تأثير الهالة وعوامل الخداع الأخرى بالعمل

الهالة

تأثير الهالة وعوامل الخداع الأخرى بالعمل

الأستاذ الدكتور/ فيل روزينفيج

أستاذ الإستراتجية والإدارة الدولية

المعهد الدولي للتنمية الإداريةIMD

سويسرا

كمحاولة لتحقيق أداء مرتفع، يطلع المديرون على الكتب والمقالات التي تزعم عرضها لمعادلة النجاح. وفي الأعوام الماضية، زعمت معظم كتب العمل الشهيرة تقديمها لمبادئ التفوق وبرنامج العمل لتحقيق النجاح، أو السبيل إلى الانتقال من درجة جيد إلى درجة ممتاز، ويبدو أن الكثير منها مقنعة للغاية. فهي تعتمد على مجموعات كبيرة من البيانات، ويتم عرض النتائج بطريقة حازمة وجديرة بالثقة. ولكن لسوء الحظ، أخفق قدر عظيم من الأبحاث حول أداء الشركات بشكل أساسي. وترتكن وعود هذه الكتب بالنجاح على أفكار خاطئةً خطيرة، وتوجيه المديرين في الاتجاهات غير المصيبة على أحسن تقدير، أو الخاطئة تماماً في أسوء الحالات.

وسوف تتناول المقالة الحالية تعريف إحدى أكثر المشاكل انتشاراً والتي تقوض بحث العمل، وهو تأثير الهالة. ومن ثم سوف تقوم بإيضاح خطأ آخر يصيب تفكير الإدارة، وهو ما أسميه خداع أن الأداء حقيقة مطلقة. آمل في أن يصبح المديرون على قدر أكبر من الوعي والتفكير الدقيق،  وتقليل احتمالية  تعرضهم للأفكار الخاطئة والمضللة المنتشرة في عالم العمل.

:تأثير الهالة

لقد قام الطبيب النفسي ادوارد ثروندايك بتعريفها في عام 1920. يشير تأثير الهالة إلى الميل البشري الأساسي إلى استنباط استنتاجات محددة على أساس الانطباع الإجمالي. لقد وجد هذا التأثير في سبل الحياة، بما في ذلك طريقة تقييمنا للمرشحين للوظائف، وصولاً إلى الطريقة التي تؤثر بها العلامات التجارية على إدراكنا لجودة المنتج، وأكثر من ذلك بكثير.

وها هي الطريقة التي يعمل بها هذا التأثير فيما يتعلق بأداء الشركة. تخيل شركة تقوم بعملها بشكل جيد، ومبيعاتها مرتفعة وأرباحها مرتفعة وأسعار أسهمها تتزايد بشكل حاد. ومن خلال ذلك يستنتج معظم الأفراد بشكل طبيعي أنها تنتهج استراتيجية عبقرية، وبها قائد خلاق وفريق عمل بارع ومهارات تنفيذية رائعة وقيم راسخة وما إلى ذلك. ولكن عندما تعاني ذات الشركة من هبوط في الأداء، وعندما تهبط المبيعات وتتقلص الأرباح، يستنتج الأفراد سريعاً أن الاستراتيجية ساءت وأن القائد أصبح متغطرساً، وأصبح الأفراد أكثر تهاوناً، ونسيت الشركة كيفية أداء العمل وهلم جرا. ففي الواقع، من المحتمل أن هذه الأمور لم تتغير كثيراً، ولكن الأداء المالي للشركة خلق انطباعاً عاماً، أي هالة، شكل طريقة إدراكنا باستراتيجيتها وقائدها وموظفيها وثقافتها والعناصر الأخرى. تعد عوامل كثيرة من التي نؤمن بديهياً بأنها تقود أداء الشركة، سمات تعتمد على الأداء عوضاً عن ذلك.

وهناك مفاهيم يومية كثيرة في العمل، بما في ذلك القيادة والثقافة المشتركة والكفاءات الأساسية واتجاه العميل وما إلى ذلك، تعد غاية في الغموض والصعوبة لدرجة إننا لا نستطيع تعريفها بشكل موضوعي. ونتيجة لذلك، يتكون لدينا غالباً تصورات عنها ناجمة عن أمور أخرى ثابتة وملموسة بشكل أكبر وتُسمى الأداء المالي.

:الوقاية من تأثير الهالة

ما الذي يستطيع المديرون فعله بشأن تأثير الهالة؟ أولاً ينبغي أن يصبحوا يقظين أكثر تجاه تأثير الهالة في وظائفهم اليومية. فلنأخذ تقييم الموظفين كمثال على ذلك. لقد وضعت شركات كثيرة نظم محكمة لتقييم الأداء تحدد مجموعة من الكفاءات المرغوب بها، بما في ذلك أموراً مثل “الحكم الحصيف لصالح العمل” و”الحوافز التي تؤدي إلى نتائج” و”القدرة الإبداعية المرتفعة” وما هو أكثر من ذلك. ولكن إذا لم يتم قياس هذه الكفاءات بطرق موضوعية ومستقلة عن الأداء الإجمالي، فمن المحتمل أن تصبح هذه النتائج انعكاساً للتقييم الإيجابي الإجمالي. وبالرغم من ظهور مجموعة من الإجراءات التفصيلية والدقيقة، قد يصبح لدينا تقييم عام فقط ينتج عنه خصائص محددة.

ثانياً، يجب أن يصبح المديرون مستهلكين على قدر أعلى من الحسم والتمييز لأبحاث الإدارة. وحيث أنهم قرؤوا مقالات وكتب حول العمل، فسوف يحتاجون إلى تطوير قوة التمييز لديهم وأن يصبح لديهم قدر ملائم من الشك في مصادر البيانات. وبدلاً من قبولهم فحسب لما يتم إخبارهم به، يجب على المديرين طرح الأسئلة حول صحة البيانات المتضمنة. وينبغي عليهم البحث عن برهان مستقل بدلاً من القبول فقط بأن الشركة الناجحة لديها قائد مثالي واتجاه رائع للعميل، أو أنه لأمر حتمي أن الشركة المناضلة لديها استراتيجية سيئة وأداء ضعيف.

:خدعة أن الأداء حقيقة مطلقة

تعتمد دراسات كثيرة حول أداء العمل، بما في ذلك بعض أفضل الكتب مبيعاً في الأعوام الأخيرة، على معلومات ملوثة بتأثير الهالة. ويفتخر كتابها بأنفسهم بسبب حجم البيانات المجمعة الهائلة، ولكنهم يتغاضون عن حقيقة أن ما يهم هو جودة البيانات، وليس حجمها فحسب. ولسوء الحظ، إذا لم يتم تجميع البيانات بشكل صحيح بسبب تأثير الهالة، سوف تصبح النتائج خاطئة أيضاً.

ولعل أحد أكثر المزاعم جاذبية لأفضل الكتب مبيعاً في مجال العمل هو أن الشركة تستطيع تحقيق النجاح إذا اتبعت مجموعة خطوات معينة. وادعت بعض الكتب الحديثة أن الشركات تستطيع عملياً ضمان النجاح عن طريق إتباع الستة خطوات التالية أو معادلة من أربع نقاط أو الخمسة مبادئ هذه. وقد تبين هذه الدراسات علاقة متوقعة بين الأفعال والأداء المرتفع، ولكن في الواقع لا يوجد شيء من هذا القبيل. إذا تم اختيار الشركات على أساس الأداء، ويتم تجميع البيانات حينئذ من مصادر تقوضت بسبب تأثير الهالة، مثل المقالات في الصحف المهتمة بالأعمال والمقابلات الصحفية مع المديرين ومثل هذه المصادر، فلن نعزل الحوافز تماماً. وقد يقترح التحليل الناتج أن مجموعة معطاة من العوامل تؤدي بشكل متوقع إلى النجاح، ولكن المنطق هو العكس: فمن الدقة أكثر قول أن الشركات الناجحة تنزع إلى أن يتم وصفها بطريقة عامة.

لا تضمن الوصفة المعطاة التالية مستوى الأداء المرتفع، ولسبب بسيط، وهو أن: في اقتصاد السوق التنافسي، يعد الأداء أمر نسبي بشكل أساسي وليس حقيقة مطلقة، فالإيرادات والأرباح لا يعتمدان فقط على تصرفات الشركة، ولكنهما يعتمدان أيضاً على تصرفات منافسيها. وتستطيع الشركة تحسين عملياتها بعدة طرق، مثل تحقيق جودة أعلى، والتكلفة الأقل، ووقت الإخراج الأسرع، وإدارة الأصول بشكل أفضل وما إلى ذلك، ولكن إذا لم يتحسن المنافسين بمعدل أسرع، قد يضطرب أدائهم.

:التفكير بوضوح في الاحتمالات

بالرغم من رغبتنا في الوصول إلى أمور يقينية والقدرة على التوقع، لا تستطيع المعادلات على الإطلاق التوقع بالأداء المرتفع لسبب بسيط وهو أنه: في اقتصاد السوق التنافسي، ليس من الكافي القيام بالأعمال بشكل جيد، فالشركة يجب أن تقوم بالأعمال بشكل أفضل من منافسيها. فأداء الأعمال بشكل أفضل يتطلب منا بدوره اتخاذ القرارات بأن نصبح مختلفين ويستلزم ذلك المخاطرة.

بناءً على ذلك، بدلاً من البحث عن المعادلات البسيطة التي تعد بالنجاح، ولكنها تعتمد على بيانات خاطئة ومنطق خاطئ، فمن الأفضل للمديرين تعديل تفكيرهم. أولاً، يجب عليهم إدراك عدم وجود اليقين بشكل أساسي في عالم الأعمال. وليس من الطبيعي أن يتم ذلك. فالأفراد يرغبون في أن يصبح العالم منطقياً، وأن يصبح لديهم القدرة على التوقع به، والتصرف وفقاً لقواعد واضحة من الأسباب والنتائج. ويرغب المديرون في الإيمان بأن عالم عملهم يمكن التنبؤ به بشكل مماثل، وأن تصرفات محددة سوف تؤدي إلى نتائج معينة. وبالرغم من ذلك، فإن الاختيار الاستراتيجي الحتمي هو اتخاذ القرار في ظل الشك.

فنحن كمديرين ليس هدفنا هو محاولة إيجاد المعادلات التي تدعي ضمان النجاح، ولكن هدفنا تجميع معلومات دقيقة وتقديمها إلى الدراسة الدقيقة بهدف تحسين فوائد النجاح. ويدرك المديرون الحكماء أن معادلة العمل على وشك إيجاد طرق لتحسين فوائد النجاح، ولكن لا يخطر بباله قط أن هذا أمراً يقينياً.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 1, 2009

Tags from the story