الشركات العائلية في الهند ، فرص وتحديات

الشركات العائلية في الهند

الشركات العائلية هي شريان الاقتصاد في الهند، وما يقرب من تسعين بالمائة من الشركات الهندية هي شركات مملوكة لعائلات، وهو ما يجعل باقي مجتمع الشركات يعتمد عليها بدرجة كبيرة في التعاملات. وسواء أكانت شركات توريد أو مقاولات أو شركات نقل أو توزيع، فإن الشركات غير العائلية تتعاون مع الشركات العائلية على عدة مستويات مختلفة. يستعرض باريمال ميرشنت، مدير مركز الشركات المُدارة عائلياً في معهد” إس بي جاين للإدارة والأبحاث”  في هذا المقال التحديات والفرص التي تواجه الشركات العائلية في الهند.

وبالرغم من أهمية الشركات العائلية للإقتصاد الهندي، فإنها لا تحظى باهتمام يذكر إلا في حال توجيه انتقادات إليها، حيث تُتهم بافتقارها للمهنية وبمحاباة الأقارب وبأنها تواجه خلافات داخلية وتعاني من سوء الإدارة. هناك فكرة سائدة  تتردد كثيراً ويبدو أنها وجدت مكانها أيضا كحقيقة واقعية، ألا وهي أن الجيل الأول يبني الشركة العائلية والثاني يعزّزها والجيل الثالث يهدمها. وحينما تتعرض الشركات العائلية للانتقاد بسبب قصر عمرها، فإن عادة ما يتناسى البعض بأن طول فترة بقاء الشركة هو هدف يصعب تحقيقه لأي شركة.

وفي عام 1982، وردت في كتاب بعنوان “بحثاً عن التميز” للكاتب توم بيترز و روبير. اتش وترمان قائمة تضم اثنتين وستون شركة ذات أداء متميز. وبحلول عام 1992، كانت معظم هذه الشركات تعاني من التعثّر. تعلن مجلة “فورتشن” سنويا قائمة بأبرز 500 شركة. وكانت ثلث الشركات المدرجة في قائمة المجلة لعام 1970 قد اختفت بحلول عام 1983. وفي واقع الأمر، فإن نتائج المسوحات تكشف النقاب عن أن متوسط عمر الشركة في اليابان وأوروبا لا يزيد على اثني عشر عاماً ونصف، بغض النظر عما إذا كانت مملوكة لعائلات أم لا (جاغديش شيث، العادات المدمرة للشركات الناجحة). هناك العديد من الأسباب وراء قصر دورة الحياة بالنسبة للشركات، لكن نادراً ما يُشار للملكية العائلية تحديداً أحد هذه الأسباب. لكن في واقع الأمر، فإن العكس في حالة الشركات العائلية في أغلب الأحيانصحيح، حيث أنها تعيش في المتوسط فترة أطول من الشركات الأخرى، بل وأيضاً تتفوق عليها في الأداء. وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة “مورغان ستانلي” أن الشركات العائلية تحقق عائداً على حقوق الملكية بنسبة 18.5 % مقارنة بنسبة 14.1 % للشركات غير العائلية (جون وارد 2007، كما نقلت عنه ايمي شومان ،اف بي سي جي، إنلاند برس، فبراير 2010). كماأظهرت دراسة أجرتها مجلة “نيوزويك” (في 22 أبريل عام 2004) أن الشركات العائلية تحقق أداء أفضل من منافسيها في كافة مؤشرات الأسهم الرئيسية في أوروبا.

الشركات العائلية الهندية

تعتبر معظم الشركات العائلية في الهند حديثة النشأة إلى حد كبير. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الهند خاضت حروباً أعوام 1962 و 1965 و1971، ولم تصبح بيئة الأعمال أكثر انفتاحاً إلا بعد عام 1980. ونتيجة لذلك، فإن الفترة الممتدة بين عامي 1980 و1995 هي الفترة التي شهدت قيام وازدهار عدد كبير من الشركات العائلية. انقسمت معظم هذه الشركات العائلية خلال الأعوام القليلة الماضية بسبب الخلافات العائلية، وهناك بعض العائلات التي لديها عمليات تجارية كبيرة، لكن معظمها شركات صغيرة ومتوسطة الحجم.

تتبنى الشركات العائلية ثقافة تكون غالباً وفي نفس الوقت ذات روح ريادية وتتمتع بالمرونة و قائمة على تحكّم الآباء، وتتميز بسرعة التفكير والقدرة على حل المشاكل والاقتصاد في الإنفاق. ونظراً لأن سمعة العائلة تكون على المحك، فإن هذه الشركات تحرص على القيم والالتزام على المدى البعيد والميل إلى العلاقات وروح الاستقلالية.

تتمتع أيضا الشركات العائلية الهندية بكفاءة عالية، وهي تضطر غالباً للعمل بموارد محدودة وتحقيق الاستفادة القصوى منها. فعلى سبيل المثال يحصل مصنع متعدد الجنسيات لتصنيع السيارات على أرض ممنوحة من الحكومة الهندية وعلى تمويل من أسواق المال أيضاً، لكن بالنسبة لغالبية الشركات العائلية فإن كل خطوة تمثل تحدياً، لكنها تقبل بهذه التحديات بروح ريادة أعمال حقيقية مستعدّة لتحمّل المخاطر.

بالإضافة إلى ذلك تتمتّع لشركات العائلية الهندية بمزايا خاصة، لا سيما الملكية الواعية. كما يساهم التزام الشركة ووضوح رؤيتها في تحقيق إنتاجية عالية، وبفضل تفانيها ومثابرتها تستطيع الشركات العائلية اقتناص الفرص من مشاكل معقدة وغير اعتيادية. كما وتميل الشركات العائلية أيضا لأن تكون أقل بيروقراطية، ولها القدرة على اتخاذ قرارات سريعة. تواجه هذه الشركات مخاطر عاطفية واقتصادية، ولهذا تتطلع على الأرجح إلى خلق قيمة مستدامة. ونتيجة لذلك، فإنه يمكنها التحرك بصورة أسرع ووفقاً لمنطق غير تقليدي، ويمكن أن تتبنى إجراءات مضادة للتقلبات الدورية والمراهنة على فرص جديدة.

التحدّيات

تتمتّع الشركات العائلية الهندية بمزايا عديدة بفضل خصائصها المتوارثة والثقافة الاجتماعية التي تدعم هياكلها. بيد أن هذه الفرص يمكن أن تتبدد في حال لم تحافظ الشركة على وحدتها، حيث أنه ومع نمو العائلة، فإن التحدي يكمن في الحفاظ على حسّ الوحدة. وهذه جُملة من التحدّيات النموذجية التي تواجهها الشركات العائلية الهندية اليوم:

1-الجيل القادم

يكمن التحدي الأكبر فيما يتعلق بالفجوة بين أجيال العائلة في أن مؤسس الشركة يعتاد على القيام بكل شيء بنفسه. وهكذا، تطورت الثقافة الفريدة التي تتميز بها الشركة العائلية في الهند اليوم وهي السياسة القائمة على المصلحة الذاتية، ورعاية مصلحة المالك، وصغر الحجم، وتبني وجهة نظر محدودة ونهجاً محافظاً. وأصبحت هذه الثقافة في نهاية المطاف عقبة في استيعاب “الغرباء”. وتشكل هذه الثقافة ذاتها تحدياً خطيراً في استيعاب أفراد الجيل القادم من العائلة. حيث من المفترض أن تتعاون الأجيال المختلفة التي لها رؤى مختلفة سوياً. وقد يكون هذا شيئا صعباً، حيث يكون  جيل الشباب  في كثير من الأحيان في عجلة من أمره ولديه طموحات كبيرة، في حين أن كبار السن في العائلة هم أكثر تحفظاً وحذراً. وتتسع الفجوة باستمرار بين الجيلين، وعندما يتفاقم الصراع بين الآباء والأبناء، فإن الأم هي غالباً ما تتولى دور (الرئيس التنفيذي العاطفي)، وهو الأمر الشائع في العديد من الشركات العائلية الهندية.


2- جذب الموظفين من خارج العائلة والإبقاء عليهم

ويتمثل التحد الآخر المحتمل في انضمام موظفين من خارج العائلة إلى الشركة العائلية، وقد أصبحت الثقافة التي ترسخت على مر الزمن عائقاً في قبول “الغرباء”. يصبح أصحاب الشركات في كثير من الأحيان في حيرة من أمرهم بشأن مدى الصلاحيات الذي ينبغي أن يتمتع بها الموظف من خارج العائلة، وفي معظم الشركات العائلية الهندية تكون المخاطر كبيرة، حيث أنه ليس من السهل وضع مصيرهم في أيدي موظفين من خارج العائلة.

بعد تأسيس الشركة، من الطبيعي أن يكون المالك على دراية بجميع جوانب عمل الشركة، لكن قد يكون من الصعب السماح للغرباء بالإطلاع على جميع هذه الجوانب. من جهة أخرى، يواجه الموظفون من خارج أفراد العائلة أيضاً مصاعب في التكيف مع ثقافة العمل الخاصة بالعائلة، حيث أنهم يعتادون على العمل في بيئات أعمال منظمة، لكن في الشركات العائلية قد لا يتوافر هذا الهيكل المنظم.

من المهم منح الوقت للموظفين الجدد حتى يتمكنوا من التعرف على مهام وظائفهم بشكل جيد، وفي نهاية المطاف يختار العديد من أصحاب الشركات العائلية الهندية موظفين من خارج العائلة بناء على أدائهم في عالم الشركات دون الالتفات كثيراً إلى  مدى ملاءمتهم مع ثقافة الشركة. فينسى هؤلاء  قضاء بعض الوقت في تسهيل عملية تكيّف هؤلاء الموظفين في شركاتهم.

3-انضمام نساء العائلة إلى الشركة العائلية

لا يزال الرجال يهيمنون بدرجة كبيرة على الشركات العائلية في الهند، كما يحظى دور النساء في مجال الأعمال وتوظيفهن بقبول وتشجيع إلى حد كبير، لكن حينما يتعلق الأمر بتوظيف النساء في الشركات العائلية، فإن هناك تحفّظات. في إطار السياق الاجتماعي للشركات العائلية بالهند، فإن تربية الأطفال تعتبر بشكل أساسي مسؤولية الأم. ولذا، فإنه حينما تثار قضية دور النساء في الشركة العائلية، فإن الأمر يتعلق بقدرتها على تحقيق التوازن بين واجباتها في المنزل ومهامها في العمل. ولكن مع زيادة أعداد النساء اللائي يتلقين قدراً كبيراً من التعليم، فإنهن يطالبن بدور في الشركات العائلية. ورغم أن النموذج التقليدي للعائلة لا يزال يعارض هذا الدور للمرأة، إلا أن العائلات ستجد نفسها مضطرة للتجاوب مع هذه المطالب. وإنه لحري بالشركات العائلية أن تستفيد من هذا المصدر الغني للموهبة.    

الحقائق

بدأ مشهد الأنشطة التجارية والأعمال في الهند بالتوسّع بسرعة كبيرة، ومن وجهة نظر الجيل السابق فقط، فإن مثل هذا النمو هو أمر لا يمكن تصوره. لكن هناك الكثير كي يتعلمه أبناء الجيل السابق، ويجب على الجيل القادم بأن يتعلم كيفية تقدير حكمة أبائهم، وأن يدرك في نفس الوقت بأنه لا غنى عن العمل الجاد.

ولمجابهة هذه التحديات، من الضروري أن يكون هناك فهم لديناميكيات الشركة العائلية والفصل بين الأشخاص والمشاكل. وينبغي على أفراد كل عائلة أن يدركوا بأن الآخر ليس مخطئاً، لكن لديه ثقافة مختلفة. وفور تعرُّف أفراد العائلات صاحبة الشركات على هذه الثقافات وادراكهم لضرورة تقدير واحترام وجهات النظر المختلفة، سواءً كانوا صغاراً أم كباراً، فسيصبح بإمكانهم العمل بإنسجام وتوافق مع الموظفين وعبر الأجيال المختلفة. ولذا، فإنه في حال استطاعت الشركات العائلة إدارة هذه الديناميكيات، فإنهما ستكون في أفضل وضع لحصاد فوائد الفرص الوفيرة في الاقتصاد الهندي وماوراءه.

Originally Published in Tharawat Magazine, Issue 15, 2012

Tags from the story