النمو الأخضر

النمو الأخضر

مقابلة مع البروفيسور سام فانكهاوسر

 كلية لندن للعلوم الاقتصادية

البروفيسور سامويل فانكهاوسر هو المدير المساعد في معهد جرانثام لأبحاث تغير المناخ والبيئة في كلية لندن للعلوم الاقتصادية. وفي مقابلة له مع مجلة ثروات يقوم بتعريف مصطلحالنمو الأخضرويوضح بالتفصيل دلالاته بالنسبة لمجتمع الأعمال وواضعي السياسات بصفة عامة.

ما الذي يشملهالنمو الأخضر؟

النموّ الأخضر هو الفكرة التي تدور حول قدرتنا على زيادة ازدهار البشرية بطريقة لا تلحق الضرر بالبيئة. وفيما يلي بعض السمات التي نربطها بالنمو الأخضر:

  • نسبة كربون منخفضة: تقليل اعتمادنا على الوقود الأحفوري للحصول على الطاقة، مما يعني أن مجالي النقل والصناعة قد يكونا أبرز جانبين في استراتيجية النمو الأخضر، لكنهما ليسا الوحيدين.
  • مرونة المناخ: يتناول هذا فكرة حاجتنا إلى التكيّف مع بعض الجوانب المتبقية من التغير المناخي التي لم يعد بالإمكان تجنبها. وبالتالي يعني النمو الأخضر –مثلاً- التأهب للمزيد من الفيضانات وموجات الجفاف والأحداث القاسية الأخرى.
  • التنوّع البيئي: يعني هذا حماية البيئة الطبيعية وإبطاء المعدل الذي نفقد به أنظمة بيئية ثمينة، والسبب في وصفها بالثمينة يرجع لكونها تمدّنا بخدمات ملموسة وغير ملموسة (انظر إلى الهواء النظيف أو المياه النظيفة أو القيمة الروحية للطبيعة).
  • الاستدامة: مما يعني تقليل معدل ذوبان الجليد والثلوج أو عدم الإفراط في استخدام الموارد الطبيعية؛ ففيما يتعلق بإدارة المخزون السمكي على سبيل المثال ، نجد حالياً أن هناك إفراط شديد في صيد الأسماك.

عندما نتحدث عن النمو، فنحن نقصد كذلك النمو بمقاييس الرخاء الذي قد يكون أوسع وأشمل من مقياس الناتج المحلي الإجمالي. سيخبرك معظم علماء الاقتصاد أن الناتج المحلي الإجمالي ليس مقياساً جيداً لقياس الرخاء، وبالتالي فالمفهوم في الواقع واسع وشامل بدرجة ما.

ما الإمكانيات التي يقدمها النمو الأخضر لاستراتيجيات الشركات الخاصة؟

ينظر البعض إلى التحوّل إلى اقتصاد أخضر بمثابة الثورة الصناعية القادمة. ومثل الثورات الأخرى التي سبقتها -من اختراع المحرك البخاري إلى الإنترنت- فسوف ينتج عنها الكثير من الفائزين ولكن سيكون هناك كذلك بعض الخاسرين، وبالتالي من الأهمية بمكان للشركات اختيار الموضع الصحيح لها في هذه المعادلة للتمكّن من اللحاق بركب الفائزين.

هناك فرص هائلة للشركات التي يمكنها توفير السلع والخدمات البيئية التي يحتاجها الاقتصاد الأخضر؛ يشمل ذلك على سبيل المثال  تطوير الشركات الهندسية للمزيد من المنتجات الفعالة وعمليات الإنتاج، وابتكار المعماريون منازل صديقة للبيئة، وتقديم الشركات الإنشائية الحماية من الفيضانات، واستثمار البنوك في الاقتصاد الأخضر، وانتاج المؤسسات التصنيعية لمولدات هوائية أو ألواح شمسية.

أشار مصرف “إتش إس بي سي” منذ بضعة سنوات إلى أن حجم الاقتصاد الأخضر هو بالفعل في مثل حجم صناعة الدفاع والطيران على مستوى العالم، ويُقدر هذا بعدة مئات من ملايين الدولارات من العائدات السنوية.

كما تحتاج الشركات كذلك إلى مراعاة تكاليفها وسمعتها، حيث قد تصبح الصناعات شديدة الاستهلاك للطاقة والكربون مثل الحديد الصلب أكثر تكلفة، وقد يعاقب السوق الشركات التي لا تتبنى الاقتصاد الأخضر، و سيسعى عملاء هذه الشركات إلى الذهاب لمكان آخر لتلبية احتياجاتهم.

كيف يؤثر النمو الأخضر على الاقتصادات العالمية؟

أعتقد أن الاقتصاد الأخضر سيصبح اقتصاداً عالمياً بحد ذاته مثلما هو الحال بالنسبة لاقتصادنا المعاصر الحالي. يكافئ الاقتصاد الأخضر ويضع مكافآت  أفضل مقابل الابتكار والكفاءة والأفكار الذكية الجديدة. ويجيد السوق العالمي تحفيز ونشر هذه المبادئ، لذا ستصبح حرية حركة السلع ورؤوس الأموال والأفراد (مع وجود بعض القيود الإضافية) جزءاً من المعادلة.

قد تتسبب التجارة مما لاشك فيه في تفاقم المشكلات البيئية، الأمر الذي نلاحظه في عمليات تصدير الأخشاب غير المستدامة. ولكن غالباً ما يكون السبب الجوهري لهذه المشكلات محلياً. ويكمن الحل في مواجهة هذه المشكلات المحلية بدلاً من تقليل التجارة. إذا أمكن تحفيز شركات الأخشاب وتقنين أعمالها ومراقبتها على الوجه المناسب، فلن تصبح منتجات الأخشاب مشكلة وإنما ستصبح جزءاً من الحل.

كيف يتفاعل النمو الأخضر مع الابتكار؟

يعتبر الابتكار بالتأكيد ضرورة لا غنى عنها للاقتصاد الأخضر، حيث لا تزال العديد من عمليات الإنتاج التقنيات الجديدة التي نحتاجها قيد التطوير. نحن بحاجة إلى الابتكار لخفض تكلفة الطاقة المتجددة، كما أننا بحاجة إلى بطاريات أفضل تزيد من مدى المسافات التي تقطعها السيارات الكهربائية، بالإضافة إلى  حاجتنا إلى جيل جديد من أنواع الوقود الحيوي المستدام، والمزيد من عمليات الإنتاج الفعالة في الصناعة وربما بدائل للمنتجات شديدة الاستخدام للكربون مثل الحديد الصلب والأسمنت.

سيكون المبتكرون والشركات المسارعة في تبني التقنيات الجديدة هم الفائزون في الاقتصاد الأخضر . لا تعدّ هذه فرصة للشركات الجديدة فحسب، حيث أن الشركات العريقة -في صناعة السيارات مثلاً- تكثّف كذلك من استثماراتها في الاقتصاد الأخضر.

كيف سيؤثر النمو الأخضر على السياسات الاقتصادية؟

لا يوجد سعر سوق قياسي للكثير من السلع والخدمات التي يروج لها الاقتصاد الأخضر -سلع من قبيل المياه النظيفة أو المناخ المستقر- ، حيث يطلق عليها علماء الاقتصاد “التأثيرات الخارجية”. يتمثل دور السياسة في وضع سعر لهذه المنتجات أو تصحيح تلك التأثيرات الخارجية. فعلى سبيل المثال نحن بحاجة إلى سياسات تضع سعراً على الكربون (قد يكون في صورة ضريبة على الملوثات بالكربون) أو مكافأة عملية التطوير لتقنيات نظيفة.

وبالتالي يصبح من الأهمية بمكان وجود سياسة عامة جيدة للاقتصاد الأخضر. بدأ السياسيون في إدراك هذا، ومع هذا لا يمكن القول صراحة بأن كافة السياسات التي نشهدها حالياً جيدة للغاية. ما زالت العديد من الدول على سبيل المثال تدعم الفحم والأنواع الأخرى من الطاقة.

في رأيك ما هي أولويات النمو الأخضر بالنسبة للدول الشرق أوسطية؟

يعتبر الشرق الأوسط في وضع مثير للاهتمام، حيث تعتمد الكثير من دول المنطقة بكثافة على صادرات البترول كمصدر للدخل. قد تتأثر قاعدة الدخل هذه، ولذلك يتوجب على المنطقة التنويع اقتصادياً.

سيظل الغاز والذي يتوافر كذلك بوفرة في المنطقة عنصراً مهماً، حيث يصل معدل تلويثه للهواء إلى نصف معدل تلويث الفحم تقريباً، وبالتالي فهو بديل جيد للفحم على المدى القصير. وفي نهاية الأمر، حتى الغاز سيصبح من العناصر شديدة التلويث بالكربون مع تقدم خطط التخلّص من ملوثات الكربون. تقترب المملكة المتحدة حالياً من هذه المرحلة. ولذلك، فهناك مصلحة لدول الشرق الأوسط في تطوير تقنية لاستقطاب الكربون وتخزينه والتي ستحول الفحم والغاز إلى محروقات نظيفة مما قد يزيد من عمر وقيمة الموارد الهيدركربونية في المنطقة.

لكن منطقة الشرق الأوسط غنية كذلك بالموارد المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية. لدى شمال أفريقيا خطط طموحة لإنشاء مجمعات كبيرة للطاقة الشمسية لتقوم بعد ذلك بتصدير الكهرباء إلى أوروبا. تمتلك منطقة الشرق الأوسط نفس الإمكانية، وإن كان سيتم استغلال  الكهرباء المولّدة  للاستهلاك المحلي. تصاحب عملية تطوير هذه التقنيات خبرة ومعرفة سوف يزداد الطلب عليهما في الاقتصاد الأخضر.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 13, 2012

Tags from the story