الوصفة الألمانية للنجاح – هل هي الشركات العائلية؟

الوصفة الألمانية للنجاح - هل هي الشركات العائلية؟

الوصفة الألمانية للنجاحهل هي الشركات العائلية؟

مقابلة مع البروفيسور/ أولاف بلتنر

تشتهر ألمانيا بشركاتها العائلية الناجحة. ومن بين مجموعة عريضة من عمالقة الصناعة العالميين، تضم ألمانيا شركات عائلية شهيرة مثل عملاق البيع بالتجزئة “ألدي” ومصنّع الآلات الزراعية “كلاس” وخبراء الهندسة الميكانيكية “فويث”، وجمعيها شركات رائدة في مجالات عملها. وقد تكرّر العمل بنموذج الشركات العائلية في كافة أنحاء الساحة الصناعية لألمانيا حيث نجد كيانات تتدرج ما بين شركات صغيرة جداً إلى اتحادات تجارية متكاملة. وكثيراً ما تم اعتبار قوة الشركات العائلية الألمانية حجر الزاوية للقوة الاقتصادية الراسخة لهذه الدولة. ويقول البعض أن مرونة الدولة أثناء فترات الأزمة المالية يعود بالدرجة الأولى إلى الدعم الذي توفّره الشركات العائلية.

وفي تحدّ لثقافة مؤسسية عادة ما تربط بين حجم الشركة والفعالية والقدرة على التأثير، تزعمت العديد من الشركات العائلية الألمانية مجالات عملها على مدار عدة أجيال متعاقبة. وفي أغلب الأحيان كانت الشركات العائلية متوسطة الحجم في الدولة هي التي قدمت إسهامات مؤثرة مستمرة لاقتصاد ألمانيا. ومقارنة بالأسواق المجاورة، تُعد أنشطة ألمانيا الزراعية والصناعات الخدمية قليلة حيث يتركز اقتصادها غالباً في الإنتاج الصناعي والتكنولوجيا. وبغض النظر عن القطاعات التي تجتذب معظم رؤوس الأموال، فمعظم الشركات الرائدة في ألمانيا هي شركات عائلية.

وبينما لا تزال بعض العائلات تقدّم الإرشاد الفعلي في عملية تشغيل وإدارة شركاتها، فالعديد من الشركات العائلية الألمانية لم تعد تخضع لإدارة أفراد من العائلة المؤسسة. وبدلاً من هذا يشارك هؤلاء الأفراد كمُلاك للشركة فقط. يسلط الضوء البروفيسور أولاف بلوتنر عميد التعليم التنفيذي بكلية الإدارة والتكنولوجيا الأوروبية ESMT والعضو المنتدب لشركةESMT Customised Solutions، في حديثه مع مجلة ثروات على أهمية قيم المالكين كسبب رئيسي في نجاح الشركات العائلية وما الذي سيجعل نموذج الملكية العائلية يستمر.

ما هي المزايا التي أضفتها الملكية العائلية على الشركات الألمانية؟

 لا تعتبرالمُلكية العائلية ميزة في حد ذاتها. ومازال ذلك يعتمد على المجال الذي تعمل به الشركة. يتميز الألمان عادة في الصناعة والتكنولوجيا. تتطلب قيادة شركة تكنولوجيا ناجحة استراتيجية على المدى البعيد لأنك ستحتاج إلى الكثير من الأبحاث والتطوير الذي يستغرق أوقاتاً طويلة. وهو ما يجعل خيار الشركات العائلية اختياراُ ملائماً في العادة. قد تكون هناك صناعات يصح معها التوجيه والتخطيط على المدى القصير، لكن إذا كنت تسعى  إلى تحسين منتجاتك التقنية على الدوام، فهذا التفاني بعيد المدى والذي عادة ما يكون صفة متأصلة في الشركات العائلية هو عنصر مهم للغاية من أجل تحقيق النجاح.

ما هي الظروف التي تجعل من الملكية العائلية نموذج أعمال مستدام؟

لا يعد عامل الملكية العائلية من عدمه عاملاً حاسماً بالضرورة ، فالأمر يعتمد دائماً على قيم المالكين بغض النظر عن من هم المالكين. قد يكون هناك مُلّاك من خارج العائلة وفي الوقت ذاته معنيين للغاية بالأهداف بعيدة المدى وقد يكون هناك بالمقابل أفراد من داخل العائلة معنيين بالأهداف قصيرة المدى. ومع ذلك، عادة ما يكون العكس صحيح. فعادة ما تتوافر في الشركات العائلية قيم معنية باستدامة واستمرارية الشركة مستقبلاً. وإذا لم يكن هناك حرص على هذا فقد يكون من الأفضل التخلي عن امتلاك العائلة للشركة. أستطيع القول بأنه في الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا، يُعد الاهتمام والحرص على الأهداف بعيدة المدى ميزة في غاية الأهمية. وفي أغلب الأحيان نجد هذا متوافراً في الشركات العائلية.

 

متى يصبح نموذج المُلكية العائلية غير مطلوب؟ 

 إذا كان لديك مُلاك أو مدراء غير متوافقين مع الاستراتيجية الكلية التي تتطلبها الشركة، فربما عندئذ يكون هناك عدم تطابق. ولكن المثير للاهتمام أنه كثيراً ما يكون هناك ملائمة وتوافق جيد للغاية في الشركات العائلية الألمانية متوسطة الحجم. قد يرجع هذا إلى حقيقة أن مصطلح “شركة عائلية” يعني وجود التزام قوي بحيث تجد أنه حتى الموظفين أصبح لديهم المزيد من الولاء للشركة. ومثال على هذا شركة “كلاس” التي تنتج ماكينات زراعية، فحسبما أعتقد فإن 1% فقط من موظفيها يغادرون الشركة سنوياً.

ترتبط درجات الالتزام والتفاني المرتفعة من الموظفين بدرجة الالتزام والتفاني لدى المالكين والإدارة العليا. وكثيراً ما ينطبق هذا على الملكية العائلية، فالعائلة بطبيعتها على درجة عالية من الالتزام والتفاني في شركتها وهو ما يتم ترجمته إلى ولاء كبير من جانب الموظفين تجاه الشركة. وفي رأيي الشخصي هذه الدرجة العالية من الالتزام التي تتمكن العائلات من غرسها في موظفيها تُعد بمثابة الركيزة الأساسية لنجاحها.

هل تعتبر فترة الخلافة من جيل إلى آخرهي اللحظة المناسبة لمراجعة نموذج الملكية العائلية؟ 

 نعم. في نظم الحكم الملكية القديمة، في حال كان هناك ملك قوي يمسك بزمام الأمور فإن احتمالات أن يكون ابنه ليس على نفس القدر من الكفاءة والقوة تكون واردة جداً. في بعض الأحيان لا يتمتع أحد الأجيال بأي مهارات للقيادة تُذكر. ويكون من الصعوبة بمكان تحقيق الاستقرار والتميز في الإدارة والملكية في جميع أجيال العائلة، فمن الصعب نقل القيم الأساسية من جيل إلى الذي يليه. في العادة يحتاج الجيل التالي إلى تغيير الشركة لأن العالم يتغير، وبالتالي يضطر هؤلاء إلى التكيف وفق الظروف والمتغيرات. وهذا يعني أن عليهم تغيير ما قام الجيل السابق بتأسيسه، وعندها تزيد احتمالية حدوث النزاعات. في ألمانيا، يوجد لدينا العديد من الشركات العائلية الناجحة التي تتم قيادتها بواسطة جيلها الثالث. وهذا ليس بهدف يسهل تحقيقه.

  

هل يكون نموذج الملكية العائلية ملائم على نحو خاص للاستمرار في فترات المحن الاقتصادية؟

أفترض بأننا سنجد قيم المالك ضرورة للنجاة من الأزمات وأن هناك العديد من الشركات العائلية أكثر قدرة على تحقيق هذا من غيرها من الشركات. بالنسبة لي يبدو أن هناك اتجاه واضح. في الواقع، كثيراً ما يُذكر هذا في وسائل الإعلام كأحد أسباب نجاة ألمانيا أو تخطيها الأزمة الإقتصادية الأخيرة على هذا النحو الجيد. لكن هذه فرضية فقط. لدينا هذا العدد الضخم من الشركات العائلية متوسطة الحجم التي أثبتت مرونتها وسرعة استجابتها في الفترات الصعبة. لكن مجددًا، يعتمد الأمر في النهاية على الشخص الذي يمسك بزمام الأمور ومنظومة القيم التي يمثلها.

 هل تعتقد أن نموذج الملكية العائلية سوف يستمر؟

نعم بكل تأكيد، لكن بالنسبة لي تعتمد استدامة الشركات العائلية كثيراً على قدرة العائلة على التوسّع والدخول في دول العالم المختلفة، وسوف ينتهي وجود الشركات التي تعجز عن ذلك ولن يكتب لها الاستمرار. تعد الشركات العائلية في ألمانيا ذات حضور وتواجد على الصعيد العالمي لأن الاهتمام بالتصدير جزء من طبيعتنا والتي تميّزنا بها على مدار قرون من الزمان. ومع ذلك، فإن التحدي هنا يكمن في التحلّي بالتنافسية في أسواق خارجية يزداد معدل اندماجها وتماسكها. كيف يمكنك منافسة الشركات متعددة الجنسيات في الخارج والتي عادة ما تحصل على ما يقرب من 80% من حصة السوق؟ يُفضّل أن تغطي العائلات الأسواق المتخصصة حيث يمكنها إظهار مرونتها. وهذه هي الساحة التي أرى أن امتلاك الشركات العائلية فيها  هي ميزة ضخمة. وبالتالي يمكن القول نعم، فإن نموذج الملكية العائلية يمثل نموذج المستقبل شريطة أن تدرك العائلات كيفية التوسّع والتواجد في الأسواق العالمية.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 16, 2012

Tags from the story