الشركات العائلية والأزمة المالية العالمية

المالية

الأستاذ الدكتور جاكومو لوتشياني Giacomo Luciani

مدير مؤسسة مركز الخليج للأبحاث

تُمثّل الشركات العائلية الركيزة الأساسية للقطاع الخاصّ في دول مجلس التعاون الخليجي. ومع أنّ هذه الشركات تتمتع بأهميّة كبيرة في جميع اقتصادات العالم المالية تقريباً، إلا أنها بالغة الأهميّة بالنسبة للاقتصادات الخليجية لأنّ الشركات الخليجية المُدرجة في أسواق الأسهم قليلة نسبياً وتسيطر عليها الدول أو الشركات العائلية ـ بفعل تدنّـي نسب أسهمها المطروحة للتداول.

لقد نمت الشركات العائلية الخليجية، عموماً، عبر انتهاز الفرص المتاحة وإطلاق مشروعات عديدة في مجالات مختلفة لا توجد بينها، بالضرورة، أي علاقة مباشرة.

وأثناء مرحلة التوسيع الأولى للقطاع الخاصّ الخليجي، أيْ في السبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي، دأب رجال الأعمال الخليجيون على البحث عن مشروعات وفرص استثمارية جيدة، لأنّ أوضاعهم المالية كانت رائعة وكان المال يبحث عن مشروعات، وليس العكس.

لذا، تحوّلت الشركات الخليجية العائلية إلى مؤسسات متعدّدة الأنشطة قلّدت وكرّرت، في الغالب، أنشطة المنافسين المحليين. لقد أسهم هذا التطور في احتدام المنافسة داخل الأسواق المحلية وأدّى أيضاً إلى انتشار الشركات الصغيرة، العاجزة عن ضمان النموّ المستدام أو الاستقلال عن الشركات الصناعية والتجارية الأجنبية.

ويُجمع المراقبون على أنّ الأسباب الرئيسية لهذا النمط السائد تعود إلى طبيعة مصادر وطرق تمويل الاستثمارات. فقد اعتمدت الشركات العائلية الخليجية، بالدرجة الأولى، على التمويل الذاتي أو على ضمان القروض من خلال العلاقات الشخصية وغير الرسمية القائمة على الثقة والصداقة. لذا، لم تضطر هذه العائلات للخضوع لضوابط المؤسسات الائتمانية التي تشتمل على عمليات رسمية لتقييم المقترضين ومراقبة أداء شركاتهم وأسهمها المطروحة للتداول، كما تقضي بمنْح القروض المصرفية وفقاً لمعايير الاقراض الدولية.

بدورها، ركّزت البنوك المحليّة، بالدرجة الأولى، على جمع مدّخرات المواطنين لكنّ فرص الاقراض الداخلي كانت محدودة. لذا، تحوّلت هذه البنوك إلى مؤسسات لجمع الأموال وتحويلها إلى الخارج لاستثمارها هناك ـ غير أنّ الهوامش الربحية التي يتيحها هذا النهج ضئيلة نسبياً.

ولتعزيز فرص تحقيق أرباح خيالية من خلال الاقراض المحلي، تعيّن على البنوك الخليجية أنْ تتحدى الواقع فأسست ممارسات إقراضية جديدة ـ تمثّلت، من حيث الجوهر، بمنح القروض على أساس سمعة المقترض فقط: أيْ من دون إجراء أيّ عملية تقييمية رسمية لوضعه المالي أو أي دراسة جدوى للمشروع الذي يُفترص أن يقدم له القرض.

هذا النمط التنظيمي للشركات الخليجية الخاصّة وعلاقاتها مع البنوك المحلية ولّد صعوبات متزايدة خلال العقد الماضي. تركّز جُلّ الاهتمام، لبعض الوقت، على إدارة الشركات العائلية ـ لأنّ عدد المتقاعدين أو المتوفّين من مؤسسي تلك الشركات بدأ يتزايد. إذ يوجد في المنطقة العديد من العائلات الكبيرة، ما جعل اختيار قيادة تتمتع بالكفاءة لشركاتها مع تفادي حدوث نزاعات بين الورثة مهمّةً صعبة للغاية.

غير أنّ الرغبة في ضمان نجاح الشركات العائلية على المدى البعيد شجّعت على إضفاء طابع رسمي على هيكليات تلك الشركات ـ وذلك عبر إعادة تنظيم كلٍّ منها على شكل شركة واحدة أو أكثر. وفي حالات عديدة، مثّلت هذه العملية، عموماً، الخطوة الأولى نحو طرح جزء بسيط من أسهم تلك الشركات في أسواق الأسهم المحلية، ما سمح للعائلات بالاحتفاظ بالسيطرة على شركاتها طالما تمكّنت من تجنب النزاعات.

وحتى عام 2006، مثّل ازدهار أسواق الأسهم الخليجية دافعاً إضافياً لزيادة نسب أسهم الشركات العائلية الخليجية المطروحة للتداول، لأن أسعار الأسهم ارتفعت إلى حدّ إمكانية تحقيق ثروات ضخمة في فترة وجيزة. لكن فقاعة سوق الأسهم السعودية انفجرت في مطلع عام 2006، ثمّ تراجع أداء العديد من أسواق الأسهم الخليجيّة الأخرى: حينذاك، بدأت الأزمة المالية بالنسبة للشركات العائلية الخليجيّة. ومع أنّ انهيار أسواق الأسهم لم يوقف تماماً طرح الأسهم للتداول، إلا أن عملية طرح الأسهم الأوليّة للاكتتاب العام أصبحت أصعب وأقل جاذبية.

علاوة على ذلك، جمع مستثمرو القطاع الخاصّ خلال العقود السابقة أصولاً ضخمة في الخارج. ومع أنّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر دفعت بعض هؤلاء المستثمرين إلى تقليص أنشطتهم في السوق الأمريكية، إلا أنّ معظم الثروة الخليجية الخاصّة ظلّت تُستثمر في العقارات و/ أو الأصول المالية الأمريكية والأوروبية؛ وهذا يعني أنّ القطاع الخاصّ الخليجي تكبّد خسائر فادحة عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية في أواخر عام 2008. ومع أنّ تداعيات هذه الأزمة على المستثمرين الأفراد الخليجيين تفاوتت بفعل اختلاف الأصول التي إمتلكوها، إلا أنّ معدل خسائرهم يوازي معدّل خسائر كبرى المؤسسات الاستثمارية الخليجية.

لقد أحرزت بنوك الخليج مؤخراً نجاحاً أفضل نسبياً في تجاوز الأزمة المالية من النجاح النسبي الذي سجّلته بنوك معظم الدول الصناعية، ما يدفع المرء إلى التأكيد على غياب السبب الموضوعي الذي يجعل الاقراض الخليجي يعاني من نفس الصعوبات التي يعانيها الاقراض في الدول الصناعية. لكنّ غياب الشفافية في الحسابات المالية للعديد من الشركات العائلية وصعوبة تحديد أوضاعها المالية بدقّة، دفع البنوك إلى توخي الحذر؛ ما عقّد عملية حصول تلك الشركات على القروض المصرفية.

في ظل الظروف الجديدة التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية، يتعيّن على الشركات العائلية أنْ تتغلب على التحديات الراهنة وأنْ تستعدّ لكي تكون قادرة على انتهاز فرص النمو الكبيرة، التي ستُتاح خلال مرحلة التعافي من الأزمة.

ويتطلّب هذا، في المقام الأول، توفير إدارة تتمتع بالكفاءة والخبرة للإشراف على هذه الشركات، لا سيما توفير حسابات أكثر دقّة وصرامة للنتائج المالية. ففي الواقع، ليس من الضروري تعزيز طرح المزيد من الأسهم في أسواق الأسهم المحليّة أو نشر التقارير المالية لتسهيل الحصول على القروض المصرفية، لأنّ البنوك تحتاح فقط لمعلومات دقيقة حول الأوضاع المالية للشركات قبل منْحها أي قرض؛ كما ينبغي على أصحاب الشركات أنْ يكونوا حريصين على معرفة أدقّ تفاصيل أداء شركاتهم.

عند إنجاز هذه الخطوة الأولى، سيتضّح أنّ كل واحدة من الشركات العائلية كانت أكثر نجاحاً في مجالات بعيْنها؛ حينئذ، سيظهر الحافز الذي سيدفع العائلة إلى التركيز على الأنشطة الأكثر نجاحاً.

ستنمو اقتصادات الخليج بسرعة خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي سيفتح آفاقاً جديدة للنمو ستتطلّب بدورها، مصادر تمويل ضخمة. ومن المستبعد أنْ يتم توفير هذه المبالغ للتمويل عبر إعادة الثروات الخاصّة المستثمَرة في الخارج إلى الوطن أو عبر القروض غير الرسمية القائمة على العلاقات الشخصية ـ كما أنّ البنوك لن تكون مستعدّة للإقراض على أساس سمعة العميل بعد الآن. لذا، فإن التخلّص من الأنشطة غير المربحة والاقراض على أساس الممارسات المالية وخطط العمل السليمة سيكتسبان أهميّةً متزايدة كأحد مصادر رؤوس الأموال. وستزداد أيضاً أهميّة زيادة نسبة الأسهم المطروحة للتداول. ففي بعض الحالات، قد تتطلب مواجهة التحديات الاستثمارية أنْ يحتفظ صاحب الشركة العائلية أو مؤسسها بنسبة أقل من إجمالي أسهم الشركة ـ وهذا لا يعني، في أيّ حال من الأحوال، أنْ يتخلى صاحب الشركة العائلية أو مؤسسها عن سيطرته على الشركة.

من الواضح تماماً أنّ نموذج الشركات العائلية ليس مهدّداً بالانقراض على المستوى العالمي. ففي الحقيقة، ثبت أنّ عدداً من الشركات العالمية الكبيرة عجز عن تعديل منتجاته وإدارته بما يتلاءم مع المتغيّرات والتحديات الجديدة. بينما، سجّلت الشركات العائلية نجاحاً نسبياً على هذا الصعيد.

فقد شهد العالم الصراع الذي دار في ألمانيا بين عائلتيّ پيش Piech وپورشي Porsche ـ وهما فرعان من نفس العائلة ـ من أجل السيطرة على شركة فولكسڤاغِن ـ پورشي Volkswagen-Porsche الألمانية لصناعة السيارات. ويُشار في هذا السياق أيضاً إلى أنّ شركات تويوتاToyoya  و بي أم دبليو BMW وفياتFiat  ـ التي استحوذت على شركة كرايسلرChrysler  ـ هي شركات عائلية. ومع أنّ ما يصحّ في قطاع صناعة السيارات قد لا ينسحب على باقي القطاعات الأخرى، ليس هناك أدنى شك في قدرة الشركات العائلية على التحوّل إلى أطراف رئيسية دائمة في المشهد الاقتصادي العالمي.

تتوافر لدى الشركات العائلية الخليجية إمكانية اكتساب مثل هذه المكانة ولكنها تحتاج إلى إعادة هيكلة سريعة لكي تحقق النمو المطلوب. كما يتعيّن عليها أنْ تتخلى، إلى حدٍّ ما، عن الانشغال بالسيطرة والخصوصية وأنْ تتبنى، بدلاً من ذلك، ممارسات اقتصادية أكثر صرامة وشفافية.

أما الحكومات الخليجية، فإنه ينبغي عليها أنْ تولي اهتماماً خاصّاً لتأسيس البيئة القانونية المناسبة للأسواق المالية والأطراف الفاعلة فيها؛ علماً أنها أنجزت الكثير خلال السنوات القليلة الماضية في سبيل إنجاح هذه المهمّة. كما ينبغي على هذه الحكومات أنْ تحرص على ضمان توافر القروض ليس فقط للشركات العائلية الكبيرة، بل أيضاً للشركات الخاصّة الصغيرة والمتوسّطة للحؤول دون إقصائها تماماً عن النشاط الائتماني الرسمي.

قد يكون مستقبل بعض الشركات العائلية الخليجية زاهراً. مع ذلك، لا بدّ من إجراء دراسة شاملة ومتعمّقة لتجارب الشركات العائلية الناجحة في الدول الصناعية المتقدمة والناشئة (كالهند، مثلاً)، من أجل تطوير نموذج جديد يتلاءم مع البيئة الاقتصادية الخليجية الفريدة ويلبي المتطلبات المالية العالمية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 4, 2009

Tags from the story