الشركات العائلية الخليجية : طرق لتنظيم أمور الأعمال

الشركات العائلية الخليجية : طرق لتنظيم أمور الأعمال

ينبغي على الشركات العائلية في منطقة مجلس التعاون الخليجي التفكير في تنظيم أمورأعمالها. كشف المناخ الحالي للأعمال عن تحديات استراتيجية وتشغيلية في الشركات العائلية. ومن أجل زيادة ربحيتها، فربما قد حان الوقت لإرساء نظام حوكمة قوي وخطة للخلافة، بالإضافة إلى التركيز على القدرات الأساسية لإنشاء القيمة بالإضافة إلى تحسين إدارة التكاليف والأداء التشغيلي. يشرح سيريل جاربوي وأوليفر لاروش وموكوند باهاتنجر الاستراتيجيات والطرق التي ينبغي على الشركات العائلية اتباعها لاكتساب المزيد من الفعالية والمرونة والتنافسية.

تمثل الشركات العائلية ثلاثة أرباع اقتصاد القطاع الخاص بدول مجلس التعاون الخليجي. وتعتبر معظم هذه الشركات في بداياتها وتتسم بالتنوع الكبير، وأكثر من نصف هذه الشركات تعمل في التجارة والخدمات المالية والعقارات والتشييد والبناء.

أسهمت شبكات العلاقات التجارية والسياسية القوية بالمنطقة بالإضافة إلى الروابط التاريخية مع الأسواق الأفريقية والآسيوية عالية النمو في وضع أساس للنمو السريع للشركات العائلية الخليجية. وقد أسهمت العديد من العوامل في نجاح الشركات العائلية بدول مجلس التعاون الخليجي على مدار العقود الماضية (انظر الشكل 1)

1

الشكل 1: عوامل النجاح السابقة للشركات العائلية الخليجية

ساعدت جميع العوامل الموضحة أعلاه الشركات العائلية الخليجية على تحقيق نمو مثمر على مدار العقود السابقة. ومع ذلك، فقد كشف التراجع الاقتصادي الأخير عن الكثير من نقاط الضعف الاستراتيجية والتشغيلية في هذه الشركات. استجابت بعض هذه الشركات سريعاً لتلك الظروف من خلال تحسين نظام الحوكمة وإدارة مجموعة أنشطتها التجارية وزيادة الفعالية التشغيلية وفي الوقت ذاته خفض التكاليف. تقدم هذه المقالة طريقة استراتيجية مخصصة لتناسب الشركات العائلية، بحيث توضح بمزيد من التفاصيل الجوانب الرئيسية الثلاثة للفعالية التنظيمية.

الشكل 2: المبادئ الثلاثة للفعالية التنظيمية

2

1. إرساء نظام حوكمة فعال وتخطيط محكم للخلافة
على المستوى الإقليمي، وصلت الشركات العائلية الكبرى مرحلة من النضج تستلزم التحول من الاعتماد على قائد ذو شخصية ساحرة إلى اتباع قواعد حوكمة أكثر تنظيماً. تتم إدارة معظم الشركات العائلية حالياً بواسطة الجيل الثاني من أفراد العائلة، و يقوم الجيل الثالث على إدارة أكثر من 20 بالمئة من هذه الشركات . إن مرونة الحوكمة ضرورة لا غنى عنها ويجب عليها مراعاة الاهتمامات المتنوعة لأفراد العائلة عبر الأجيال المختلفة. علاوة على هذا، يتطلب الأمر نهجاً محدداً جيداً لتخطيط الخلافة من أجل تلبية احتياجات ومطالب كل أفراد العائلة على حدة. ويمكن تحقيق هذا من خلال سلسلة من الأساليب المرتبطة ببعضها:
o تبسيط هيكل المؤسسة بواسطة القضاء على جميع علاقات إعداد وتقديم التقارير المثبطة للإنتاجية. يواجه بعض المدراء التنفيذيون بالمنطقة ضرورة التعامل مع أكثر من 30 تقرير مباشر، وعادة ما تستمر المشكلة مروراً بجميع مستويات المؤسسة.
o الإستعانة بمواهب إدارية متخصصة من الخارج في حالة عدم وجود اختصاصات ضرورية ومهمة في داخل العائلة. ويمكن تحقيق هذا من خلال وضع نظام محدد جيداً لإدارة الأداء والمكافأت مع ضرورة تحري العدل والمساواة عند تطبيقه على الموظفين من داخل العائلة وخارجها طالما أن أدوارهم ومهامهم الوظيفية متشابهة.
o تعيين الحدود الفاصلة بين اهتمامات الشركة والاهتمامات الشخصية لأفراد العائلة.
o إنشاء نظام شامل لمعلومات الإدارة (مزود بإمكانية إدارة المخاطر)، والذي سيضمن بقاء مخاطر ومتغيرات الأداء في نطاق مقبول. يجب تزويد الإدارة العليا بوسيلة لقياس الأثر المالي لجميع القرارات بغض النظر عن الظروف الاقتصادية.

2.إعادة التركيز على مجموعة منتجات/خدمات الشركة
عانت الكثير من الشركات من نقص التمويل خلال فترات التراجع والتباطوء الاقتصادي. تعتبرمرحلة التباطؤ تلك مرحلة ممتازة للتركيز على الأنشطة الأساسية وما يترتب على ذلك من تخصيص لرأس المال واهتمام بالإدارة. و تكون الخطوة الأولى فيها هي تحديد الأنشطة الأساسية بواسطة تقييم ربحية إدارات الشركة والشركات التابعة من أجل تحديد عوامل إيجاد القيمة، وعوامل التعقيد وعوامل هدم القيمة (انظر الشكل 3).

الشكل 3: تقييم مجموعة أنشطة الأعمال لتحديد أعلى الأصول قيمة

3
عوامل إيجاد القيمة هي تلك الإدارات أو الشركات التابعة التي تُدر الجزء الأكبر من الأرباح على المجموعة. أما عوامل التعقيد فهي الإدارات أو الشركات التابعة الصغيرة أو غير الأساسية التي تسهم بحصة ضئيلة في الأرباح لكنها تضيف تعقيدات تنظيمية وتستهلك وقت الإدارة. بالنسبة لعوامل هدم القيمة فينتج عنها خسائر ولها أثر سلبي على إجمالي ربحية المجموعة. يشير البحث الذي أجرته أيه تي كيرني إلى أنه في المتوسط تكون ربع الأنشطة التجارية بداخل الشركات المتنوعة في مجالات عملها هي عوامل لهدم القيمة.

إن عملية التقييم الشاملة تغوص أكثر في أعماق المؤسسة وتقيّم جميع القطاعات والمناطق الجغرافية التي تعمل بها الشركة وفي الوقت ذاته تأخذ في الاعتبار الأهمية الاستراتيجية والمستقبل المتوقع للشركة على المدى الطويل. وهذه فرصة لتحديد الأنشطة الأساسية بوضوح والتخلص من كافة الأنشطة غير الاستراتيجية منخفضة الأداء وصغيرة الحجم ذات المساهمة المحدودة أوالمعدومة في الربحية وذات توقعات بنمو متواضع مستقبلاً.

3. اكتساب المزيد من الفعالية والمرونة والتنافسية
إن الشركات العائلية الخليجية في وضعية تتيح لها جني مكاسب على المدى القصير وإنشاء قيمة على المدى الطويل من خلال تحسين إدارة التكاليف والأداء التشغيلي، وبدون معايشة الضغوط الربع سنوية لنسب الأرباح التي يجب أن تعاني منها الشركات المساهمة العامة. وبالرغم من هذا، ونظراً لأن نسب النمو التي تزيد على 9% التي حققتها الشركات قبل مرحلة التباطوء الاقتصادي لم تقدم الحافز الكافي لخفض النفقات، فمازال على الشركات العائلية إدراك أن اكتساب المزيد من الفعالية والمرونة ضرورة لا غنى عنها لتحقيق التنافسية على المدى الطويل. ففي المناخ الحالي يمكن للمبادرات التي تستهدف مضاعفة الربحية والاستدامة زيادة القيمة للشركات العائلية. وفي الواقع، يمكن لخفض التكاليف بنسبة من 6 إلى 10 بالمئة مضاعفة هوامش الربح (انظر الشكل 4). يوازي هذا الأثر على صافي الأرباح تقريباً ما تساويه زيادة الإيرادات بنسبة من 30 إلى 40 بالمئة.

الشكل 4: تحسين العمليات ونظام التكلفة قد يضاعف الأرباح الإجمالية

4

هناك استراتيجيات مجربة لإنشاء شركات أكثر فعالية ومرونة وتنافسية:

تشير إدارة القدرة إلى ضبط مستوى ومزيج العمالة وأصول رأس المال للتوافق مع بيئة أعمال متغيرة. تشتمل عملية الضبط على التالي:
o اختيار الحجم المناسب لقاعدة الأصول. يتطلب ضبط قاعدة الأصول متابعة مقاييس الإنتاجية الرئيسية للتأكد من الحصول على الاستفادة القصوى من الأصول الثابتة -عادة من خلال الدمج- بدون التنازل عن تحقيق العائدات. وقد يتطلب هذا متابعة أصول مثل
نقاط البيع بالنسبة لتجار التجزئة، والفروع بالنسبة للبنوك، ومركبات النقل بالنسبة لشركات الشحن والنقل. بالنسبة لشركات الشحن، عادة ما يشتمل اختيار حجم العمالة المناسب على دمج أساطيل المركبات ومنشآت الصيانة والمخازن.
o اختيار الحجم المناسب للعمالة. غالباً ما تنخفض إنتاجية الموظفين أثناء فترات التباطوء الاقتصادي إلا إذا تم اتخاذ إجراءات تصحيحية. و عادة ما تخسر الشركات التي تخفق في عملية تعديل نسب عمالتها سريعاً. وفي الوقت ذاته، يجب التأكد من أن خفض العمالة لا يؤثر على الأداء مستقبلا أو على معنويات الموظفين. وعادة ما نُوصي بإجراء عمليات خفض استراتيجية للعمالة من خلال استخدام آليات متابعة مستمرة للإنتاجية، على أن تضمن الوسيلة المستخدمة استمرار التحسينات بدون حالات الثورة التي تنتج عادة عن عمليات خفض العمالة القاسية.
o إعادة التوازن بين رأس المال والعمالة. قد يتطلب تحقيق التوازن المناسب في رأس المال والعمالة أتمتة بعض العمليات الأساسية. في مجال الصيرفة مثلاً، قد تسهم أتمتة عمليات مكاتب الدعم الخلفية في خفض التكاليف وتحسين جودة ومستوى خدمة العملاء. أما في مجال التشييد والبناء، قد تزيد عمليات الابتكار التقنية وإدخال التحسينات على العمليات نسبة الربحية وتمنح الشركات الرائدة ميزة تنافسية مستدامة. وبينما تتطلب أتمتة الإنتاج المزيد من الاستثمارات سلفاً في المعدات وتدريب الموظفين، فإن أوجه التوفير على المدى المتوسط والطويل قد تكون هائلة.
تشتمل عملية تطوير المؤسسات الفعالة على مراجعة جميع فرص تطوير المؤسسة لتصبح أكثر فعالية. وقد يتضمن هذا إسناد العمليات إلى الخارج ، وتقليل مستويات الإدارة، ودمج الإدارات.
o إسناد العمليات التشغيلية إلى دول منخفضة الأجور مثل الهند وسريلانكا وفيتنام قد يخفض نفقات الأجور بنسبة تتراوح من 25 إلى 50 بالمئة مقارنة بالتكاليف في دول مجلس التعاون الخليجي. ولحصد المزايا يجب اختيار المهام بعناية قبل إرسالها إلى جهات خارجية. فتعتبر مهام الشؤون الإدارية العامة مثل الحسابات وكشوف الرواتب وإدخال البيانات وحتى الوظائف التقنية التي لا تتطلب التعامل مع العملاء مناسبة لهذا الغرض. يتطلب التنفيذ تخطيطاً شاملاً، ولهذا يُوصى بالبدء بمشروع تجريبي “للاختبار والتعلم”.
o تقليل مستويات الإدارة للتغلب على وجود طبقة عريضة متضخمة من الإدارة المتوسطة التي تضم موظفين لا يمتلكون بالضرورة مهارات إدارية. سيؤدي هذا إلى انخفاض عدد الموظفين لكل مدير ويتطلب التمييز بين الأدوار الإدارية وغير الإدارية، ودمج المسؤوليات، ومشاركة الموارد.
o دمج الإدارات للمساعدة في زيادة انسيابية عمليات التشغيل. سوف يحقق وجود إدارة مركزية للمالية -على سبيل المثال- أقصى استفادة من مخصصات رأس المال، بينما سوف تحسن إدارة مركزية للموارد البشرية من تناغم وانسيابية إدارة الأداء. وقد يؤدي دمج الإدارات المتعاملة مع العملاء مثل التسويق والمبيعات إلى تحقيق مكاسب كبيرة بالمثل، وتحسين إدارة العملاء وفي الوقت ذاته زيادة الإيرادات من خلال عمليات البيع لمنتجات إضافية.
إدارة المشتريات قد تخفض إجمالي تكاليف المشتريات بنسبة 5 إلى 10 بالمئة بدون تقليل الجودة أو قدرات التسليم.
في كثير من الشركات، تتحكم المشتريات في أكثر من 50 بالمئة من التكاليف. ولذا فالتوصل إلى أوجه التوفير في تكلفة البضائع المباعة لوحدها -عادة ما تكون أعلى فئات التكلفة بالشركات- قد يؤدي إلى تحسن كبير في صافي الأرباح.

إن تحديد نقطة مركزية لتنظيم المشتريات عادة ما يكون الخطوة الأولى تجاه تحسين الفعالية، لكنها تتطلب دراسة متأنية. على سبيل المثال، تُعد عملية دمج الفئات المشتركة -خاصة للمشتريات غير المباشرة والإدارية- ممارسة جيدة، أما بالنسبة لتوحيد عمليات شراء التقنيات أو الأصناف المتخصصة ذات الأهمية الاستراتيجية يتطلب دراسة كل حالة على حدة.

يمكن تحقيق الشفافية في نفقات المشتريات من خلال تطبيق معلومات الإدارة، وهو ما يتيح متابعة الإنفاق حسب الفئة والمورّد، ويطور طريقة عرض موحدة للمجموعة ككل. مع وجود الشفافية والمتابعة، سيصبح من الممكن إدخال العديد من استراتيجيات التوريد.

تتوافر أساليب تحسين أداء المشتريات يمكن تطبيقها على مدى القصير واستراتيجيات أخرى للمدى الطويل . تتضمن الأساليب التقليدية للمدى القصير تركيز الكميات، ومفاوضات الحصول على أفضل سعر على مستوى المؤسسة ككل، والتوريد الشامل. تتضمن ااستراتيجيات المدى الطويل مراجعة مواصفات المنتجات، ونشر التحسينات المشتركة على العمليات، وإعادة هيكلة العلاقات مع المورّدين الرئيسيين (انظر الشكل 5). لحصد المزايا الكاملة لإدارة المشتريات، على الشركات أن تحدد المستوى المناسب للمركزية، وممارسات المشتريات المنظمة، وطريقة منضبطة ومنسقة لكل فئة.

الشكل 5 أفضل الممارسات في إدارة المشتريات

5

إعادة تخطيط عملية الشركة: إن التركيز على تحسين التكاليف والسرعة والجودة في العمليات الأساسية قد يؤدي إلى التغلب على التعقيدات التنظيمية ويزيد من انسيابية العمليات. غالباً ما يؤدي النمو السريع للشركات العائلية إلى تعقيدات نتيجة لتعدد أصحاب المصلحة وتقصير في العمليات وفي الشفافية.

أفضل وسيلة لتوضيح أهمية إدارة عمليات الشركات هي تناول نموذج من صناعة التشييد والبناء، حيث يُعتقد أنه بدون العمليات السليمة لإدارة المشروعات سيتطلب كل مشروع في هذا القطاع الكثير والكثير من العمليات والنفقات، وهو ما يؤدي إلى عدم تحقيق الأرباح المستهدفة أو تحقيق خسائر.
من الممكن بصفة عامة تحسين هوامش أرباح التشغيل في المشروعات -بنسبة 2 إلى 3 بالمئة- بواسطة إعادة تخطيط العمليات، ومشاركة أفضل الممارسات بين جميع إدارات المؤسسة، ووضع معيار موحد لإعداد وتقديم التقارير، وتوضيح مؤشرات الأداء الرئيسية.

الارتقاء إلى المستوى التالي
مع تبدل وقائع وحقائق السوق وانتهاء عصر وفرة رؤوس الأموال وبدء عهد الاقتصاد في تقديم السيولة، فقد حان الوقت الآن لكي تصبح الشركات فعالة ومرنة. وبالرغم من ديناميكيات التغييرهذه، فإن المكانة الاستراتيجية للشركات وخبرتها بالأسواق الإقليمية لن تندثر في ليلة وضحاها. للإبقاء على مستويات الربحية والنمو السابق وإعادة إنعاش الشركة، يُنصح بعدم تجاهل قوى السوق الناشئة.

إن وجود القيادة القوية شرط لتحقيق مركزية الإدارة، والتعامل مع مشكلات الحوكمة والخلافة، وإعادة التفكير في مجموعة منتجات/خدمات الشركة، وإعادة التركيز على الكفاءات الأساسية. بالرغم من أن معظم الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي بدأت بالفعل في التعامل مع هذه الجوانب، فمن الضرورة بمكان دمج هذه المباردات مع إدارة قوية للتكاليف التشغيلية والأداء المؤسسي. فبالإمكان “تنظيم شؤون أعمالك” وحصد الكثير من الفوائد والمزايا التنافسية لضمان تحقيق نمو على المدى الطويل. سوف تخرج الشركات التي تحصل على أفضلية استراتيجية نتيجة لوجودها في مناخ الأعمال الحالي من دوامة التباطوء و التراجع الاقتصادي أقوى مما كانت عليه قبلاً ومن المرجح كذلك أن تصبح مؤسسات رائدة و لها مكانتها في السوق.

سيريل جاربوي، مدير في فرع أيه تي كيرني بالشرق الأوسط
cyril.garbois@atkearney.com.

أوليفر لاروش، مدير في فرع أيه تي كيرني بالشرق الأوسط
olivier.laroche@atkearney.com.

موكوند باهاتنجر، استشاري في فرع أيه تي كيرني بالشرق الأوسط
mukund.bhatnagar@atkearney.com.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 9, 2011

Tags from the story