الشركات العائلية في دول المجلس والتحول الاقتصادي

المجلس

الشركات العائلية في دول المجلس والتحول الاقتصادي

عبد العزيز الصقر

رئيس مجلس إدارة ومؤسس مركز الخليج للأبحاث

الإمارات العربية المتحدة

تلعب الشركات العائلية في دول المجلس دوراً حيوياً في تعزيز القطاع الخاص. ففي ظل آليات العولمة التي باتت تحكم الأسواق العالمية وتحرير الاقتصاد وإدخال نظام الخصخصة في دول المجلس، أصبح من المرجح أن تلعب الشركات العائلية دوراً أكثر أهمية وفاعلية في دفع مسيرة التنمية الاقتصادية وتوفير فرص عمل لمواطني دول المجلس بعد عجز القطاع العام عن استيعاب الأعداد المتزايدة من السكان. وبالتالي فمن المتوقع أن يتحول القطاع الخاص من مرحلة الاعتماد الكامل على المشروعات الحكومية والاكتفاء بدور المقاول من الباطن إلى الاستثمار بشكل قوي في القطاع الصناعي، وهو لم يرقَ حتى الآن إلى مستوى التوقعات. كما يسعى القطاع الخاص نحو الانطلاق إلى العالمية عبر إنشاء استثمارات دولية وتحديث هياكله التجارية.

يضم القطاع الخاص في دول المجلس ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل فيما يلي:

  • الشركات الصغيرة والمتوسطة.
  • الشركات العائلية المتوسطة والكبيرة.
  • شركات القطاع العام المدرجة في البورصة التي يمتلك فيها مستثمرو القطاع الخاص نسبة قليلة ولا يحق لهم المشاركة في اتخاذ القرارات التجارية الهامة.

ويسهم القطاع الخاص بنسبة ضئيلة في إجمالي الناتج المحلي، غير أنه يلعب دوراً كبيراً في توفير فرص عمل للمواطنين. فعلى سبيل المثال، يستوعب القطاع الخاص حوالي 80 في المائة من القوى العاملة في السعودية. وشهدت السنوات الأخيرة ارتفاع نصيب القطاع العام من إجمالي الناتج المحلي في السنوات الأخيرة؛ حيث ازداد من 12.5 في المائة خلال عام 2000 إلى 15 في المائة خلال عام 2006 وفق إحصائيات البنك الدولي.

وتسيطر الشركات العائلية على القطاع الخاص حيث يميل المستثمرون إلى اتخاذ القرارات التجارية بناءً على تقديرهم الخاص، ولجأت بعض هذه الشركات إلى طرح أسهمها في أسواق البورصة المحلية، ولكن على نطاق محدود للغاية. وتميل العائلات الكبرى إلى الاحتفاظ بنسبة كبيرة من أسهم شركاتها؛ نظراً لأن البنية المالية في دول المجلس لم تشهد تطوراً يذكر حتى مطلع العقد الحالي. وتتركز استثمارات القطاع الخاص في مجال الخدمات والتجارة والإنشاءات. وتشكل الشركات المدرجة في البورصة العنصر الثالث في القطاع الخاص، وهذا إلى جانب الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات العائلية المتوسطة والكبيرة. ومع ذلك، لا يسهم القطاع الخاص بدور كبير في دفع عجلة التنمية الاقتصادية الحقيقية في دول المجلس، حيث يكتفي بالمشاركة في الشركات المملوكة للدولة، هذا على الرغم من وجود حالات استثنائية بارزة مثل بنك المشرق في الإمارات العربية المتحدة وبنك الراجحي في المملكة العربية السعودية.

دوافع التنمية في دول المجلس

بالرغم من عدم توافر بيانات دقيقة حول نصيب القطاع الخاص من إجمالي الناتج المحلي، إلا أنه من الواضح أن القطاع الخاص كان أحد ركائز التنمية الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير تقارير البنك الدولي أن استثمارات القطاع الخاص أسهمت بشكل واضح في عملية التنمية الاقتصادية على مستوى دول المجلس خلال السنوات الأخيرة وذلك من خلال إنشاء مشروعات كبرى، بينما تشير أدلة أخرى على تزايد حصة القطاع الخاص من إجمالي الاستثمارات المحلية.

وحرص القطاع الخاص على إقامة مشروعات واستثمارات خارج حدود دول المجلس ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا. وكانت اتفاقيات التجارة الحرة والاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون سبباً رئيسياً وراء ظهور أشكال متداخلة من الاستثمارات بين دول الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا. وعمدت بعض دول المجلس إلى إقامة مشروعات استثمارية لها في دول المجلس الأخرى ويتجلى ذلك بشكل واضح في توجه المستثمرين السعوديين إلى دخول أسواق دول المجلس الأخرى، وقيام المستثمرين بإنشاء مشروعات استثمارية في السعودية. كما اتجهت دول المجلس إلى الاستثمار في بعض الدول العربية مثل مصر ولبنان والأردن والمغرب وتونس والسودان، وقد ينتمي المستثمرون في بعض الحالات إلى هذه الدول ويفضلون الاستثمار في بلادهم الأصلية بعد نجاح مشروعاتهم الاستثمارية في دول المجلس. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن سوريا قد استقطبت مشروعين كبيرين في قطاع العقارات بالرغم من عدم انفتاح اقتصادها. كما تشهد الاستثمارات الخليجية في تركيا توسعاً ملحوظاً.

ونتيجة للمشروعات الاستثمارية المتبادلة بين الدول العربية ولا سيما دول المجلس، اشتدت المنافسة بين دول المجلس على جذب مزيد من المشروعات الجديدة، حيث ترى حكومات دول المجلس أن توجُّه مواطنيها إلى الاستثمار خارج الدولة يمثل انتقاداً ضمنياً للسياسات التي تتبعها الدولة، وبهذه الطريقة يمكن أن يُسهِم القطاع الخاص بدور حيوي في تعزيز مسيرة الإصلاح على مستوى دول المجلس.

الخصخصة والشركات العائلية وأسواق رأس المال

يتعين على المستثمرين تخصيص مزيد من الموارد لتعزيز دور القطاع الخاص في دول المجلس. وباستثناء أمثلة قليلة للغاية مثل شركة الاتصالات السعودية، تطبق برامج الخصخصة في المنطقة على استحياء. وبدأت شركات القطاع الخاص في الانتقال من مرحلة الاعتماد الكامل على تعاقدات القطاع الحكومي إلى الاستثمار في القطاعات والمجالات الصناعية المختلفة. وربما تتجه الشركات العائلية إلى الدخول في الأسواق المالية خلال السنوات القليلة القادمة.[1] فبينما تخضع الشركات الكبرى في دول المجلس لملكية القطاع العام، نجد أن الشركات العائلية الصغيرة والمتوسطة اتجهت إلى عملية الاندماج مع شقيقاتها حتى تحولت إلى شركات كبرى ذات أهمية بارزة على الساحة الخليجية مثل مجموعة العليان والفطيم وكانو والزامل. ويتولى أفراد العائلة إدارة وامتلاك هذه الشركات الكبرى.

عمدت الشركات العائلية في مناطق أخرى من العالم إلى طرح أسهمها للاكتتاب العام وأصبحت العائلات لا تمتلك الغالبية العظمى من الأسهم، إذ نجد على سبيل المثال أن العائلة المالكة تحتفظ بنحو 38 في المائة من شركة وال مارت و40 في المائة من شركة فورد و47 في المائة من شركة بي إم دبليو. ولم يعد أفراد العائلة المالكة يحتكرون المناصب التنفيذية في هذه الشركات أو يشغلون كبرى الوظائف الإدارية في مجلس الإدارة، بل إنهم يكتفون بدور الرقيب من وراء الكواليس حتى أصبح هذا الأمر سياسة متبعة في بعض الشركات العملاقة مثل شركة هانيال الألمانية.

ولم يظهر هذا التوجه حتى الآن في دول المجلس، وتبقى شركة شعاع، إحدى فروع مجموعة الغرير، في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبنك الراجحي، ومؤسسة عبد اللطيف للاستثمارات الصناعية في السعودية، ومجموعة السلطان في الكويت استثناءات قليلة على طرح شركات القطاع الخاص للاكتتاب العام. والواقع أن المستثمرين في دول المجلس يقدمون الروابط العائلية وصلة الدم على تحديث الهياكل التجارية والذي يكون مصحوبا في العادة بطرح أسهم الشركات للاكتتاب العام وتعزيز القدرات والمهارات وتطبيق مبدأ المساءلة وسهولة الحصول على التمويلات اللازمة من أسواق رأس المال.

وتمثل الإيرادات والقروض المصرفية مصادر التمويل الرئيسية للمشروعات الاستثمارية في دول المجلس، إذ لا تميل الشركات العائلية إلى التخلي عن الإدارة المطلقة وتطبيق مبدأ المساءلة الذي يصاحب إدراج الشركة في البورصة وإصدار تقارير ربع سنوية وتعيين مديرين مستقلين في مجلس الإدارة. وعلى الجانب الآخر، ينصب اهتمام الشركات العائلية في دول المجلس على جني الأرباح الناشئ عن تبني هياكل إدارية مشابهة لهياكل الشركات الكبرى. وفي الغالب لا تعمد هذه الشركات إلى التخصص في قطاع أو مجال رئيسي، الأمر الذي يمثل عامل طرد رئيسي للمستثمرين في سوق المال.

وقد تمثل مبادرة بورصة دبي المالية العالمية لخفض نسبة الاكتتاب الحر من 55 في المائة إلى 25 المائة في بورصتي دبي وأبو ظبي دافعاً قوياً لجذب الشركات العائلية نحو البورصة حيث لن تضطر هذه الشركات إلى طرح معظم أسهمها، ولا نشهد حتى الآن نتائج إيجابية لهذه المبادرة وعلينا الانتظار لنرى إذا ما كانت ستنجح أم لا.

وتمثل الفجوة بين الشركات العائلية وبين سوق المال أحد الأسباب الرئيسية وراء امتناع هذه الشركات عن الدخول في سوق المال. واللافت للانتباه أن الحصول على القروض المصرفية ينطوي على صعوبات جمة بالنسبة لكثير من الشركات بالرغم من النمو الكبير في عالم القروض والائتمان الذي شهدته المنطقة مؤخراً حيث تقتصر فوائد هذه الطفرة على الشركات الكبرى والأفراد فقط.

وانتقد البنك الدولي الفجوة الموجودة بين القطاعات المالية وبين شركات القطاع الخاص في دول الشرق الأوسط[2]، فعلى المستوى الاقتصادي الكلي، نجد أن قطاع الوساطة المالية يسهم بنسبة كبيرة من إجمالي الناتج المحلي (حوالي ستين في المائة)[3]، غير أن الشركات الكبرى فقط هي التي تستفيد من هذا القطاع، بينما تعتمد بقية الشركات الأخرى على العائدات التي تمثل مصدر التمويل لخمسة وسبعين في المائة من شركات الشرق الأوسط مقابل 12 في المائة فقط من القطاع المصرفي مقارنة بعشرين في المائة في الدول ذات الدخل المرتفع.

ففي المملكة العربية السعودية مثلاً، يستفيد أقل من 40 في المائة من الشركات من خدمات السحب على المكشوف بينما تتجاوز نسبة الشركات التي تستفيد من القروض المصرفية نسبة العشرين في المائة بقليل.[4] ولا ريب أن دخول أسواق رأس المال سيسهم في دفع مسيرة التطور لكثير من الشركات بسبب تطبيق آليات السوق المفتوح واحتدام المنافسة نتيجة الإجراءات التي تتبناها منظمة التجارة العالمية. ولكن قبل التفكير في طرح أسهم الشركات العائلية للاكتتاب العام أو إصدار السندات، يتعين على الأطراف المعنية أولاً تعزيز أواصر التعاون مع القطاع المالي ولا سيما على صعيد الخدمات الائتمانية والقروض التي توفرها البنوك.

ويتحمل القطاع الخاص جزءاً من المسؤولية حال فشل الحكومة في تنفيذ وتطبيق الإصلاح، إذ يتعين عليه الخروج من قوقعته وبذل كل ما في وسعه لمساندة مسيرة الإصلاح في القطاعات والمجالات التي تمس مصالحه المباشرة مثل مسيرة الإصلاح القضائي. ويمكن أن يسهم القطاع الخاص في دفع عملية الإصلاح من خلال إنشاء جمعيات واتحادات غير سياسية تمثل المجتمع المدني أو عبر اقتراح مبادرات تجعله شريكاً مع القطاع الحكومي في رسم مسار الإصلاح والتنمية بشكل فعّال.

الحاجة إلى الموارد البشرية والخبرة

لا يمكن القول بأن رأس المال وحده لا يكفي لتعزيز دور القطاع الخاص على مستوى دول المجلس، فالقطاع الخاص يحتاج إلى أكثر من ذلك، حيث تواجه الشركات الخاصة صعوبات جمّة في تأمين المهارات والخبرات اللازمة، ويجب وضع قضية الموارد البشرية وتوافر العمالة الماهرة على رأس قائمة أولويات القطاع الخاص في السنوات القادمة، فلا يمكن للقطاع الخاص مواصلة الاعتماد على العمالة الوافدة نظراً لانخفاض سعر الدولار وظهور مشكلة التضخم، بل يتعين على الشركات الخاصة بذل أقصى ما في وسعها لترسيخ قاعدة العمالة المحلية والارتقاء بمهارات وقدرات المواطنين الخليجيين وتسهيل إجراءات انتقال العمالة. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف جهوداً هائلة في مجال التعليم والتدريب المهني.

والواقع أن قطاع التعليم في دول الخليج يعتمد على تدريس مناهج عفا عليها الدهر تقوم على التلقين والاستظهار بدلاً من تعزيز روح الابتكار والإبداع والمهارات الأخرى. وهناك حاجة ماسة لإدخال برامج تدريب مهني تسهم في تزويد الشباب بمهارات الحياة اليومية مثل قواعد الهندسة الأساسية والأعمال اليدوية والتي يمكن الاستفادة منها في حياتهم المستقبلية.

ولا يجوز التقليل من أهمية القطاع الخاص في عملية الإصلاح التعليمي. فقد أثبتت المهارات العملية التي يكتسبها المرء إلى جانب الخبرات التي يحصلها أثناء الدراسة وبعد الالتحاق بالعمل فاعلية كبيرة في هذا الإطار. ويعطي نظام التدريب المهني المزدوج الذي تتبعه ألمانيا مثالاً حياً على ذلك. ويتمثل الهدف الرئيسي من وراء هذه المبادرات في النهوض بدور مراكز التدريب، كما يجب الارتقاء بدور غرف التجارة والصناعة وتعزيز علاقاتها مع القطاع الخاص، فغرف التجارة هي التي تتولى تنسيق هذه المبادرات وتمثل نقطة الاتصال الأولى مع المستثمرين عند الاستعلام عن القوانين واللوائح المعمول بها.

ومن المتوقع أن تضع إجراءات منظمة التجارة العالمية تحديات كبيرة أمام القطاع الخاص في منطقة الخليج خلال السنوات القادمة وهذا ينطبق إلى حدٍ كبير على الأعضاء الجدد في منظمة التجارة العالمية مثل المملكة العربية السعودية. وبالرغم من الصعوبات الجمة التي ينطوي عليها التحرر الاقتصادي في قطاع البنوك، فإن مبادرات وبرامج التدريب على مختلف الصُّعُد والمستويات قد تساعد القطاع الخاص في منافسة الأطراف الأجنبية ومواكبة عصر التحرر الاقتصادي.

الخاتمة

تمكنت الشركات العائلية في منطقة الخليج من التحرر من سيطرة القطاع العام بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. ويلعب القطاع الخاص دوراً هاماً في توفير فرص العمالة في دول المجلس نتيجة للتطور المطرد الذي يشهده هذا القطاع الحيوي. ويمكن للقطاع الخاص التغلب على التحديات الرئيسية الناجمة عن احتدام المنافسة العالمية والاندماج الإقليمي عبر أداء دور سياسي واجتماعي أكبر إلى جانب القيام بأنشطته التقليدية، إذ لا يمكن النظر إلى عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي من خلال رؤية ضيقة الأفق ومحدودة الأبعاد، فتغير دور الدولة وقضايا المواطنة والثقافة السياسية وإصلاح التعليم تمثل أطرافاً هامة في معادلة الإصلاح والتنمية. ومن هنا يتعين على القطاع الخاص المضي قدماً على طريق الإصلاح والتنمية جنباً إلى جنب مع القطاع العام والمؤسسات غير الحكومية. ويجب ألا ينصب اهتمام المستثمرين والشركات الكبرى على الربح المادي فقط، بل تقع على عاتقهم مسؤولية تطوير المجتمع والارتقاء بمستوى جميع مؤسساته.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 1, 2009

[1] إيكارت ورتز، أسواق البورصة في دول المجلس، إدارة الأزمة (مركز الخليج للأبحاث، دبي، 2007)

[2] البنك الدولي “الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا” التنمية والاقتصادية وآفاقها، 2006: الأسواق المالية في العهد الجديد للنفط، متوافر على الربط الإلكتروني

http://siteresources.worldbank.org/intmena/resources/MENA ص 50

[3] يمثل معدل الدول ذات الدخل المتوسط والذي ينخفض قليلاً عن متوسط الدول ذات الدخل المرتفع الذي يبلغ 84 في المائة، المرجع السابق

[4] المرجع السابق

Tags from the story