الاستراتيجيات الخضراء للشركات العائلية الدولية

الخضراء

بدأت مصطلحات مثل “التوجّه البيئي”، “حماية البيئة”، ” الإستدامة البيئية” – مصطلحات في الظهور في مفردات لغتنا اليومية منذ حوالي العقد من الزمن. ومع ذلك، وبقدر استخدامنا لها، إلا أنها تبقى مبهمة ومن الصعب تعريفها بحيث يمكن أن تمثل فلسفات فردية تدل على اعتبارات أخلاقية ومناهج حركات اجتماعية، ولكنها تستخدم أيضاً بشكل متزايد لوصف نماذج الأعمال الجديدة والفرص الاستثمارية. وللوقوف على فهم أفضل للمفاهيم الكامنة وراء الاستراتيجيات الخضراء ،  فإن الأمر يتطلب أولا:ً نظرة إلى الوراء للإطلاع على تاريخ التصنيع، وثانياً: تمييز الآثار الحقيقية للسلوك البشري على البيئة، وثالثاً: التنقل عبر شبكة معقّدة من المبادرات والسياسات البيئية التي هي قيد التطوير.نستكشف هنا الكفاءة الاستثنائية التي تمتلكها  مجموعة من الشركات العائلية في تصميم وتنفيذ الاستراتيجيات الخضراء.

ماذا يعني أن يكون لديك “توجّه بيئي”؟

مما لا شك فيه أن البشرية بدأت بممارسة تأثير قوي وواضح على بيئتها الطبيعية بالتزامن مع الثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر، التي لم تؤدّ فقط إلى كثرة موارد الإنتاج ولكنها قامت أيضاً بدعم بداية سلوك المستهلك الجماعي المدفوع بالتكنولوجيا الحديثة. وإلى جانب النمو العالمي لعدد السكان ، فإن هذا التأثير نمى بشكل كبير منذ ذلك الحين. ركزت المبادرات البيئية المبكّرة بشكل أساسي على مبدأ المحافظة، بالإضافة إلى التركيز على إقامة المحميات الطبيعية أو على حماية الأنواع المهددة بالانقراض. مع ذلك، وعلى مدى العقود الماضية، تم استخدام مصطلح “التوجّه البيئي” على نطاق واسع للإشارة إلى الإدراك العام بأن بعض الموارد نادرة وأنه من أجل أن نبقي على هذه الحياة  لأجيال المستقبل يجب أن تكون هناك طريقة جديدة لاستغلال  هذه الموارد والتقليل من أثر الإنسان على الطبيعة والحد من السلوك المسرف.

لدى المنظمات الدولية كالأمم المتحدة هيئات مكرسة لتنظيم ودراسة تأثير السلوك البشري على البيئة الطبيعية، وغالباً ما تندرج ضمن الحكومات وزارات متخصصة  تهتم بأولويات البيئة الوطنية. بالرغم من ذلك، لا تزال هناك نزعة كبيرة من الشك، والجدل وسوء الفهم فيما يتعلق بتأثير الحضارة البشرية على الطبيعة. يشمل مصطلح “التوجّه البيئي” على عدة محاور معقدة:

  • تأثر البشرية بطرق مختلفة: لتحديات البيئية مثل نقص المياه، ندرة الموارد الطبيعية، التلوّث وغيرها تأثير متزايد على الأفراد، والمجتمعات والبلدان بقدر تأثيرها على الشركات الخاصة، ولو بدرجات وطرق مختلفة.
  • هناك اختلاف حول مجالات التركيز: تحديد التحديات الأكثر أهمية وأكثرها إلحاحاً لإعتماد طُرُق المعالجة دائماً على أولويات المجتمعات والأفراد المتأثرين.
  • لا توجد وصفة سحرية: تتراوح المبادرات وصياغة السياسات البيئية بدءاً من التحسينات البسيطة في مجال إدارة النفايات وانتهاءاً باستثمار عدة ملايين من الدولارات في مجال البحث والتطوير لتطوير تقنيات جديدة صديقة للبيئة.

لماذا تحتل الشركات العائلية مكانة جيدة في  “التوجّه البيئي”؟

تمت مقارنة مجموعة الشركات العائلية مع مجموعة الشركات الغير عائلية أو العامة حيث  تمت دراسة خصائصها والبحث فيها على نطاق واسع. تشمل هذه الخصائص عناصر مثل الرؤى طويلة الأمد، والالتزام والتفاعل الواضحين للشركات مع بيئتها الاجتماعية المباشرة، بالإضافة إلى التحدي المتمثل في اتخاذ القرارات المتعلّقة بالأعمال عند التعامل مع الروابط العاطفية للعائلة. ومن المثير للاهتمام، أن العديد من تلك الخصائص المميزة تؤهل الشركات العائلية ليصبحوا قادة في مجال الإستدامة البيئية:

  • غالباً ما تفكر الشركات العائلية بشكل تقدمي كما أنها ذات توجّه مستقبلي، ويرجع ذلك إلى هدفهم بمواصلة عمل شركاتهم لأجيال قادمة، ومن أجل ضمان الاستدامة والاستمرارية بدؤوا بمراعاة الضغط الموجه نحو الموارد الطبيعية العالمية. وكثيراً ما تشتمل استراتيجياتهم طويلة الأمد الآن على كيفية الإبداع في مجال استغلال الموارد الأولية.
  • تعتبر الشركات العائلية متجذرة عميقاً في مجتمعاتها، وغالباً ما يرتبط الإثنان من خلال التاريخ والعلاقات الوطيدة. ومن خلال التفاعل القوي والمنتظم مع بيئتهم الاجتماعية والطبيعية، يمتلك قادة الشركات العائلية إدراك مباشر لتحديات مجتمعهم ويشهدون تحول بيئتهم الطبيعية.
  • تميل الشركات العائلية أيضاً بطبيعتها إلى امتلاك علاقات قوية مع الأطراف المعنية وبالإخص مع عملائها، كما أنها مُدركة لإمكانية التسويق الكبيرة المرتبطة بالعمل البيئي.
  • أدرك العديد من القادة أن الممارسات الصديقة للبيئة في بعض الصناعات توفر ميزة تنافسية واضحة، وأن مواضيع مثل الطاقة المتجددة يمكن تكون فرص استثمارية مثيرة للإهتمام.

هذا المزيج المميز من العوامل المحفزة التي تتميّز بها الشركات العائلية، تشكّل الأساس لهم للتطوّر حتى يصبحوا  لاعبين مبدعين وفاعلين في القطاع البيئي.  

المبادرات البيئية في الشركات العائلية

يظهر التاريخ منذ حوالي القرن ونيف أن مؤسسي الشركات العائلية الناجحة هم الذين وضعوا مبادئ التعامل المحترم مع البيئة والاستخدام الحذر للموارد – سواءً كان ذلك نابعاً من اهتمام حقيقي بالطبيعة أو بسبب فكر اقتصادي. لذلك السبب ومنذ نهوض الدول الصناعية، شرعت العديد من الشركات العائلية الرائدة بتطبيق الاستراتيجيات الخضراء بنجاح، سواء كان ذلك عن طريق زيادة الكفاءة في خطوط إنتاجها، أو عن طريق تركيب الألواح الشمسية على أسطح مقارها الرئيسية أو بواسطة إشراك الأطراف المعنية من خلال إطلاق المنتجات “الخضراء”،لم يشكل الإبداععلى ما يبدو  مشكلة لهم أبداً. لذا، عندما تبدأ الشركات العائلية بـ “التوجّه البيئي”، فإنها غالباً ما تفعل ذلك:

  • عن طريق دمج السياسات البيئية في شركاتهم أو استخدام نماذج أعمال “خضراء” كفرصة استثمارية.
  • عن طريق نشاطات المسؤولية الاجتماعية للشركات أو الهبات الخيرية لصالح مؤسساتهم الخاصة أو غيرها من الجمعيات.
  • عن طريق المشاركة في المشاريع والبرامج الحكومية للتصدي للتحديات التي تواجه مجتمعاتهم.

الكثير من العائلات التي تمتلك أعمال  صناعات ذات تحدٍ بيئي كجوهر لعمل شركاتهم مثل قطاع السيارات، وقطاع النفط والتعدين وغيرها من الصناعات الثقيلة، غالباً ما تدرك هذه القضايا مبكراً وتتخذ زمام المبادرة في التصدي لها، نضرب هنا مثل العائلة الإيطالية العملاقة التي تمتلك شركة فيات، فبالإضافة إلى كونها تستثمر في التقنيات الجديدة للحد من انبعاثات الكربون، فإن الشركة وضعت تطبيقات تتيح للسائقين مراقبة سلوكهم أثناء القيادة والتقليل من استخدامهم للوقود. من ناحية أخرى، تعلن العائلة الأمريكية التي تمتلك وتصنّع سيارة فورد فهي  تمسكها بسياسة استقرار المناخ وتركّز كثيراً على تطوير السيارات الهجينة ذات الكفاءة العالية  للحد من انبعاثات الكربون بشكل عام بحيث تقود لجنة تنفيذية عليا متخصصة تضم نائب الرئيس والأطراف المعنية التنفيذية في الشركة عمليات تطوير المنتجات استراتيجياً تماشياً مع أهداف الشركة بشأن تغيّر المناخ.

وقد خطت الشركة العائلية الصناعية المتعددة الجنسيات سيمنز خطوة أبعد ممن سبقوها في هذا المجال، حيث قامت بدمج التقنيات البيئية المتكاملة في مجموعة أعمالها المتنوّعة، وبذلك فإنها تعالج التحديات البيئية بواسطة تطوير نظم جديدة لإمدادات الطاقة ومن خلال الإبداع في منتجاتها أيضاً. كما قام عملاق التكنولوجيا الألمانية هذا باستثمار موارد مهمة لوضع تكنولوجيات جديدة في المقدمة، ولكي توفر لعملائها الحلول الأكثر كفاءة في استخدام الموارد. وتهدف الشركة إلى ربح ما لا يقل عن 40 مليار يورو من خلال مجموعة أنشطتهم البيئية في عام 2014. أطلقت شركة سيمنز أيضاً -كبرنامج مجتمعي- برنامج “مؤشر المدينة الخضراء” الذي يقوم بقياس  معدلات الأداء البيئي للمدن في جميع أنحاء العالم.

مجموعة شركات آ.ب مولر – مجموعة مايرسك الدنماركية العملاقة  تملتك واحدة من أكبر شركات النقل البحري والبري في العالم، كما و لديها شركة رائدة في مجال التنقيب وإنتاج النفط. قامت مجموعة مايرسك بتعيين مجلس إستدامة  مهمته رفع التقارير مباشرة إلى المجلس التنفيذي للمجموعة. وتتركّز مجالات اهتمام المجموعة حول الحد من انبعاثات الكربون، ومكافحة التلوث، وحماية التنوع البيولوجي وإدارة دورات حياة المعدات، وهم يراقبون مدى تقدّمهم من خلال التقريرالإستدامة  السنوي.

احتلت شركة تاتا للخدمات الاستشارية -وهي شركة تابعة لمجموعة شركات عائلة تاتا الهندية- المرتبة السابعة في ترتيب “التصنيفات الخضراء” لمجلة نيوزويك في عام 2011، وتشدد الشركة كثيراً على موضوع الإستدامة البيئية، مع مراعاة التغيّر المناخي كونه “التهديد الأكبر الذي يؤثر على الاستقرار الاقتصادي، وعلى المجتمعات الضعيفة والمجتمع ككل”. يتألف منهجهم من محورين رئيسيين، فهو من ناحية يقوم على دعم عملائهم لتحسين سياسة الاستدامة من خلال المنتجات والحلول التي يقدّمونها، ومن ناحية أخرى العمل على  زيادةأأداء الشركة البيئي المتبوع بخطط عمل تفصيلية.

أيا كان السبب وراء التزاماتهم (إن كان اعتقاد راسخ بأن التحديات البيئية يجب أن تؤخذبعين الاعتبار أو أنها مجرّدإعتبارات أعمال استراتجية)، فمن الواضح أن أكبر مجموعات الشركات العائلية في العالم قد ارتقت إلى مستوى التحدي والمواجهة الصريحة للقضايا المطروحة.

“الأخضر” باعتباره فرصة تجارية

تعطي الأمثلة الكثيرة للاستراتيجيات الخضراء في الشركات العائلية فكرة جيدة عن تنوّع الموضوع: بدءاً من الاقتناع الفلسفي وحتى فرص الأعمال البحتة، قد يشكل الوعي بمدى السوء الذي لحق بيئتنا تحدياً بحد ذاته، ولكنه بالتأكيد يحمل في طياته أيضاً العديد من الفرص.

بإمكان العائلات التي تهتبر موجهة وغالباً مبدعة للاقتصادات الإقليمية،  الأخذ بزمام المبادرة ووضع المعايير التي تفيد شركاتهم والأطراف المعنية لهم، والتي لها تأثير إيجابي على البيئة، الأمر الذي سوف يؤدي في النهاية إلى تمكين طموحات البشرية أجمع.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 13, 2012

Tags from the story