بادرة أمل

أمل

بادرة أمل 

منذ عام، أعلن مصرف ليمان براذرز إفلاسه فأحدث هزة عنيفة عصفت بالنظام المالي الأمريكي ونجمت عن إفلاسه سلسلة من الانهيارات المصرفية راحت آثارها تنتشر في جميع أنحاء العالم وتمخضت عنها في نهاية الأمر أزمة عالمية لازلنا نعاني من تبعاتها حتى اليوم. وفي هذا العدد، يقدم لنا السيد/ خالد المهيري، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة “ايفولفينس كابيتـال”، شركة الاستشارات الاستثمارية الرائدة في المنطقة، تحليله للتحسن الأخير الذي شهدته أسواق الأسهم إلى جانب تعليقه على السياسات النقدية التي أخذت حيز التطبيق مؤخرًا كما يتحدث معنا حول مخاطر الانسياق وراء ما قد يبدو للبعض كانتعاش اقتصادي.

يوجز البروفيسور “سيمون جونسون” من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، والزميل بمعهد بيترسون، الأمر بقوله: “على مدار عشرين عامًا، شهد النظام المالي تعاظمًا ملفتًا للأنظار وأصبح معتادًا بشكل أكبر على المخاطر. وفي 15 سبتمبر من عام 2008، استيقظ العالم من سباته على هذه المخاطر التي استحالت واقعًا مريرًا.” واليوم وبعد مرور عام على تلك الأزمة، شهدت أسعار الأسهم ارتفاعًا كبيرًا. كما شهدت المؤشرات الاقتصادية في أجزاء مختلفة من العالم تحسنًا فعليًا. فعلى سبيل المثال، بدأ الاقتصاد الصيني في العودة تدريجيًا إلى سابق عهده كما يشهد الكساد في التصنيع انفراجة على المستوى العالمي. كذا، تظهَر مؤشرات تحسن في أسواق العقارات مع تنامي ثقة المستثمرين فيها. ويمكن القول بأن هذه أخبار تبعث على التفاؤل – فقد زاد الفزع واليأس من موجة الكساد العالمي عندما كان النظام المالي العالمي على حافة الانهيار التام في سبتمبر 2008، مما أدى إلى تراجع المستثمرين عن الاستثمار في الأصول غير المأمونة. ولا شك أن هذا الانهيار السريع والمفاجئ كان يحتاج إلى دورة مستقيمة تدور فيها عجلات التمويل من جديد، بحيث يخرج المستهلك من دائرة الحذر والحيطة إلى الإنفاق وتتوقف الشركات عن ادخار النقود لتسعى لتحقيق الأرباح. إلا أنه علينا أن نضمن أن الثقة التي أودعناها في تلك الشركات ليست في غير موضعها – كما ينبغي ألا يساء فهم بصيص الأمل هذا ليفسره البعض على أنه بدايات لانتعاشة قوية للاقتصاد العالمي في حين الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تباطؤ في معدل الهبوط. إن التفاؤل شيء والغطرسة والتعالي على الواقع شيء آخر تمامًا؛ وإذا تصورنا أن الاقتصاد العالمي سيعود إلى ما كان عليه قبل الأزمة، فمن شأن ذلك أن يحول دون حدوث تلك الانتعاشة الاقتصادية المأمولة وأن يعوق السياسات التي تستهدف حمايتنا من انهيار آخر. كما أنه من السهل أن ينخدع البعض بمكاسب ارتفاع أسعار الأسهم حيث أن أسواق المال عادةً ما تتحسن قبل تعافي الاقتصاد، وفي هذه الأحوال ينتظر المستثمرون تحقق الوعود بجني أرباح ضخمة قبل أن يؤكد الإحصائيون حدوث انتعاشة فعلية. وسرعان ما تتضح حقيقة كثير من مظاهر التحسن والتعافي؛ من كونها مجرد سرابات. ولكي ندلل على ما نقول، فإبان الفترة من 1929 حتى 1932، شهد مؤشر داو جونز للشركات الصناعية ارتفاعًا كبيرًا تجاوز نسبة 20 بالمائة أربع مرات ليهبط إلى أقل من أدنى معدلاته السابقة.

ولقد شهدت الأزمة الحالية خَمس انتعاشات منفصلة ارتفعت فيها أسعار الأسهم لأكثر من 10 بالمائة وسرعان ما هبطت مجددًا. وفي الأشهر الستة الماضية وقعت العديد من الانهيارات على مسارات مختلفة. ومن المرجح أن يتسبب انهياران آخران في تقويض الاقتصاد العالمي لفترة أطول: وهما الأزمة المصرفية وشطب الرهون سيما في اقتصاديات الفقاعات، وعلى وجه الخصوص بالولايات المتحدة وبريطانيا، حيث هبطت معدلات الطلب مع تزايد الادخار. ويؤكد التاريخ أن ذلك الهبوط في الميزانيات العمومية مستمر لفترة طويلة حتى أنه من المنتظر أن تأتي الانتعاشات الاقتصادية، والتي عادةً ما تعقب ذلك الركود، هزيلة. ووفقًا لأحدث التوقعات الاقتصادية العالمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، فمن المتوقع أن يشهد الناتج العالمي انخفاضًا بواقع 1.3 بالمائة هذا العام، وهو الأول منذ ستين عامًا.

لقد تمت مواجهة هذا الانهيار من خلال تبني أكثر السياسات طموحًا في التاريخ، حيث عمدت المصارف المركزية حول العالم إلى ضخ تريليونات الدولارات لتوفير السيولة، كما لجأت، وبأعداد متزايدة، إلى استخدام مجموعة ضخمة من الأدوات المالية غير التقليدية لتهدئة أسواق الائتمان وللتيسير من الشروط المالية بالرغم من اقتراب معدلات الفائدة المصرفية لحاجز الصفر. وقد ناضلت الحكومات لمساندة مصارفها وخصصت تريليونات الدولارات لهذا الغرض، وتدفقت أموال جديدة في صندوق النقد الدولي. كما سارعت كل البلدان الغنية الكبيرة إلى تعزيز الطلب بتقديم حوافز مالية، وهو ما حرصت عليه الاقتصاديات الناشئة كذلك. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط العجز في ميزانية البلدان الغنية إلى حوالي 9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ وهو ما يعادل ستة أضعاف ما كان عليه الحال قبل حدوث الأزمة.

لقد ظهرت للعيان مدى فداحة تأثيرات الكساد إذا لم تتدخل الحكومات عند إخفاق بقية مقومات الاقتصاد. ورغم ذلك، فلم تسبق تجربة إصلاحات بهذا الحجم من قبل كما أن أحدًا لا يعرف حقيقةً متى يظهر تأثيرها – ناهيك عن عدم قدرة أي شخص عن استقراء الفرق الذي قد تحدثه في العالم بأسره. وأيًا كان تأثيرها، فمن الخطأ الخلط بين اقتصاد يصارع للبقاء من خلال أجهزة الإنعاش واقتصاد يشهد انتعاشًا ثابتًا. فالانتعاش الحقيقي مرهون بأن تحل المصادر المستدامة للإنفاق الخاص محل الطلب الحكومي. وهنا يمكن القول بأن هذا أمر يبعث، بشكلٍ عام، على التشاؤم. فمن المؤكد أن انهيار الولايات المتحدة سيشهد انفراجة بمجرد تقديم الحكومة للحوافز المالية. وقد يتعافى الاقتصاد من جديد في غضون فترة ليست بالطويلة بفضل الدعم النقدي الذي تقدمه الحكومة. ورغم ذلك كله، فلسنا نرى عناصر الانتعاش الاقتصادي القوي الذي بإمكانه الحيلولة دون زيادة معدلات البطالة. كما أن الضعف الاقتصادي في الدول الأخرى من شأنه أن يقوِّض الصادرات الأمريكية. ونرى المصارف الأمريكية وقد حصلت على رأس مال عام، إلا أن ميزانياتها العمومية تواجه عوائق تتمثل في الأصول شديدة الضرر. كما أنه من المتوقع أن تهبط معدلات إنفاق المستهلك واستثمار الشركات بسبب سداد المديونيات. ومع التسليم بحجم صناعة التمويل في بريطانيا وبانتعاشة سوق العقارات ومديونية المستهلك، فسيكون التعديل في الميزانية العمومية، إن حدث، أكبر وأضخم مما هو عليه بالولايات المتحدة. كما أن ضعف الجنيه الإسترليني من شأنه أن يؤدي إلى تعويم الصادرات، غير أن هشاشة الموارد المالية العامة تشير إلى أن بريطانيا ليس أمامها الكثير من الفرص للاستفادة من الإنفاق الحكومي في حماية القطاع الخاص مقارنةً بالولايات المتحدة.

وفي الوقت الحالي، ينبثق شعاع الأمل قويًا من الصين حيث أدى التعديل الكبير في المخزون إلى مضاعفة تأثير هبوط الطلب الخارجي، وحيث تتوفر النقود للحكومة مع التصميم على دعم الإنفاق المحلي. كما أن الحوافز التي تقدمها الصين قد أثبتت فعاليتها بالفعل؛ إذ تشهد القروض واستثمارات البنية التحتية ارتفاعًا كبيرًا، ومن ثم، يمكن القول بأن أحدث توقعات صندوق النقد الدولي لنمو الاقتصاد الصيني هذا العام بواقع 6.5 بالمائة هي توقعات متحفظة يشوبها الحذر. ومع ذلك، الاقتصاد الصيني يعاني هو الآخر من عوائق وصعوبات؛ فربما يشكل الطلب الحكومي ثلاثة أرباع نسبة النمو، خاصة الإنفاق على مشاريع البنية التحتية. وعندما نضع كل هذه العناصر معًا نرى أنه ليس ثمة ما يدعو للتفاؤل الشديد.

ورغم ذلك يمكننا بالكاد القول بأن أسوأ مراحل الأزمة قد مرت من منطلق أن معدل الانهيار العالمي قد بلغ ذروته. إلا أنه وفي نهاية الأمر، وبفضل ضخامة عمليات الضخ النقدي والمالي – غير المستدامة – فسيخيم الاستقرار على الناتج العالمي. وثمة الكثير من الأسباب التي تدعونا إلى القول بأن المستقبل ربما يحمل لنا أيامًا أكثر إظلامًا. ورغم حجم الكساد، لا تلوح في الأفق أية انتعاشة اقتصادية. كما أن النمو، إن حدث، فسيكون ضعيفًا للغاية بحيث قد لا يتمكن من إيقاف ارتفاع معدلات البطالة وتنامي الطاقة المعطلة. وستعتمد غالبية اقتصاديات العالم، لسنواتٍ، على حكوماتها.

ورغم أنه ليس ثمة مؤشرات تدعو إلى القول بأن الاقتصاد العالمي سيعود إلى معدل نموه السابق في القريب العاجل، فمن الواضح للجميع أن معدل هذا النمو سيكون أبطأ عما كان عليه الحال قبل حدوث الأزمة. ومن ثم، أرى أن علينا الاستعداد لتوقعات نمو ضعيفة ومخاطر مستمرة؛ حيث سنعيش في عالم سيتحتم على الحكومات فيه السير بين الخطر الوشيك للتضخم مع مقاومة مخاوف المستثمرين (المنطقية) من أن الديون العامة الضخمة والتسهيلات المالية الكبيرة ستؤدي في النهاية إلى ارتفاع معدلات التضخم. والخوف من أن نجد أنفسنا في عالم يفتقر إلى التخطيط حيث سيبلغ الاقتراض الحكومي معدلات لم يشهدها من قبل منذ الحرب العالمية الثانية عندما كانت الجهات الرقابية على رؤوس الأموال تحرص على بقاء المدخرات داخل الحدود.

وأود أن أكرر أنه يجب ألا يؤخذ كلامنا على أنه دعوة للحكومات لاسترداد الحوافز المالية التي تقدمها. حيث نجد أن تبعات وأضرار الضعف الاقتصادي الممتد على الموارد المالية العامة أكبر مما قد تحدثه التحفيزات المالية المؤقتة كما كان الحال بالنسبة لليابان التي استنفذت انتعاشها الاقصادي في حقبة التسعينيات من القرن الماضي بأن هرعت إلى فرض الضرائب. وعلى واضعي السياسات أن يمنحوا أنفسهم الفرصة لأن يغيروا المسار في المستقبل. ومن جانبها، على المصارف المركزية أن تحدد القواعد التي ستحكم خروجها من تلك السياسات غير المعهودة تمامًا للتخفيف من حدة الأزمة. كذا، على جميع الحكومات أن تأخذ منحى جديًا بخفض معدلات الاستدانة على المدى المتوسط – على نحو لا يُضعف الطلب الناشئ للقطاع الخاص. وبدلاً من رفع معدلات الضريبة، على الحكومات أن تفكر في حلول من شأنها رفع سن التقاعد والحد من نفقات الرعاية الصحية وتوسيع الوعاء الضريبي. فلم تنته بعد أسوأ موجة كساد عالمي منذ الكساد الكبير. والأمر ما يزال في حاجة إلى تكاتف الجهود.

خالد المهيري

المؤسس والمدير التنفيذي

ايفولفينس كابيتال

الإمارات العربية المتحدة

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 4, 2009

Tags from the story