زراعية في الجزائر والمغرب بينما استثمرت شركة الراجحي السعودية في مصر.

مازالت للمعوقات الهيكلية للوحدة الاقتصادية في العالم العربي والتي أجملناها فيما سبق تأثيراتها الضارة، بالإضافة إلى أن الوحدة الاقتصادية بين الدول العربية مازالت محدودة نسبيًا. يظل انخفاض تكلفة المواد الخام للطاقة هو الحافز الرئيسي للاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم العربي، بينما بقية الحوافز التقليدية مثل الوصول إلى أسواق محلية كبيرة والعمالة الرخيصة أو عالية الكفاءة والظروف الملائمة للاستثمار ذات مردود ضعيف في معادلة الاستثمار. ومع ذلك، فان التنوع المتنامي للاقتصاد قد يزيد فرص التجارة و وسوف تلحق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالتجارة كما هو الحال في كل مكان. شهد مجلس التعاون الخليجي، والذي يعد أكثر الجهود نجاحاً في مجال الوحدة العربية الاقتصادية -وإن كان هذا الأمر قابل للمناقشة- ارتفاعاً في عمليات التجارة بين دول المجلس منذ بداية اتحادها الجمركي عام 2003. ان المزيد من التنوع والتطوير للبنية التحتية والاستقرار السياسي سوف تعزز الجهود المبذولة من أجل الوحدة الاقتصادية العربية وبالتالي قد يمكن تحقيقها في المستقبل.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 7, 2010

Tags from the story